منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المواطنون يدفعون ثمن إعفاء الشركات من العقود في زمن الحرب.. “القوة القاهرة” تضرب أسواق سوريا وليبيا

30 أغسطس 2026
سوريا.. أزمة عدم الاستقرار تضرب الأسواق
سوريا.. أزمة عدم الاستقرار تضرب الأسواق

قد تنتهي مسؤولية شركة عن تأخر شحنة إذا أغلق ميناء بفعل القتال، وقد يتوقف التزام مورد إذا أصبح تحويل الأموال محظورا، لكن الإعفاء القانوني من تنفيذ العقد لا يعيد الدواء إلى الصيدلية ولا القمح إلى السوق.

وخلف النزاع التجاري الذي يبحث عمّن يتحمل الخسارة، توجد أحيانا سلسلة توريد كاملة تنتهي عند مستهلك لا علاقة له بالعقد لكنه قد يكون آخر من يدفع ثمن تعطله.

في سوريا وليبيا، حيث تتقاطع آثار النزاع وعدم الاستقرار مع الاعتماد على التجارة وسلاسل الإمداد، تكتسب قواعد القوة القاهرة معنى يتجاوز العلاقة بين الشركات.

والسؤال لا يتعلق فقط بمن يُعفى من المسؤولية عندما يستحيل التنفيذ، بل بكيفية منع توقف العقود من التحول إلى نقص في السلع الأساسية وارتفاع في الأسعار وعبء إضافي على السكان.

القوة القاهرة وارتفاع الكلفة

ليست كل حرب قوة قاهرة، ولا يكفي اندلاع نزاع مسلح أو فرض عقوبات لكي يتحرر المتعاقد تلقائيا من التزاماته، يتوقف الأمر على القانون الذي يحكم العقد ونصوصه والظروف المحيطة به.

لكن جوهر الاختبار يدور عادة حول وجود حدث خارج عن سيطرة الطرف، وتعذر توقعه أو تجنبه وفق المعيار القانوني المطبق، ووجود علاقة سببية بينه وبين عدم القدرة على التنفيذ.

فإذا أغلق ميناء أو أصبح تصدير سلعة محظورا أو مُنع تحويل مالي ضروري قانونا، قد يصبح التنفيذ مستحيلا، أما ارتفاع كلفة النقل أو التأمين أو شراء السلعة، فلا يعني بالضرورة استحالة التنفيذ.

وهنا يظهر الفرق بين القوة القاهرة والمشقة، فالأولى ترتبط بوجود مانع يحول دون التنفيذ، بينما تصف الثانية تغيرا استثنائيا يجعل تنفيذ العقد أشد إرهاقا أو يخل بتوازنه من دون أن يصبح مستحيلا بالضرورة، ولهذا قد تقود بعض الحالات إلى تعليق الالتزام، بينما تفتح أخرى باب إعادة التفاوض بدلا من إنهاء العقد.

لماذا سوريا وليبيا؟

تقدم الدولتان صورتين مختلفتين للعلاقة بين النزاع والعقود والسلع الأساسية. في سوريا تأتي المخاطر داخل اقتصاد أنهكته سنوات الحرب والانكماش وضعف القدرة الشرائية والعقوبات والقيود المالية واضطراب الإنتاج والتجارة، ويعاني 7.2 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 1.6 مليون في ظروف شديدة، كما لا يزال نحو 5.54 مليون شخص نازحين داخلياً، فيما تعود أعداد كبيرة إلى مناطق تعاني أصلا من ضعف البنية التحتية والخدمات وفرص العمل.

أما ليبيا فتعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط من جهة وعلى استيراد الغذاء من جهة أخرى، ويشكل قطاع النفط والغاز نحو 65% من الناتج المحلي الإجمالي و93% من الصادرات و72% من الإيرادات وفق البنك الدولي، ما يجعل الاضطرابات التي تصيب قطاع الطاقة ذات أثر واسع في الاقتصاد.

وفي الجانب الغذائي، تتوقع الفاو احتياج ليبيا إلى 3.3 مليون طن من واردات الحبوب خلال موسم 2026/2027، بينها 1.5 مليون طن من القمح.

وبذلك تكشف سوريا أثر تراكم الحرب والقيود الاقتصادية في سوق هشة، بينما تظهر ليبيا كيف يمكن لاضطراب قطاع استراتيجي أو طرق التجارة أن ينتقل إلى اقتصاد يعتمد على عائدات النفط لتمويل احتياجاته وعلى الخارج لتوفير جانب كبير من غذائه.

البديل جزء من النزاع

تقول المحامية المتخصصة في القانون الدولي والقضايا التجارية، تالا الحليق، إن الحرب أو العقوبات لا تعني تلقائيا تحقق القوة القاهرة، بل يجب إثبات العلاقة السببية بين الحدث وعدم القدرة على تنفيذ الالتزام.

وتوضح الحليق، في حديثها لـ«صفر»، أنه إذا أدت العقوبات إلى حظر قانوني يمنع تحويل الأموال أو توريد سلعة، فقد تتوافر شروط القوة القاهرة، أما إذا كان بالإمكان استخدام وسيلة دفع أو طريق نقل أو مورد بديل بصورة معقولة، فقد تعتبر المحكمة أو هيئة التحكيم أن التنفيذ أصبح أكثر صعوبة أو تكلفة وليس مستحيلا.

وتضيف الحليق أن تقييم الحالة يتأثر بتاريخ إبرام العقد ونصوص القوة القاهرة والعقوبات وطبيعة الالتزام وإمكان وجود البدائل، إضافة إلى واجب الإخطار واتخاذ الإجراءات المعقولة للحد من الضرر.

وتكمن أهمية هذا التمييز في الحالة السورية في أن اضطراب الإمدادات يقع فوق أزمة معيشية قائمة أصلا. ففي مايو 2026 اضطر برنامج الأغذية العالمي بسبب نقص التمويل إلى خفض مساعداته الغذائية الطارئة 50%، من 1.3 مليون مستفيد إلى 650 ألفا، كما أوقف برنامجا وطنيا لدعم الخبز كان يستفيد منه الملايين يوميا.

وهكذا قد لا يكون الخلاف حول تنفيذ العقد مجرد مسألة تتعلق بتعويض مالي بين شركتين عندما تكون السلعة المتأثرة جزءا من احتياجات مجتمع يعاني أصلا من ضعف الوصول إلى الغذاء.

ليبيا والقوة القاهرة

في أغسطس 2026 أصبحت المسألة أكثر واقعية في ليبيا، فبعد هجمات بطائرات مسيرة على مجمع الزاوية النفطي ومنشآت للطاقة، حذرت المؤسسة الوطنية للنفط من إمكان إعلان القوة القاهرة إذا استمرت الاعتداءات على البنية التحتية، كما أدت التطورات الأمنية إلى تعطيل أعمال في قطاع الطاقة وإثارة مخاوف بشأن استمرار العمليات.

ولا يعني ذلك أن ليبيا شهدت بالفعل توقفا واسعا لإمدادات الغذاء بسبب هذه الأحداث، وينبغي عدم إقامة علاقة لم تثبتها الوقائع. لكن الحالة تقدم مثالا مباشرا على كيفية انتقال حدث أمني خلال ساعات إلى مسألة تتعلق باستمرار الإنتاج وتنفيذ الالتزامات والعقود.

وتزداد حساسية ذلك في اقتصاد سجل نموا حقيقيا بلغ 13.4% في 2025 بدعم كبير من قطاع النفط، لكنه ما زال شديد الاعتماد على المحروقات وعرضة للاضطرابات السياسية والأمنية.

وفي الوقت نفسه ارتفع تضخم الغذاء في ليبيا نحو 18% على أساس سنوي في مايو 2026، فيما تراجع الدينار بنحو 15% مقارنة بالعام السابق، الأمر الذي رفع كلفة الغذاء المستورد.

من يحمي المستهلك؟

القوة القاهرة تجيب عن سؤال قانوني بين أطراف العقد.. هل يتحمل الطرف مسؤولية عدم التنفيذ؟ لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال آخر: ماذا يحدث للأشخاص الذين يعتمدون على السلعة أو الخدمة التي توقف وصولها؟

فقد يكون المورد معذورا قانوناً، ويكون المشتري غير مسؤول عن توقف الصفقة، ومع ذلك يجد المستهلك نفسه أمام دواء غير متاح أو غذاء ارتفع سعره أو وقود تعطلت إمداداته، ولا يعني ذلك تحميل الشركات التزاما مطلقا باستمرار التوريد مهما كانت الظروف، وإنما يوضح الفرق بين توزيع المسؤولية التعاقدية وإدارة أثر الأزمة على السكان.

الأولى تعالجها العقود والمحاكم وهيئات التحكيم. أما الثانية فتدخل فيها مسؤوليات أوسع تتعلق بسياسات الدولة وإدارة المخزون والبدائل وتنويع مصادر الاستيراد وحماية سلاسل توريد الغذاء والدواء والطاقة ومراقبة الأسواق وحماية الفئات الأكثر هشاشة.

العقد الجيد يوزع مخاطر الأزمة

يمكن لصياغة العقود أن تقلل جزءا من الفوضى عندما تقع الأزمة، فالتحديد الدقيق لما يعد قوة قاهرة، ومواعيد الإخطار، ومدة تعليق الالتزام، والبحث عن البدائل، وآليات إعادة التفاوض، ومصير العقد إذا طال المانع، كلها مسائل تحد من النزاع وتوضح مسبقا من يتحمل أي جزء من الخسارة.

لكن في الدول المتأثرة بالنزاعات لا يمكن ترك حماية السلع الأساسية للعقود وحده؛ فتنويع الموردين ومسارات النقل، وتأمين مخزون مناسب من السلع الحيوية، ووضع خطط لاستمرار الإمدادات، ومراقبة أثر الاضطرابات في الأسعار، تصبح أدوات لحماية السكان عندما تتوقف التجارة عن العمل بصورة طبيعية.

وتكشف سوريا وليبيا حدود ما يستطيع قانون العقود فعله في زمن الحرب، فيمكنه أن يحدد ما إذا كان المورد معذورا، ومن يتحمل الخسارة، وهل يعلق العقد أو يعاد التفاوض بشأنه، لكنه لا يستطيع وحده ضمان وصول كيس القمح أو عبوة الدواء أو الوقود إلى من يحتاجها؛ ولهذا فإن القوة القاهرة ليست نهاية السؤال عندما يتعلق العقد بسلعة أساسية بل بدايته.

فقد يكون عدم تنفيذ العقد مبررا تماما في ميزان القانون، بينما تبقى نتيجته قاسية تماما في حياة الناس. وبين الاثنين تقع مسؤولية منع الأزمة التجارية من التحول إلى حرمان معيشي يدفع ثمنه من لم يكن طرفا في العقد أصلا.