منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

3950 حالة إجهاض في 6 أشهر.. كيف حوّلت الحرب الحمل إلى خطر يومي في غزة؟

16 أغسطس 2026
سيدة حامل في خيام النازحين داخل قطاع غزة
سيدة حامل في خيام النازحين داخل قطاع غزة

قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن مؤشرات الصحة الجنسية والإنجابية في قطاع غزة شهدت تدهوراً حاداً خلال النصف الأول من عام 2026، مع تسجيل نحو 3950 حالة إجهاض تلقائي بين يناير ويونيو، وفق بيانات وزارة الصحة في غزة.

وأظهرت البيانات أن معدل فقدان الحمل بلغ 208.5 حالة لكل ألف ولادة حية، بزيادة 3.3 ضعف مقارنة بالنصف الثاني من عام 2025، في حين بلغ المعدل ذروته في أبريل عند 377.3 حالة لكل ألف ولادة حية.

وأوضحت قناة “فرانس 24″، استناداً إلى بيانات وزارة الصحة في غزة وشهادات طبيبتين متخصصتين في أمراض النساء والتوليد، أن هذا الارتفاع لا يرتبط بعامل صحي منفرد، بل يتزامن مع النزوح المتكرر، والاكتظاظ، والخوف المستمر، وسوء التغذية، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات والأدوية والفحوصات، مؤكدة أن عمليات النزوح والضغط النفسي المزمن والخوف على أفراد الأسرة تؤثر سلباً في صحة الأم والحمل، في حين يؤدي انقطاع المتابعة الطبية إلى تأخر اكتشاف المضاعفات وعلاجها.

تدهور غير مسبوق

قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن نحو 74 في المئة من حالات فقدان الحمل المسجلة في غزة بين يناير ويونيو 2026 حدثت خلال الثلث الأول من الحمل، في حين عانت 57.1 في المئة من النساء الحوامل من فقر الدم. وأضاف المكتب أن معدل الاعتلالات الوخيمة لدى الأمهات وصل إلى 82 حالة لكل ألف ولادة، في حين شكل النزيف وارتفاع ضغط الدم والعدوى 92 في المئة من هذه المضاعفات.

وأشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن عدد الولادات انخفض 3.2 في المئة خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025، في حين وصلت الولادات القيصرية إلى 49.2 في المئة من إجمالي الولادات.

وذكر المكتب أن ارتفاع نسبة القيصريات ارتبط بدرجة كبيرة بحالات طارئة وصلت فيها نساء قطاع غزة إلى المرافق الصحية في أوضاع حرجة، وهو مؤشر آخر على أن كثيراً من النساء لا يحصلن على الرعاية اللازمة في الوقت المناسب.

الأطباء يلاحظون ارتفاعاً في حالات فقدان الأجنة وموت الجنين داخل الرحم مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب، إلى جانب وصول نساء حوامل يعانين فقر الدم الحاد وسوء التغذية والإجهاد البدني والنفسي، منوهين أن كثيراً من هذه المضاعفات كان يمكن الحد منها في الظروف الطبيعية من خلال التغذية الجيدة، ومكملات الحديد والفيتامينات، والفحوصات الدورية، وهي خدمات أصبحت أكثر صعوبة في ظل الحرب.

جسد منهك وحمل محفوف بالخطر

أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” أن آثار سوء التغذية والإجهاد النفسي لا تتوقف عند الأمهات، بل تمتد إلى الجنين والمولود. وقالت المنظمة في ديسمبر 2025 إن نسبة الأطفال منخفضي الوزن عند الولادة ارتفعت من نحو 5 في المئة قبل الحرب إلى 10 في المئة خلال النصف الأول من 2025، ثم وصلت إلى متوسط 15 في المئة خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر من العام نفسه. كما ارتفع عدد الأطفال الذين توفوا في يوم ولادتهم بنسبة 75 في المئة مقارنة بمتوسط 2022.

أوضحت “اليونيسف” أن سوء تغذية الأم، والضغط النفسي، ومحدودية الرعاية السابقة للولادة تشكل عوامل مباشرة في انخفاض وزن المواليد والولادات المبكرة، وقالت المنظمة إن نحو 38 في المئة من النساء الحوامل اللاتي خضعن للفحص بين يوليو وسبتمبر 2025 كن يعانين سوء التغذية الحاد، في حين استقبلت برامجها في أكتوبر وحده 8300 امرأة حامل ومرضع لعلاج سوء التغذية الحاد.

وأضافت منظمة “اليونيسف” في تحديث منتصف 2026 أن 1.9 مليون شخص من أصل نحو 2.1 مليون نسمة في غزة يعيشون في حالة نزوح، في حين تعاني 82 في المئة من الأسر انعدام الأمن المائي، ولا تستطيع نسبة تصل إلى 70 في المئة الحصول على ستة لترات من المياه للشخص يومياً.

وأكدت المنظمة أن نحو 90 في المئة من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي تعرضت للضرر أو الدمار، ما يزيد مخاطر العدوى ويضاعف الضغوط الصحية على النساء الحوامل والأطفال.

المستشفيات تحت الضغط

قالت منظمة “اليونيسف” في تقرير فبراير 2026 إن أي مستشفى في غزة لم يكن يعمل بكامل طاقته، في حين كان 18 مستشفى فقط من أصل 36 يعمل بصورة جزئية. وأضافت أن نحو واحد من كل خمسة مواليد احتاج إلى رعاية مكثفة لحديثي الولادة أو إلى تدفئة طبية، نتيجة ارتفاع الولادات المبكرة وانخفاض أوزان المواليد، في وقت تواجه فيه المستشفيات نقصاً في المعدات والإمدادات والكوادر.

وتمنع صعوبة التنقل وانعدام الأمن وتدمير الطرق والنزوح المتكرر بعض النساء من الوصول إلى المستشفيات في الوقت المناسب وبعض عمليات الولادة الطبيعية تجري على الأرض بسبب نقص الأسرة، في حين يحتاج الطاقم إلى الأدوية وأكياس الدم وأسرّة التوليد وأجهزة مراقبة الأم والجنين والحاضنات وأجهزة إنعاش المواليد والكهرباء والمياه.

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن تدهور الخدمات الصحية في غزة لا يقتصر على أضرار المباني، بل يشمل القدرة التشغيلية للمرافق الطبية وسلاسل الإمداد والوصول إلى العلاج. وأوضحت المنظمة الأممية أن تراجع خدمات الصحة الجنسية والإنجابية يرفع مخاطر المضاعفات أثناء الحمل والولادة، في حين يحتاج القطاع إلى استمرار دخول الأدوية والمستلزمات والمعدات الضرورية لرعاية الأمهات والمواليد.

الجوع يهدد الحمل

قالت مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي “آي بي سي” في أحدث تحليل صدر في يوليو 2026 إن التحسن الغذائي الذي أعقب وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 لم ينهِ الأزمة. وأظهرت المبادرة أن أكثر من 1.2 مليون شخص، أي 59 في المئة من سكان قطاع غزة، واجهوا مستويات من انعدام الأمن الغذائي عند مرحلة الأزمة أو أسوأ خلال الفترة من منتصف أبريل إلى نهاية يونيو، في حين قد يرتفع العدد إلى أكثر من 1.4 مليون شخص، أو 67 في المئة من السكان، بين يوليو وديسمبر 2026.

أوضحت “آي بي سي” أن نحو 24,600 امرأة حامل ومرضع قد يحتجن إلى علاج من سوء التغذية الحاد حتى أبريل 2027. ويعني ذلك أن نقص الغذاء لا يمثل أزمة منفصلة عن ارتفاع الإجهاض، بل يشكل جزءاً من البيئة الصحية التي تواجه فيها المرأة نقص الحديد والفيتامينات والطاقة، إلى جانب الإجهاد والعدوى وصعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية.

وحذرت منظمة العفو الدولية في مارس 2026 من أن النساء في غزة يواجهن انهياراً حاداً في خدمات الصحة الإنجابية والأمومة بسبب القصف والنزوح وتدمير المرافق الصحية والقيود على دخول المساعدات ومستلزمات النظافة. وقالت المنظمة إن أكثر من 18,500 فلسطيني في غزة كانوا يحتاجون إلى علاج طبي عاجل غير متوافر داخل القطاع، في حين أدت القيود على الإجلاء الطبي إلى إطالة معاناة المرضى، مطالبة بضمان الوصول إلى الرعاية الصحية للأمهات والصحة الإنجابية.

دليل بحثي على أثر الحرب

أضافت دراسة منشورة في المجلة الدولية لأمراض النساء والتوليد في مارس 2026 أن ظروف الحرب في غزة خلال 2025 ارتبطت بمضاعفات خطِرة لدى الأمهات والمواليد، وذكرت الدراسة التي بحثت نتائج الحمل والولادة في مستشفى الحلو للأمومة ومجمع الشفاء أن 98 في المئة من النساء في العينة تعرضن بصورة مزمنة للدخان وملوثات الاحتراق، في حين عانت 71.7 في المئة منهن فقر الدم السريري، وربط الباحثون بين الاكتظاظ وتدهور الصرف الصحي ونقص النظافة وزيادة مخاطر العدوى والمضاعفات التوليدية.

وأوضحت الدراسة العلمية أن التعرض لملوثات الهواء ونواتج الاحتراق يمثل عاملاً صحياً إضافياً يمكن أن يؤثر في الحمل، لكنها لا تثبت وحدها أن هذا العامل تسبب مباشرة في الزيادة الأخيرة في حالات الإجهاض. وتبقى بيانات وزارة الصحة التي نقلها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية دليلاً إحصائياً على ارتفاع فقدان الحمل، في حين تواصل الأمم المتحدة دراسة الأسباب والعوامل المؤثرة بصورة أكثر شمولاً.

القانون الدولي أمام الاختبار

أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن القانون الدولي الإنساني يمنح النساء الحوامل حماية واحتراماً خاصين أثناء النزاعات المسلحة، ويشمل ذلك الغذاء والرعاية الطبية والإجلاء والنقل، وتنص المادة 16 من اتفاقية جنيف الرابعة على وجوب منح النساء الحوامل حماية واحتراماً خاصين، في حين تحظر المادة 18 مهاجمة المستشفيات المدنية التي تقدم الرعاية للمرضى وحالات الولادة، وتحمي المادة 20 العاملين في هذه المستشفيات.

وأوضحت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية أن الإبادة تشمل، عندما تتوافر نية تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية كلياً أو جزئياً، فرض تدابير تهدف إلى منع الولادات داخل الجماعة. وينص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على المعيار نفسه ضمن تعريف جريمة الإبادة الجماعية.

خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان، في تقريرها الصادر في مارس 2025، إلى أن القوات والسلطات الإسرائيلية استخدمت أنماطاً من العنف الجنسي والإنجابي، لافتة إلى أن تدمير مرافق الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية في غزة ألحق ضرراً بقدرة الفلسطينيين على الإنجاب. وربطت اللجنة هذه الأفعال بفئتين من الأفعال التي يمكن أن تدخل ضمن تعريف الإبادة الجماعية، مع تأكيدها أن استنتاجاتها تخص ما وثقته اللجنة وأن المسؤولية الجنائية الفردية تحتاج إلى مسارات قضائية مختصة.

الرد الإسرائيلي والمسار القضائي

رفضت البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة استنتاجات لجنة التحقيق، وقالت في مارس 2025 إن التقرير يستند إلى معلومات غير موثقة بصورة كافية وإن اللجنة تتبنى أجندة سياسية منحازة. كما أكدت إسرائيل أن الجيش الإسرائيلي يضع توجيهات وسياسات تمنع سوء السلوك، وأنه يتخذ إجراءات لمراجعة الادعاءات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي.

قالت محكمة العدل الدولية في يناير 2024 إن إسرائيل ملزمة، بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، باتخاذ جميع التدابير التي تقع ضمن قدرتها لمنع الأفعال الداخلة في نطاق المادة الثانية، ومنها التدابير الرامية إلى منع الولادات، كما أمرتها باتخاذ إجراءات لضمان وصول الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية، ومنها الإمدادات الطبية والرعاية الصحية، إلى الفلسطينيين في غزة. وأكدت المحكمة في مارس 2024 ضرورة تنفيذ هذه التدابير في ظل تدهور الظروف الإنسانية.

وبينما يستمر الجدل القانوني حول توصيف الأفعال والمسؤولية عنها، تظهر الأرقام الطبية صورة أكثر مباشرة وأقل تجريداً: نحو 3950 حالة فقدان حمل خلال ستة أشهر، ومعدل إجهاض بلغ 208.5 حالة لكل ألف ولادة حية، وفقر دم لدى أكثر من نصف النساء الحوامل، وكذلك وجود ارتفاع حاد في المضاعفات الأمومية.

ويشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن صندوق الأمم المتحدة للسكان يعمل على دراسة شاملة لتحديد عوامل الخطر والثغرات التي تعوق حصول النساء على الرعاية، في محاولة لبناء استجابة تستند إلى الأدلة وتحمي الأمهات وحديثي الولادة.

وتكشف هذه المؤشرات أن مأساة الحمل في غزة لا تبدأ عند باب غرفة الولادة، ولا تنتهي بفقدان الجنين؛ فهي تبدأ مع الغذاء الذي لا يكفي، والماء غير الآمن، والنزوح المتكرر، والخوف، وانقطاع الفحوصات، ثم تصل إلى مستشفى يعاني نقص الأسرة والأدوية وأكياس الدم والحاضنات.

وبينما تواصل المؤسسات الأممية والحقوقية توثيق هذه التداعيات، تبقى حماية النساء الحوامل والمواليد التزاماً قانونياً وإنسانياً لا يتوقف على نتائج السجال السياسي أو القضائي.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان