منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين التمويل وحقوق الإنسان.. مطالبات بالعدالة المناخية والمحاسبة في مجلس حقوق الإنسان

19 يونيو 2026
مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك في جلسة عن العدالة المناخية
مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك في جلسة عن العدالة المناخية

شهدت الدورة الثانية والستون لمجلس حقوق الإنسان نقاشًا موسعًا حول الآثار السلبية لتغير المناخ على حقوق الإنسان، وسط تحذيرات أممية من أن العالم يقترب من نقاط تحول مناخية خطيرة قد تؤدي إلى تداعيات غير قابلة للعكس، ومطالب متزايدة بإصلاح نظام التمويل المناخي العالمي وضمان وصول موارده إلى الفئات والدول الأكثر تضررًا.

وفي الجلسة التي خُصصت لمناقشة العلاقة بين تمويل المناخ وحقوق الإنسان، أكد المشاركون أن أزمة المناخ لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت تحديًا حقوقيًا وتنمويًا يهدد الحق في الحياة والصحة والغذاء والمياه والسكن والتنمية، خاصة بالنسبة للدول الفقيرة والدول الجزرية الصغيرة والشعوب الأصلية.

استهل مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أعمال الجلسة بتحذير شديد اللهجة من أن العالم يشهد بالفعل آثار تغير المناخ بصورة غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن أوروبا تعيش موجة حر ثانية خلال الصيف رغم أن شهر يونيو لم ينتهِ بعد، فيما تتكرر الكوارث المناخية في مختلف مناطق العالم.

وقال إن ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع الإنتاجية وانتشار الأمراض في مناطق جديدة ليست سوى بعض مظاهر الأزمة التي أصبحت تضرب المجتمعات في كل مكان، مؤكدًا أن غياب التمويل المناخي العاجل والواسع النطاق سيؤدي إلى تفاقم الكارثة خلال السنوات المقبلة.

تحولات مناخية مفاجئة

وأوضح أن العالم يخطئ عندما يفترض أن المستقبل سيكون مجرد نسخة أكثر حرارة من الحاضر، لافتًا إلى أن العلماء يحذرون من تحولات مناخية مفاجئة وفوضوية قد تؤدي إلى انهيار اقتصادات كاملة، خاصة في الدول الهشة، كما أن ظواهر مثل ذوبان الغطاء الجليدي في غرينلاند أو اضطراب التيارات الأطلسية قد تترك آثارًا عالمية فورية ودائمة.

وأشار تورك إلى أن الحكومات سارعت إلى إنقاذ البنوك خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، إلا أن إنقاذ الكوكب يتطلب اليوم إرادة سياسية وتمويلًا مختلفًا جذريًا.

ورأى المفوض السامي أن إنكار تغير المناخ تحول إلى موجة واسعة من المعلومات المضللة، لكن الأخطر هو استمرار إنكار الحاجة إلى التمويل المناخي الكافي.

وأكد أن المؤسسات المالية العالمية ما زالت تضخ أموالًا ضخمة في صناعة الوقود الأحفوري بدلًا من الاستثمار في التحول الأخضر، موضحًا أن تقريرًا حديثًا أظهر تقديم أكثر من 900 مليار دولار من التمويل لصالح هذه الصناعة خلال العام الماضي.

كما انتقد استمرار الدعم الحكومي للوقود الأحفوري، معتبرًا أنه يشوّه الأسواق ويؤخر التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة التي أصبحت، بحسب قوله، الخيار الأرخص والأكثر أمنًا ونظافة لإنتاج الطاقة الجديدة.

وأضاف أن بعض السياسيين يواصلون استخدام دعم الطاقة التقليدية لتحقيق مكاسب انتخابية قصيرة الأجل، رغم أن كلفتها الحقيقية على المجتمعات والبيئة ستكون أعلى بكثير في المستقبل.

من يجب أن يدفع؟

وطرح تورك سؤالًا جوهريًا يتعلق بالمسؤولية عن تمويل العمل المناخي، مشددًا على أن الجهات التي استفادت تاريخيًا من الانبعاثات هي التي ينبغي أن تتحمل العبء الأكبر.

وأشار إلى أن قاعدة بيانات كبار منتجي الكربون تظهر أن 78 شركة ودولة منتجة مسؤولة عن نحو ثلاثة أرباع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الوقود الأحفوري وصناعة الإسمنت منذ عام 1751.

ولفت إلى أن أغنى 1% من سكان العالم استهلكوا منذ توقيع اتفاق باريس للمناخ أكثر من ضعف الميزانية الكربونية التي استخدمها نصف سكان العالم الأفقر مجتمعين.

واعتبر أن تمويل المناخ لم يعد مجرد خيار سياسي أو اقتصادي، بل أصبح التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا يستند إلى مبادئ العدالة والإنصاف، مشيرًا إلى أن محكمة العدل الدولية أكدت هذا التوجه في رأيها الاستشاري الأخير.

الدول الأكثر احتياجًا والتمويل

انتقد تورك طريقة توزيع التمويل المناخي الحالي، موضحًا أن الدول الأقل نموًا والدول الجزرية الصغيرة النامية، وهي الأكثر تعرضًا للأضرار المناخية، لم تحصل خلال الفترة بين 2016 و2024 إلا على نسب محدودة من التمويل المتاح عالميًا.

وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من التمويل يأتي على شكل قروض، ما يزيد أعباء الديون على الدول النامية ويحد من قدرتها على الاستثمار في قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم والإسكان.

وشدد على أن تمويل المناخ يجب أن يستند إلى مبادئ حقوق الإنسان، وأن يوجه بصورة خاصة إلى الفئات الأكثر هشاشة، بمن في ذلك النساء والفقراء والمهاجرون والشعوب الأصلية والأقليات.

واستشهد بتقرير حديث لليونيسف أظهر أن أكثر من مليار طفل يواجهون أخطارًا مناخية متعددة تشمل الفيضانات والجفاف والعواصف والحر الشديد.

ودعا إلى إنهاء الدعم الموجه للوقود الأحفوري بصورة تدريجية وعادلة، وفرض ضرائب على أرباح هذه الصناعة، وإعادة توجيه العائدات نحو العمل المناخي والحماية الاجتماعية.

واختتم مداخلته متسائلًا عمّا إذا كانت الأجيال القادمة ستنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها مجرد تقصير سياسي أم جرائم بحق الإنسانية نتيجة الفشل في مواجهة الأزمة المناخية.

الضحايا يدفعون الثمن

من جانبها، أكدت الممثلة الدائمة لجزر البهاما لدى الأمم المتحدة باتريشيا هيرمانس أن الدول الجزرية الصغيرة لا تسهم إلا بنسبة ضئيلة للغاية في الانبعاثات العالمية، لكنها تتحمل الجزء الأكبر من الأضرار والخسائر.

وقالت إن الفجوة بين المسؤولية المحدودة والمخاطر الهائلة التي تواجهها هذه الدول تمثل جوهر الظلم المناخي، مؤكدة أن تأثيرات تغير المناخ أصبحت تهدد بصورة مباشرة حقوق الإنسان الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة والغذاء والمياه والصحة والسكن والتنمية والثقافة.

وأشارت إلى أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2025 أكد وجود التزامات قانونية على الدول لمنع تغير المناخ الخطير وحماية حقوق الإنسان المتضررة منه، موضحة أن هذا الحكم عزز مطالب الدول المعرضة للمخاطر المناخية بالحصول على تمويل ودعم حقيقيين.

وأكدت أن التعاون الدولي ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتوفير التمويل الكافي لم يعد خيارًا، بل أصبح واجبًا قانونيًا.

دعوات لإصلاح النظام المالي العالمي

وأشارت هيرمانس إلى دراسات حديثة تفيد بأن الدول المتقدمة قد تكون مدينة بما يصل إلى 192 تريليون دولار نتيجة ما وصفته بالاستحواذ على الحيز الجوي للكوكب عبر الانبعاثات التاريخية.

وقالت إن هذا يغير النظرة إلى التمويل المناخي من كونه مساعدات طوعية إلى كونه شكلًا من أشكال تسوية الديون المناخية التاريخية، وانتقدت ضعف تمويل صندوق الخسائر والأضرار، مؤكدة أن التعهدات الحالية لا تغطي سوى أقل من 1% من الاحتياجات المقدرة.

وطالبت بأن يكون التمويل المناخي قائمًا على المنح لا القروض، وأن يكون سهل الوصول وقابلًا للتنبؤ وغير مولد للديون.

ودعت كذلك إلى إصلاح الهيكل المالي الدولي، وتوسيع التمويل الميسر، وإعادة هيكلة الديون، واعتماد مؤشرات جديدة تراعي هشاشة الدول بدلًا من الاقتصار على تصنيفات الدخل التقليدية.

الشعوب الأصلية

في مداخلة أخرى، قال المدير التنفيذي لمنظمة البرنامج الرعوي لمصادر الأراضي الأصيلة ستانلي كيميرون ريميت إن الشعوب الأصلية، رغم أنها تمثل نحو 6% فقط من سكان العالم، تلعب دورًا رئيسيًا في حماية التنوع البيولوجي والنظم البيئية ومخازن الكربون الطبيعية.

وأوضح أن تغير المناخ يفاقم أوضاع الهشاشة التي تعاني منها هذه المجتمعات، ويهدد مصادر عيشها التقليدية وأمنها الغذائي وتراثها الثقافي.

واستشهد بموجة الجفاف الشديدة التي ضربت كينيا عام 2012 وأدت إلى خسارة الرعاة نحو 70% من ثرواتهم الحيوانية، مؤكدًا أن آثار مثل هذه الكوارث تستمر لسنوات طويلة.

ورغم الدور الحيوي للشعوب الأصلية في حماية البيئة، قال ريميت إن أقل من 1% من التمويل المناخي العالمي يصل إليها بشكل مباشر، بسبب تعقيد الإجراءات وصعوبة الوصول إلى آليات التمويل.

وطالب بتخصيص ما لا يقل عن 25% من التمويل المناخي العالمي للشعوب الأصلية بحلول عام 2027، وإشراكها في صنع القرار وإنشاء آليات شفافة لتتبع التدفقات المالية الموجهة إليها.

التمويل المناخي التزام وليس إحسانًا

بدورها، شددت المديرة التنفيذية لمركز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ماريا رون بالسيرا على أن التمويل المناخي لا يتعلق بالأموال فقط، بل يرتبط بتاريخ طويل من الاستعمار وعدم المساواة والإفلات من العقاب.

وقالت إن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية غيّر المشهد القانوني بصورة جوهرية عندما أكد أن على الدول المتقدمة التزامات قانونية واضحة تجاه حقوق الإنسان في سياق المناخ.

وأضافت أن النظام الحالي للتمويل المناخي يعاني من مشكلات في الحجم والجودة والعدالة والحوكمة، مشيرة إلى أن التدفقات المالية الحالية لا تزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية.

وأوضحت أن العديد من الدول النامية تنفق على خدمة ديونها أكثر مما تنفقه على مواجهة آثار تغير المناخ، فيما تستمر إعانات الوقود الأحفوري في تجاوز الالتزامات المالية المناخية.

ودعت إلى زيادة التمويل العام عبر الضرائب التصاعدية، والتخلص التدريجي من دعم الوقود الأحفوري، والتحول من القروض إلى المنح، وتوجيه الموارد نحو النساء والشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية.

أزمة المناخ اعتداء على الحقوق

من جانبه، قال محمد حفيظ الإسلام خان، المدير التنفيذي لمركز العدالة المناخية في بنغلاديش ومستشار مجموعة الدول الأقل نموًا، إن ملايين الأشخاص في الدول النامية يستيقظون يوميًا على مخاوف مرتبطة بالفيضانات والأعاصير وارتفاع مستوى البحار.

وأوضح أن تغير المناخ لم يعد قضية نظرية أو سياسية مجردة، بل أصبح اعتداءً مباشرًا ومتكررًا على الحقوق الأساسية للإنسان، وعلى رأسها الحق في الحياة والمياه والصحة والسكن.

وأكد أن الدول الأقل نموًا، رغم مساهمتها المحدودة جدًا في الانبعاثات العالمية، تتحمل الجزء الأكبر من الخسائر والأضرار، مشددًا على أن التمويل المناخي يجب أن يعكس المسؤوليات التاريخية للدول الصناعية.

وأشار إلى أن تعهدات التمويل السابقة لم تنفذ بالكامل، وأن جزءًا كبيرًا مما تم تقديمه جاء في صورة قروض بدلًا من منح، ما يفاقم الأعباء المالية على الدول الأكثر هشاشة.

إعادة صياغة العدالة المناخية

وخلصت المناقشات إلى توافق واسع بين المشاركين على أن أزمة المناخ أصبحت قضية حقوق إنسان بامتياز، وأن التمويل المناخي يجب أن ينتقل من منطق المساعدات الطوعية إلى منطق الالتزامات القانونية والعدالة الدولية.

وبرزت دعوات متكررة لإصلاح النظام المالي العالمي، وإلغاء أو تخفيف أعباء الديون عن الدول المتضررة، وتوسيع التمويل القائم على المنح، وفرض ضرائب على الملوثين الكبار، وضمان وصول الموارد مباشرة إلى المجتمعات الأكثر هشاشة.

وأكد المشاركون أن نجاح الجهود المناخية لن يقاس فقط بحجم الأموال المعلنة، بل بقدرة تلك الأموال على حماية الحقوق الأساسية للإنسان وتعزيز الصمود والتنمية العادلة في مواجهة واحدة من أخطر الأزمات التي يشهدها العالم في العصر الحديث.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print