لم يعد تراجع تونس في مؤشرات حرية الصحافة حدثاً عابراً يمكن قراءته بوصفه “تقلباً سنوياً” في التصنيفات الدولية، بل أصبح مؤشراً على مسار انحدار متواصل يعيد رسم علاقة الدولة بالإعلام على نحو أكثر انغلاقاً.
فوفق تقرير “مراسلون بلا حدود” لسنة 2026، تراجعت تونس إلى المرتبة 137 من أصل 180 دولة بعد أن كانت في المرتبة 129 سنة 2025، بخسارة 8 مراتب خلال عام واحد فقط.
الأرقام هنا لا تقف عند حدود التصنيف، بل تكشف تحولاً أعمق في بنية البيئة الإعلامية، فالمؤشر العام لتونس انخفض إلى 40.43 نقطة سنة 2026 مقابل 43.48 سنة 2025، ما يعكس تراجعاً في المؤشرات السياسية والقانونية والاقتصادية مجتمعة، وليس في جانب واحد فقط.
الأخطر أن هذا التراجع يأتي ضمن سياق إقليمي ودولي تعده المنظمة “تدهوراً غير مسبوق في حرية الصحافة خلال ربع قرن”، حيث أصبح أكثر من نصف دول العالم مصنفاً ضمن “الوضع الصعب أو الخطير جداً”، لكن خصوصية الحالة التونسية تكمن في كونها كانت تُقدَّم بعد 2011 بوصفها نموذج انتقال ديمقراطي واعداً، قبل أن تبدأ منحنيات التراجع منذ 2021 بشكل متسارع.
في هذا السياق، تتحول الأرقام إلى ما يشبه “مؤشر حرارة سياسياً” يكشف ارتفاع منسوب التوتر بين السلطة والمجال الإعلامي، وتراجع قدرة المؤسسات الصحفية على العمل في بيئة آمنة ومستقلة.

إعادة تشكيل المشهد الإعلامي
يمثل الإطار التشريعي في تونس أحد أبرز المفاتيح لفهم التحولات العميقة التي تشهدها حرية الصحافة خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد القانون مجرد منظومة تنظيمية للمهنة، بل أصبح في نظر عدد من الهياكل المهنية والحقوقية أداة تأثير مباشر في مناخ العمل الصحفي، وإعادة رسم حدود المسموح والممنوع داخل الفضاء العام.
ويبرز في هذا السياق استمرار الجدل حول المرسوم عدد 54 لسنة 2022، المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، والذي تحوّل، بحسب نقابة الصحفيين ومنظمات حقوقية دولية، إلى إطار يُستخدم في تتبع قضايا مرتبطة بالنشر وإبداء الرأي.
وتشير معطيات النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين إلى تسجيل 14 ملاحقة قضائية ضد صحفيين خلال الفترة 2025–2026، معظمها يرتبط بمحتوى إعلامي أو تصريحات صحفية أو مواد منشورة على الفضاء الرقمي.
غير أن الإشكال لا يقتصر على هذا النص وحده، بل يمتد إلى تداخل تشريعي أكثر تعقيداً، يتمثل في استمرار توظيف المجلة الجزائية ومجلة الاتصالات في قضايا تتعلق بالعمل الصحفي، رغم أن الإطار المرجعي الأصلي للمهنة هو المرسوم 115 المنظم لحرية الصحافة والطباعة والنشر. هذا التعدد في المرجعيات القانونية يخلق حالة من “عدم اليقين التشريعي”، حيث يصبح الصحفي أمام منظومة قانونية غير مستقرة، قابلة للتأويل الواسع، ما يضاعف من المخاطر المهنية.
هذا الواقع ينعكس بشكل مباشر على سلوك المؤسسات الإعلامية، حيث تشير تقارير مهنية إلى توسع غير معلن في الرقابة الذاتية داخل غرف التحرير، ليس عبر أوامر مباشرة، بل عبر تقديرات استباقية للمخاطر القانونية. وهكذا يتحول القانون من إطار حماية إلى عامل ضبط غير مرئي، يعيد تشكيل اللغة الصحفية قبل وصولها إلى الجمهور، ويؤثر تدريجياً في طبيعة الخطاب الإعلامي نفسه.

إعادة إنتاج الخوف المهني
تشير البيانات الميدانية الصادرة عن النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين إلى تسجيل 154 حالة اعتداء على الصحفيين خلال سنة 2026، مقابل 167 حالة في 2025 و211 حالة في 2024، وهو منحنى تنازلي من حيث الكم، لكنه لا يعكس بالضرورة تحسناً في بيئة حرية الصحافة، بقدر ما يكشف تحولاً في طبيعة الانتهاكات ذاتها.
ففي حين كانت الاعتداءات في مراحل سابقة تتخذ أشكالاً مباشرة مثل العنف الميداني أو المنع العلني من التغطية، تشير المعطيات الحديثة إلى انتقال تدريجي نحو أشكال أكثر تعقيداً وأقل ظهوراً، تشمل الاستدعاءات القضائية، تعطيل التراخيص، التأخير الإداري في منح البطاقات المهنية، وتقييد النفاذ إلى المعلومات الرسمية.
هذا التحول النوعي أسهم في إعادة تشكيل علاقة الصحفي بعمله اليومي، حيث تتوسع مظاهر “الرقابة الذاتية” بوصفها آلية دفاع غير معلنة داخل المؤسسات الإعلامية. فبدل أن يكون التدخل خارجياً مباشراً، يصبح جزءاً من الحسابات اليومية للصحفي والمؤسسة معاً، ما يشبه اقتصاداً قائماً على توقع المخاطر القانونية والسياسية.
وتشير شهادات مهنية واردة في تقارير النقابة إلى أن جزءاً من المحتوى الإعلامي يخضع لإعادة صياغة مسبقة لتفادي أي مساءلة محتملة، وهو ما ينعكس على جودة التغطية الإعلامية، ويؤدي إلى تقلص تدريجي في مساحة النقد والتحليل داخل الفضاء الصحفي.

تآكل الوظيفة الديمقراطية
لا يمكن فصل التحولات التي يعرفها قطاع الصحافة في تونس عن السياق السياسي والمؤسساتي الأوسع الذي يشهد منذ سنوات إعادة رسم تدريجية لحدود المجال العام، ما يؤثر مباشرة في وظيفة الإعلام ودوره داخل المجتمع.
ففي ظل تراجع قنوات التواصل المؤسساتي، تشير معطيات مهنية إلى أن نسبة البلاغات الحكومية المنتظمة انخفضت بنحو 28% بين 2023 و2026 وفق رصد داخلي لهيئات صحفية، وهو ما انعكس على تدفق المعلومة الرسمية. كما سجلت النقابة الوطنية للصحفيين ارتفاعاً في شكاوى “صعوبة النفاذ إلى المعلومة” بنسبة تقارب 32% خلال الفترة 2024–2026، ما يعكس تذبذباً واضحاً في الحق في الوصول إلى المصادر الرسمية.
وتتزامن هذه المؤشرات مع ارتفاع حالات التأخير الإداري في التغطيات الميدانية والتراخيص، حيث وثّقت تقارير مهنية زيادة تُقدّر بـ 25% في طلبات التغطية غير المستجابة في آجالها القانونية خلال 2025–2026، وهو ما أدى عملياً إلى تقليص الحضور الصحفي في عدد من الفضاءات العمومية.
وفي هذا السياق، يتقلص تدريجيًا الفضاء الذي كانت الصحافة تؤديه بوصفه وسيطاً بين الدولة والمجتمع. هذا الانكماش لا يحدث دفعة واحدة، بل يتشكل عبر سلسلة من الإجراءات المتراكمة التي تؤثر في بيئة العمل الإعلامي وتعيد تعريف أدواره.
ولم تعد أزمة الصحافة في تونس أزمة مهنة فقط، بل أزمة وظيفة اجتماعية كاملة. فالإعلام الذي كان يفترض أن يلعب دور “الوسيط النقدي” داخل المجال العام، يجد نفسه اليوم في موقع دفاعي، أمام ضغوط سياسية وقانونية واقتصادية متقاطعة.

واقع يزداد انكماشاً
قال مصطفى عبد الكبير، رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، إن واقع حرية الصحافة في تونس يمرّ بمرحلة دقيقة تتسم بتداخل التعقيدات القانونية والمؤسساتية، مع ما يرافق ذلك من تحديات تمسّ جوهر ممارسة العمل الإعلامي واستقلاليته.
وأشار إلى أن الفارق بين تنظيم المهنة وبين تقييدها يكمن في مدى احترام القوانين للدستور والالتزامات الدولية، مؤكداً أن الالتزام بالإطار التشريعي ينبغي ألا يتحول إلى أداة للحد من حرية الصحفي، بل إلى ضمان لممارسته لمهنته في ظروف آمنة ومستقرة.
وأكد عبد الكبير في تصريحات خاصة لـ”صفر” أن الإشكال الأساسي اليوم لا يتعلق بغياب النصوص القانونية المنظمة، بل بمدى تفعيلها واحترام روحها، لافتاً إلى أن الدستور التونسي والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الدولة تنص بوضوح على حماية حرية التعبير وضمان حق الصحفي في العمل دون تضييق أو تهديد.
وأضاف أن الواقع العملي يشهد “عثرات” متكررة تعكس فجوة بين النصوص والتطبيق، وهو ما ينعكس سلباً على بيئة الإعلام كلها.
ونبّه رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان إلى أهمية التمسك بالمكاسب التشريعية التي تحققت بعد 2011، وخاصة تلك المرتبطة بتنظيم الإعلام وضمان استقلاليته، مشيراً إلى أن أي تراجع عن هذه المكاسب يمثل خطراً على مسار الانتقال الديمقراطي.
وأوضح أن المؤسسات التي أُنشئت بعد الثورة، وعلى رأسها الهيئات التعديلية، لعبت دوراً مهماً في تحقيق التوازن بين السلطة والإعلام، معتبراً أن غيابها أو إضعافها يترك فراغاً مؤثراً في المشهد الإعلامي.
وفي هذا السياق، أشار عبد الكبير إلى ضرورة إعادة الاعتبار للهيئات التعديلية المستقلة، باعتبارها آلية أساسية لضمان التوازن في القطاع الإعلامي، مؤكدًا أن حلّ بعض المؤسسات الرقابية أو تعطيلها أدى إلى اختلال واضح في منظومة الضبط الإعلامي. كما شدد على أهمية احترام حرية التنظيم والتعبير والتفكير، باعتبارها حقوقاً دستورية مكفولة لا يمكن التراجع عنها تحت أي مبرر.
وأكد أن الالتزام بالاتفاقيات الدولية ليس خياراً سياسياً، بل واجب قانوني وأخلاقي يفرض على الدولة احترام تعهداتها في مجال حرية الصحافة وحقوق الإنسان. وأشار إلى أن حماية الصحفيين لا تتحقق فقط عبر النصوص، بل من خلال بيئة مؤسساتية متكاملة تضمن استقلالية الإعلام وتمنع التدخل في خطه التحريري.
وقال عبد الكبير، إن تمسك الصحفيين والمنظمات المهنية بمخرجات النقابات والتقارير الصادرة عنها يمثل جزءاً أساسياً من منظومة الحماية، لافتاً إلى أن العمل النقابي الدولي الذي يشارك فيه الصحفيون التونسيون يعكس حضوراً متزايداً للدفاع عن حرية الإعلام على المستوى العالمي، مؤكداً أن هذه المكتسبات يجب ألا تكون قابلة للتراجع أو التفريط؛ لأنها تمثل رصيداً تراكمياً لنضالات طويلة.
وأضاف أن أي منظومة سياسية تدّعي احترام دولة القانون والمؤسسات لا يمكن أن تتعايش مع واقع إعلامي يفتقر إلى الضمانات الأساسية للعمل الصحفي، مشدداً على أن التوازن بين السلطة والإعلام هو شرط جوهري لبناء نظام ديمقراطي مستقر.
وفي ختام حديثه، شدد عبد الكبير على أن حماية حرية الصحافة ليست مجرد مطلب قطاعي، بل ركيزة أساسية لاستقرار المجتمع وضمان حق المواطنين في المعلومة، مؤكداً أن أي تراجع في هذا المجال ينعكس مباشرة على جودة الحياة الديمقراطية وعلى ثقة الرأي العام في المؤسسات.

مناخ يعمّق الرقابة الذاتية
من جانبه، قال عضو منظمة العفو الدولية بتونس، أحمد كرعود، إن واقع حرية الصحافة في تونس يشهد تراجعاً مقلقاً في ظل مناخ عام يتسم بتقلص متزايد في فضاءات التعبير وتنامي الضغوط السياسية والحقوقية منذ 25 يوليو 2021. وأشار إلى أن هذا السياق العام أفرز بيئة غير مستقرة أثّرت بشكل مباشر في عمل الصحفيين والإعلاميين، وعلى قدرة المؤسسات الإعلامية على أداء دورها الرقابي والتعددي.
وأكد كرعود في تصريحات خاصة لـ”صفر” أن المرحلة التي تلت 25 يوليو 2021 اتسمت، وفق تقديره، بتصاعد مظاهر التضييق على المعارضات السياسية، وتراجع هامش حرية العمل المدني، إلى جانب الضغوط التي طالت منظمات المجتمع المدني ومؤسسات الصحافة، ومنها الإعلام الرقمي.
وأضاف أن هذا المناخ ساهم في نشر حالة من الحذر والخوف لدى العديد من الفاعلين في المجال العام، خاصة فيما يتعلق بإبداء الرأي أو الانخراط في أنشطة مدنية أو سياسية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على المشهد الإعلامي.

ونبّه عضو منظمة العفو الدولية إلى أن هذا التحول في البيئة العامة أدى إلى تراجع واضح في الجرأة الصحفية في تناول القضايا الحساسة، سواء في البرامج الحوارية الإذاعية أو التلفزية، حيث أصبحت المواضيع الخلافية تُطرح بحذر أكبر، وبقدر أقل من التعدد في الآراء.
وأوضح كرعود أن أحد أبرز المؤشرات المقلقة في السياق الحالي يتمثل في تصاعد مظاهر الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية، حيث أصبح الصحفيون أكثر تحفظاً في اختيار المواضيع وصياغة الأسئلة؛ تفادياً لأي تبعات قانونية أو أمنية محتملة، مؤكداً أن هذه الرقابة الذاتية، رغم كونها غير معلنة، أصبحت عاملاً مؤثراً في إعادة تشكيل المحتوى الإعلامي وتوجيهه نحو مساحات أقل حساسية.
وأشار إلى أن هذه التحولات أدت عملياً إلى تراجع ملحوظ في عدد الحوارات السياسية التي تستضيف وجهات نظر متعددة، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنة 2021، حيث كانت البرامج الإعلامية أكثر انفتاحاً على التعدد والاختلاف في الرأي، ونبّه إلى أن هذا التقلص في التعددية الإعلامية لا يعكس فقط تغيراً في السياسة التحريرية، بل يعكس أيضاً مناخاً عاماً يفتقر إلى الضمانات الكافية لحرية التعبير.
وأكد كرعود أن حرية الصحافة ليست مجرد مسألة مهنية داخل غرف الأخبار، بل هي جزء أساسي من منظومة الحقوق والحريات العامة، وأن أي تراجع فيها ينعكس بشكل مباشر على جودة الحياة الديمقراطية وعلى حق المواطن في الوصول إلى المعلومة.
وأضاف أن ضمان بيئة إعلامية حرة يتطلب توفير مناخ قانوني وسياسي يضمن الحماية للصحفيين ويشجع على التعدد والاختلاف بدل تقليصه.
وأشار إلى أن تعزيز حرية الإعلام يمرّ عبر إعادة بناء الثقة بين الدولة والمؤسسات الإعلامية، وإرساء قواعد واضحة تضمن عدم التداخل بين السلطة السياسية والعمل الصحفي، ما يسمح للإعلام بالقيام بدوره الرقابي دون خوف أو ضغط، ونبّه إلى أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مزيد من الانكماش في الفضاء الإعلامي، ما يهدد جوهر التعددية الإعلامية التي تُعدّ إحدى ركائز أي نظام ديمقراطي.
وفي ختام تصريحه أكد كرعود أن الدفاع عن حرية الصحافة اليوم لم يعد خياراً ثانوياً، بل أصبح ضرورة ملحّة لحماية المجال العام من التآكل، وضمان حق المجتمع في إعلام حر ومستقل ومتعدد، قادر على نقل الواقع بموضوعية وفتح فضاءات للنقاش العمومي المسؤول.

