منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الكونغو الديمقراطية تُشكّل مجلساً جديداً لملاحقة جرائم الحرب وإنصاف الضحايا

15 يوليو 2026
العنف في الكونغو
العنف في الكونغو

تسعى جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى تعزيز مسار العدالة الدولية في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابا، بعدما أعلنت تشكيل مجلس استشاري جديد يضم نخبة من كبار المحامين والخبراء المتخصصين في جرائم الحرب والقانون الدولي من الولايات المتحدة وأوروبا.

تستهدف تلك الخطوة دعم جهود الحكومة في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي شهدها شرق البلاد، وملاحقة المسؤولين عنها، والعمل على ضمان حصول الضحايا على حقوقهم القانونية والتعويضات المستحقة، ويأتي هذا التحرك في وقت تكثف فيه كينشاسا جهودها لنقل ملف الصراع المستمر منذ عقود إلى ساحات القضاء الدولي، بعد سنوات طويلة من اتهامات متكررة باستمرار الإفلات من العقاب.

وذكرت وكالة رويترز أن الحكومة الكونغولية أعلنت تشكيل المجلس الاستشاري الجديد تحت اسم مجلس التحقيق في الفظائع المرتكبة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ليقدم الدعم القانوني والفني لمؤسسات الدولة المختصة بتوثيق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وجمع الأدلة، ومتابعة ملفات التعويضات، وتعزيز التحركات القضائية أمام الهيئات والمحاكم الدولية، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي شهدها شرق البلاد.

مجلس دولي لدعم التحقيقات

تتولى رئاسة المجلس بصورة مشتركة الناشطة الكونغولية في مجال حقوق الإنسان جوليان لوسينجي، إلى جانب القاضي البريطاني السابق هوارد موريسون، الذي شغل مناصب قضائية بارزة في المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة.

 ويضم المجلس عددا من المحامين والخبراء الدوليين المتخصصين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ما يمنحه خبرات قانونية واسعة في مجالات التحقيق الدولي، وتوثيق الانتهاكات، وإعداد الملفات القضائية وفق المعايير المعتمدة أمام المحاكم الدولية.

وتراهن الحكومة الكونغولية على خبرات أعضاء المجلس في تعزيز جودة الأدلة القانونية، ودعم المؤسسات الوطنية التي تعمل على رصد الجرائم، بما يسهم في بناء ملفات أكثر قوة خلال أي إجراءات قضائية مستقبلية.

تصعيد على الساحة الدولية

يعكس تشكيل المجلس الاستشاري اتجاها واضحا لدى كينشاسا نحو توسيع نطاق تحركاتها القانونية خارج الحدود الوطنية، فقد رفعت الحكومة الكونغولية خلال الشهر الماضي دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها رواندا بانتهاك التزاماتها الدولية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية مناهضة التعذيب.

وتؤكد الحكومة الكونغولية أن هذه الخطوة تأتي ضمن مسار قانوني متكامل يهدف إلى تحميل المسؤولية لكل من ساهم في استمرار أعمال العنف داخل شرق البلاد، بينما تنفي رواندا باستمرار الاتهامات الموجهة إليها بشأن دعم جماعات مسلحة تنشط داخل الأراضي الكونغولية.

صراع يمتد لعقود

يُعد الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية من أطول النزاعات المسلحة في القارة الإفريقية، حيث تشهد المنطقة منذ عقود مواجهات متكررة بين القوات الحكومية وعشرات الجماعات المسلحة التي تتنافس على النفوذ والسيطرة على المناطق الغنية بالثروات الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب والكولتان والقصدير والكوبالت، وهي معادن تدخل في صناعة الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية والتقنيات الحديثة.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة وعدد من المؤسسات الدولية إلى أن هذا الصراع تسبب في مقتل ملايين الأشخاص بصورة مباشرة أو غير مباشرة نتيجة أعمال العنف، والأمراض، وسوء التغذية، وانهيار الخدمات الأساسية، كما أدى إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح الإنساني في العالم، حيث اضطر ملايين المدنيين إلى مغادرة منازلهم هربا من القتال.

جذور الأزمة

ترتبط جذور الأزمة الحالية بالأحداث التي أعقبت الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، عندما فر عدد كبير من المسؤولين عن المجازر وعناصر الميليشيات إلى شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو ما ساهم في تعقيد المشهد الأمني، وأدى إلى ظهور تحالفات مسلحة جديدة وصراعات إقليمية متشابكة استمرت لعقود.

وترى الأمم المتحدة أن تداخل العوامل العرقية والسياسية والاقتصادية، إلى جانب الصراع على الموارد الطبيعية، ساهم في إطالة أمد النزاع، وأعاق جهود التوصل إلى تسوية دائمة، رغم توقيع عدد من الاتفاقيات الإقليمية خلال السنوات الماضية.

دعوات لإنهاء الإفلات من العقاب

واصل الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي خلال العامين الماضيين تصعيد خطابه أمام المجتمع الدولي بشأن الانتهاكات التي تشهدها بلاده. وخلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي، دعا إلى الاعتراف بما وصفه بالإبادة الجماعية الصامتة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مطالبا بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للمساعدة في كشف الحقيقة وإنهاء دائرة الإفلات من العقاب.

وتنسجم هذه الدعوة مع مطالب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التي أكدت في تقاريرها الدورية أهمية محاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة المرتكبة ضد المدنيين، بما يشمل جرائم القتل الجماعي، والعنف الجنسي، والتجنيد القسري للأطفال، والتهجير القسري، باعتبارها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

آمال الضحايا

ينظر كثير من الضحايا والمنظمات الحقوقية المحلية إلى المجلس الاستشاري الجديد باعتباره فرصة لتعزيز فرص العدالة بعد سنوات طويلة من تعثر المحاسبة.

وتأمل الحكومة الكونغولية أن يسهم المجلس في بناء ملفات قانونية قوية تساعد على ملاحقة المسؤولين أمام الهيئات القضائية الدولية، إلى جانب دعم جهود المطالبة بتعويض الضحايا وإعادة الاعتبار لهم، بما يرسخ الثقة في مسار العدالة ويعزز فرص تحقيق الاستقرار في المناطق المتضررة من النزاع.

تُعد جمهورية الكونغو الديمقراطية من أكثر الدول تأثرا بالنزاعات المسلحة في إفريقيا منذ تسعينيات القرن الماضي، نتيجة تداخل الصراعات الداخلية مع الأبعاد الإقليمية والتنافس على الموارد الطبيعية الاستراتيجية. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن شرق البلاد يضم عشرات الجماعات المسلحة التي تنشط في مناطق غنية بالذهب والكولتان والكوبالت والقصدير، بينما تسببت أعمال العنف المتواصلة في نزوح ملايين المدنيين ووقوع انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، شملت القتل خارج نطاق القانون، والعنف الجنسي، وتجنيد الأطفال، والتهجير القسري.

وتواصل بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية دعم السلطات في حماية المدنيين، في وقت تدعو فيه الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية والمنظمات الحقوقية الدولية إلى تعزيز المساءلة وإنهاء الإفلات من العقاب باعتباره أحد الشروط الأساسية لتحقيق سلام مستدام في البلاد.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print