منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

“15 دولة حول العالم”.. ملايين المحتجين يواجهون سياسات ترامب في مظاهرات سلمية

28 مارس 2026
نو كينغز"ـ تظاهرات حاشدة ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة
نو كينغز"ـ تظاهرات حاشدة ضد ترامب في أنحاء الولايات المتحدة

تستعد الولايات المتحدة الأمريكية، اليوم السبت، لاستقبال ما يصفه المنظمون بأنه “أكبر يوم عمل سلمي” في تاريخها، حيث تنطلق الجولة الثالثة من احتجاجات حركة (No Kings) في أكثر من 3100 موقع داخلي و15 دولة حول العالم.

تأتي هذه التحركات الحقوقية المناهضة للسلطوية في وقت يواجه فيه الرئيس دونالد ترامب تدقيقاً متزايداً بشأن الحرب مع إيران، وارتفاع أسعار الوقود، وتصاعد وتيرة الترحيل الجماعي للمهاجرين التي تنفذها إدارته.

وتوقعت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن تجذب هذه الاحتجاجات  ملايين الأشخاص، متسائلة عما إذا كانت هذه المسيرات تحتاج إلى أهداف أكثر وضوحاً لتجاوز صبغتها العامة، وتتميز هذه المسيرات المناهضة للسلطوية التي تتصدى لترامب، بعدم وجود قادة لها، وهو ما يصفه المنظمون بأنه فعل مقصود لفتح أكبر عدد ممكن من الأبواب أمام الجماهير.

وذكر أحد منظمي حركة “50501”، هانتر دان، أن اسم “لا ملوك” بحد ذاته يمثل رفضاً صريحاً لهذه الإدارة ولأفعالها غير الدستورية وغير القانونية وغير الأخلاقية، معتبراً الحركة إعلان نوايا لإعادة السلطة إلى الشعب.

استيعاب الغضب الجماعي

انبثقت فكرة الحركة، بحسب ما أوضحته المؤسسة المشاركة لمنظمة “إنديفيزيبل”، ليا غرينبيرغ، لتكون “حاوية” أو إطاراً واسعاً يستوعب الغضب الجماعي لملايين الأشخاص الذين يعانون من مظالم متنوعة.

وقالت غرينبيرغ إن الحركة صُممت عمداً لتوحيد حشد هائل من مختلف الحركات ضد الاستبداد في ظل ما وصفته بـ”انهيار النخب” واستسلام المؤسسات القانونية والجامعية وصمت وسائل الإعلام أمام إدارة ترامب.

ورصد المتظاهرون على مدار العام الماضي الطبيعة غير الرسمية للحركة، حيث نظم الناس أنفسهم في فبراير الماضي رداً على تسريح الموظفين الفيدراليين، وشهدت شهور يونيو وأكتوبر ردود فعل غاضبة على مداهمات إدارة الهجرة والجمارك في مدن كبرى مثل شيكاغو ولوس أنجلوس.

أكدت غرينبيرغ أن كل مظاهرة ستكون بطبيعتها حواراً مع أهم القضايا التي تثير غضب الناس في الوقت الراهن، ومنها التراجع عن حماية البيئة والتهديدات لأمن الانتخابات وحرب الإدارة على إيران.

صمم التحالف الواسع الذي يضم مئات النقابات العمالية والجماعات الدينية ومنظمات حقوق الإنسان، حركة لا مركزية تستقطب المنظمات على المستوى المحلي.

وقال هانتر دان: يجب بناء القوة من الشعب ولأجله. ويرى بعض المراقبين أن هذا الإطار الذي يفتقر للقيادة يثير تساؤلات استراتيجية حول ما سيحدث لاحقاً بعد فض هذه الحشود الجماهيرية.

آليات لاتخاذ القرارات

تساءلت عالمة السياسة في جامعة جونز هوبكنز، هاري هان، عن كيفية الحفاظ على انخراط الناس بمجرد انضمامهم وتوجيه هذا الانخراط بطرق جماعية فاعلة، مشيرة إلى أن حركات المقاومة لا تحتاج بالضرورة لشخصيات كاريزمية، بل إلى آليات لاتخاذ القرارات واختيار من يمثل الشعب على طاولة التفاوض بمصداقية.

وضربت عالمة السياسة، مثالاً بمقاطعة حافلات مونتغمري في الخمسينيات، حيث تضافرت استراتيجيات الحكم من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى بنجاح بوجود قادة مثل مارتن لوثر كينغ جونيور.

ووفق ما أوردته صحيفة “الغارديان” انحلت حركة “احتلوا وول ستريت” سابقاً دون تحقيق تغيير هيكلي بسبب عدم وجود من يتفاوض بمصداقية، وفي المقابل، حققت حركة “حياة السود مهمة” انتصارات متفرقة عبر تعزيز قياداتها المحلية واستخدام الهيكل للتنافس على مناصب المدعين العامين وتغيير قوانين الشرطة.

ويرى عالم السياسة في جامعة هوارد، ماركوس بورد جونيور، أن المعيار التشريعي للحكم على الحركات يعكس نموذجاً عفا عليه الزمن، مؤكداً أن المقياس الحقيقي للنجاح هو عدد الأشخاص الذين ينضمون لأول مرة ويستمرون في العمل الميداني.

تكاليف المعيشة والترحيل

ومن جانبها، أفادت شبكة “إن بي سي نيوز” (NBC News) بأن المظاهرات تأتي في وقت سجل فيه ترامب تدقيقاً متزايداً بشأن تكاليف المعيشة والترحيل الجماعي.

وقالت المنسقة الوطنية لمجموعة “50501”، سارة باركر، إن الشعب الأمريكي غاضب من إعدام مواطنين وجيران، ومن تحمل الأطفال عبء الخروج من مدارسهم في تحدٍ صارخ للسلطة، مطالبة برفض “الملوك”.

وأكدت المنسقة الوطنية، سارة باركر، أن الاحتجاجات الحالية تشهد ارتفاعاً في أسعار الوقود والمواد الغذائية بالتزامن مع حرب غير شرعية في إيران.

وأظهر استطلاع رأي وطني أجرته شبكة “إن بي سي نيوز” أن غالبية الناخبين غير راضين عن تعامل الرئيس مع ملفات الهجرة والتضخم.

وذكرت الرئيسة المشاركة لمنظمة “مواطنون من أجل الصالح العام”، ليزا جيلبرت، أن الإحصائيات مذهلة وتشير إلى أن أكثر من 50% من الفعاليات الاحتجاجية الرسمية تقع في ولايات ومناطق ذات ميول جمهورية أو متأرجحة. وشددت الرئيسة المشاركة، ليزا جيلبرت، على أن الوقوف ضد الاستبداد ليس أمراً مثيراً للجدل بل هو أسمى عمل وطني يمكن القيام به.

مينيسوتا.. بؤرة الصمود الحقوقي

استضافت ولاية مينيسوتا الفعالية الرئيسية للحركة، حيث تحولت إلى مركز للمقاومة بعد مقتل رينيه غود وأليكس بريتي برصاص عملاء فيدراليين، وأفادت وكالة “أسوشيتد برس” (AP) بأن الولاية لا تزال مشاعرها متأججة بسبب حملة الرئيس ترامب على الهجرة، ما دفع المنظمين لاختيار مبنى الكابيتول في سانت بول مكاناً للتجمع الرئيسي.

وأبلغ المنظمون هيئة رقابية حكومية أن 100 ألف شخص قد يتوافدون على مجمع الكابيتول، حيث اجتذب حدث يونيو الماضي 80 ألف شخص.

وأعلن أحد مؤسسي منظمة “إنديفيزيبل”، عزرا ليفين، أن الحركة تنتشر عالمياً في دول مثل كندا وألمانيا وفرنسا والبرتغال والمكسيك وأستراليا، وأوضح  أن اختيار مينيسوتا جاء لأنها شهدت “أبشع وأقسى السلوكيات” من الإدارة، وفي الوقت ذاته شهدت أكثر أشكال التنظيم إلهاماً.

وتوقع ليفين أن تجذب معارضة الحرب على إيران التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل بغارات جوية في 28 فبراير، المزيد من الناس إلى الاحتجاجات.

وأحيا أيقونة الروك، بروس سبرينغستين، حفلاً غنائياً بعنوان “شوارع مينيابوليس” تكريماً للضحايا وللشجاعة في وجه القمع الفيدرالي، وصرح الفنان، بروس سبرينغستين، لصحيفة “مينيسوتا ستار تريبيون” بأن حركة “لا للملوك” ذات أهمية بالغة للدفاع عن الدستور والحلم الأمريكي الذي يتعرض لهجوم من “ملك متطلع وحكومة مارقة”.

وتضمنت جولة سبرينغستين الفنية شعار “لا للملوك”، مؤكداً أن الأغنية حين يكون توقيتها حاسماً ترفع من شأن العمل إلى مستوى آخر.

دعوة لمعرفة الحقوق الدستورية

انتقد المتحدث باسم الحزب الجمهوري في ويسكونسن، أنيكا ريكارد، هذه الاحتجاجات معتبراً أن الجمهوريين يحققون نتائج ملموسة، في حين يبالغ المحتجون في ردود أفعالهم.

وفي المقابل، أكدت رئيسة قسم الشؤون السياسية في الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، ديردري شيفيلينغ، أن المتظاهرين لن يخضعوا للترهيب وسيحافظون على سلميتهم، داعية الجميع لمعرفة حقوقهم الدستورية وعدم التراجع أمام الأساليب الأمنية، وأضافت أن الاتحاد سيعمل على ضمان سلامة المحتجين وحريتهم في التعبير.

كما كشفت صحيفة “إل باييس” الأسبانية أن التظاهرات تتزامن مع انتخابات التجديد النصفي، حيث يسعى الديمقراطيون لتعزيز مواقعهم، وأكدت أن للمتظاهرين حقوقاً يكفلها الدستور تشمل الحق في التعبير في الأماكن العامة وتصوير رجال الشرطة طالما كان التواجد قانونياً.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحركة نمت منذ مظاهراتها الأولى في عام 2025 لتصبح إحدى أبرز مظاهر المعارضة لإدارة الرئيس ترامب، مغذية مخاوف اقتصادية ونزاعات دولية.

تغلغل الاحتجاج في “المناطق الحمراء”

من جانبها، بيّنت تقارير “إذاعة ويسكونسن العامة” أن الحراك وصل إلى المناطق الريفية، حيث نُظمت احتجاجات في مدن صغيرة مثل سايرن وأميري.

وقال المنسق في منظمة “إنديفيزيبل”، مايك برود، إن الناس يخرجون لأنهم مستاؤون من ارتفاع تكاليف المعيشة والحرب في إيران، مشيراً إلى أن المواطنين بدؤوا يشعرون بتلك السياسات في جيوبهم، وأضاف أنه نظم تظاهرات سابقة حضرها ألف شخص، متوقعاً حضوراً كبيراً في ستورجن باي بسبب الاستياء من الأحداث الجارية.

ذكرت الناشطة في منظمة “إنديفيزيبل” بمينيسوتا، ليزا إربس، أن دعواتها للمتطوعين تثمر الآن مئات الموافقات، مع تزايد عدد الديمقراطيين الذين يترشحون للمناصب في معاقل المحافظين لصحيفة “واشنطن بوست” إن المجموعة أصبحت قوية للغاية لدرجة أن لديهم فريقاً متخصصاً في اختيار المتطوعين وتدريبهم على التواصل مع المشرعين.

وأكدت إربس أن العمل الأكثر إلحاحاً هو حماية الديمقراطية؛ لأنه دون كبح جماح الاستبداد لن تُحل مشكلات الإجهاض أو السلاح.

بيئة آمنة وسلمية

كما أوضح الشاب القاطن في سان دييغو، أدريان لوبيز، أنه شعر بالإحباط في بداية ولاية ترامب الثانية، لكنه دعا جيرانه للتخطيط لمسيرة في ضاحيتهم لا ميسا، وقال  إنه يأمل أن تجذب المسيرة أشخاصاً لديهم تحفظات لتأكيد أنها بيئة آمنة وسلمية ومجتمعية.

وتعد مسيرة لا ميسا واحدة من أكثر من 300 مسيرة مخططة في كاليفورنيا، تمتد من المراكز الحضرية إلى القلب الزراعي والمجتمعات الصحراوية.

وأفاد رئيس اللجنة الديمقراطية في مقاطعة كولبيبر، جوشوا بايبر، بأن المسيرات تساعد بشكل ملموس في تقليص الفارق مع الجمهوريين في فرجينيا، وصرح بأنهم ليسوا واهمين بتحويل المقاطعة إلى معقل ديمقراطي، لكن المسيرات وسعت قوائم البريد الإلكتروني وعززت جهود حشد الناخبين.

وفي شمال شرق تينيسي تقدم فرع “إنديفيزيبل” بطلب ليصبح منظمة غير ربحية بعد زيادة أعداد المشاركين بشكل كبير.

وأكدت عالمة الاجتماع من الجامعة الأمريكية، في دراسة نشرتها مجلة “تايمز”، أن تركيبة المتظاهرين أصبحت أكثر تنوعاً وأقل بياضاً وميلاً لليسار، ورصدت الدراسة أن نسبة مشاركة النساء انخفضت عما كانت عليه في يناير 2025، ما يعني انخراط شرائح أوسع من المجتمع الأمريكي.

خلصت الدراسة إلى أن هذا التحول يبتعد عن الصورة النمطية للمتظاهر الميسور، ما يشكل تهديداً جدياً للقاعدة الانتخابية للجمهوريين في الانتخابات القادمة.

ويرى المراقبون أن حركة “لا ملوك” قد تجاوزت كونها مجرد “تنفيس عن الغضب” لتصبح قوة تنظيمية قادرة على تغيير القوانين المحلية، ومع وصول الحراك إلى 60% من مقاطعات الولايات المتحدة، يبدو أن الميدان سيظل الحكم الفصل في صراع الهوية السياسية والحقوقية الذي تعيشه أمريكا اليوم، حيث يسعى “نحن الشعب” لاسترداد دولتهم من قبضة السلطوية.