شهدت العاصمة التونسية، مسيرة تضامنية واسعة شارك فيها ناشطون وممثلون عن منظمات المجتمع المدني للتعبير عن دعمهم للمهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وللمطالبة بمواجهة ما وصفوه بتصاعد الخطابات والممارسات العنصرية ضد هذه الفئة.
وجاءت التحركات في ظل استمرار الجدل الداخلي في تونس بشأن سياسات الهجرة والعودة الطوعية، وما يرافقها من انتقادات حقوقية ومواقف رسمية متباينة حول كيفية إدارة هذا الملف المعقد.
وذكرت وكالة الأنباء الألمانية أن المشاركين في المسيرة دعوا إلى اتخاذ إجراءات حازمة لوقف الانتهاكات العنصرية التي تستهدف المهاجرين، مؤكدين ضرورة احترام الحقوق الأساسية لجميع المقيمين على الأراضي التونسية بغض النظر عن جنسياتهم أو أوضاعهم القانونية.
وتزامنت هذه التحركات مع استمرار عمليات إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية ضمن برامج تنفذها السلطات التونسية بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة وعدد من الشركاء الدوليين.
انطلقت المسيرة من ساحة مانديلا وسط أجواء صيفية حارة، حيث رفع المشاركون شعارات تدعو إلى نبذ التمييز والعنصرية وتعزيز قيم التضامن الإنساني. كما أكد المحتجون البعد الإفريقي لتونس، معتبرين أن الروابط التاريخية والجغرافية والثقافية التي تجمع البلاد بمحيطها الإفريقي تفرض تبني سياسات أكثر انفتاحاً واحتراماً لحقوق المهاجرين واللاجئين.
شعارات ضد الكراهية
ردد المشاركون خلال المسيرة هتافات ترفض العنصرية وتندد بخطابات الكراهية، كما رفعوا لافتات تطالب بوقف ما وصفوه بمحاولات التطبيع مع الخطاب العنصري. وأكد المتظاهرون أن التصدي للتمييز لا يقتصر على الإجراءات القانونية فقط، بل يتطلب أيضاً جهوداً مجتمعية وتربوية وثقافية لترسيخ قيم التعايش والاحترام المتبادل بين مختلف الفئات.
ويرى منظمو المسيرة أن تنامي الخطابات السلبية تجاه المهاجرين خلال السنوات الأخيرة أسهم في زيادة التوترات الاجتماعية وأوجد بيئة أكثر صعوبة بالنسبة للآلاف من الوافدين الذين يقيمون في تونس سواء بشكل قانوني أو في إطار محاولاتهم العبور نحو أوروبا.
انتقادات للسياسات الحالية
في هذا السياق، حمّل رئيس جمعية الأرض للجميع، عماد سلطاني، السلطات جزءاً من المسؤولية عن انتشار الخطاب العنصري، معتبراً أن السياسات المتبعة في إدارة ملف الهجرة أسهمت في تغذية المخاوف داخل المجتمع. وقال إن مذكرة التفاهم التي وقعتها تونس مع الاتحاد الأوروبي عام 2023 شكلت أحد العوامل التي عززت الجدل والتوتر المرتبطين بقضية الهجرة غير النظامية.
وأضاف سلطاني أن الخطاب الرسمي المتشدد تجاه المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء أدى إلى تنامي مخاوف لدى شريحة من المواطنين بشأن تأثيرات محتملة على التركيبة السكانية، وهو ما انعكس في بعض المواقف والسلوكيات تجاه المهاجرين. كما انتقد ما اعتبره نقل الاتحاد الأوروبي أعباء إدارة أزمة الهجرة إلى دول العبور، مؤكداً أن ذلك يثير تساؤلات متعلقة باحترام حقوق الإنسان وحرية التنقل.
محاكمات ومخاوف حقوقية
وتأتي هذه المسيرة أيضاً في وقت تواصل فيه السلطات التونسية ملاحقة عدد من النشطاء العاملين في جمعيات تُعنى بالدفاع عن حقوق المهاجرين ومناهضة التمييز العنصري. وتتابع منظمات حقوقية هذه القضايا عن كثب، معتبرة أن حماية المدافعين عن حقوق الإنسان تمثل جزءاً أساسياً من ضمان الحريات العامة واحترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وتؤكد منظمات المجتمع المدني أن معالجة ملف الهجرة تتطلب مقاربة شاملة توازن بين مقتضيات الأمن والسيادة الوطنية من جهة، واحترام الحقوق الإنسانية للمهاجرين من جهة أخرى، ما يضمن الحد من التوترات الاجتماعية وتوفير ظروف أكثر استقراراً لجميع الأطراف.
برامج العودة الطوعية
خلال السنوات الأخيرة، اعتمدت تونس بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة برامج للعودة الطوعية وإعادة الإدماج، وأسهمت هذه البرامج في عودة أكثر من 27 ألف مهاجر إلى بلدانهم الأصلية منذ عام 2022. وتزامن ذلك مع تراجع ملحوظ في محاولات العبور غير النظامية عبر البحر المتوسط نحو السواحل الأوروبية، وهو ما دفع السلطات إلى اعتبار هذه البرامج جزءاً من جهود إدارة تدفقات الهجرة بطريقة منظمة.
وتؤكد الحكومة التونسية أن برامج العودة تراعي الجوانب الإنسانية للمهاجرين، وتوفر لهم فرصاً لإعادة الاندماج وبدء حياة جديدة في بلدانهم الأصلية. في المقابل، تواصل منظمات حقوقية التعبير عن قلقها إزاء ما تقول إنها انتهاكات يتعرض لها بعض المهاجرين، خاصة في المناطق التي تشهد احتكاكات مع السكان المحليين، إضافة إلى قيود مرتبطة بالعمل والسكن وظروف الإقامة.
تحولت تونس خلال العقد الأخير من بلد عبور محدود للمهاجرين إلى إحدى أبرز نقاط الانطلاق والعبور نحو أوروبا عبر البحر المتوسط، مستفيدة من موقعها الجغرافي القريب من السواحل الأوروبية. ومع تزايد أعداد المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، برزت تحديات اجتماعية واقتصادية وأمنية دفعت السلطات إلى تشديد إجراءاتها المتعلقة بالهجرة غير النظامية. وفي المقابل، تصاعدت مطالب المنظمات الحقوقية بضرورة توفير حماية كبرى للمهاجرين وضمان احترام حقوقهم الأساسية. ويظل ملف الهجرة من أكثر القضايا إثارة للنقاش في تونس؛ نظراً لتشابكه مع العلاقات التونسية الأوروبية، والأوضاع الاقتصادية الداخلية، والتحديات المرتبطة بإدارة الحدود وحماية حقوق الإنسان في الوقت نفسه.
