منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

150 ألف منزل متضرر

بيوت سقطت وحقوق سحقت.. مأساة ضحايا إعصار ميليسا تتفاقم في جامايكا

29 مارس 2026

أظهرت شهادات متضررين من إعصار ميليسا أن آلاف الأسر في جامايكا لا تزال تعيش أوضاعاً إنسانية قاسية بعد مرور نحو ستة أشهر على العاصفة، في ظل بطء عمليات التعويض وإعادة الإعمار، واستمرار غياب سقف آمن لمنازل كثيرة.

ونقلت صحيفة “الغارديان” عن روت كيري آن فيكرز، البالغة من العمر 25 عاماً، تفاصيل انهيار حياتها بعد الإعصار الذي ضرب بلدة بلاك ريفر الساحلية في إقليم سانت إليزابيث غرب جامايكا في أكتوبر الماضي، قائلة إن منزلها تضرر بشدة إذ كانت في الأشهر الأولى من حملها، مضيفة أنها لا تزال حتى اليوم تبحث عن دعم لإعادة البناء.

وأوضحت فيكرز أن العاصفة لم تدمر جدران منزلها فقط، بل خلفت أيضاً آثاراً نفسية عميقة، إذ قالت إنها تعيش حالة من القلق والاكتئاب المستمرين، وتشعر بالخوف من مستقبل طفلها القادم في بيئة غير آمنة، وأضافت أن انعدام الاستقرار السكني جعلها غير قادرة على استعادة أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية.

وأكدت أن معاناتها اليومية تتفاقم مع كل يوم يمر دون حل، مشيرة إلى أن غياب السقف يحول منزلها إلى بيئة غير صالحة للعيش، خاصة خلال هطول الأمطار، وهو ما يضاعف من المخاطر الصحية والنفسية عليها وعلى أسرتها.

انتظار المساعدات

ومن جانبها، أوضحت كشيما غراي، وهي أم لأربعة أطفال من مدينة سكسس في أبرشية هانوفر، أنها اضطرت إلى الفرار من منزلها ثم من المأوى الذي لجأت إليه، لكنها ما زالت حتى الآن تنتظر الحصول على دعم لإعادة بناء منزلها.

وروت غراي تفاصيل لحظة العاصفة، إذ قالت إن الرياح العنيفة حطمت النوافذ، وتسببت في تطاير الزجاج داخل المنزل، قبل أن تقتلع سقفه بالكامل، وترفع الأثاث الثقيل عن الأرض، في مشهد وصفته بالمروع، وأضافت أن حياتها لم تعد كما كانت منذ تلك اللحظة.

وأشارت غراي إلى أنها تلقت مساعدات غذائية، منها ما كان من خلال منظمة الإغاثة الإنسانية “وورلد سنترال كيتشن”، إلا أن الدعم الخاص بإعادة البناء لم يصل إليها بعد، مؤكدة أنها لم تتلق أي مساعدة مباشرة لإصلاح منزلها.

وقالت إن الحكومة قامت بتقييم الأضرار، لكنها ما زالت تجهل موعد حصولها على التعويض، ما يتركها في حالة من الترقب وعدم اليقين، وأضافت أن هذا الوضع لا يخصها وحدها، بل يمتد ليشمل العديد من الأسر في مختلف أنحاء المنطقة.

تأخر التعويضات

أظهرت التقييمات الأولية التي أجريت بعد إعصار ميليسا أن أكثر من 150 ألف منزل تعرض للتدمير أو الضرر بدرجات متفاوتة، وهو ما يعكس حجم الكارثة التي واجهتها البلاد.

وقالت عضوة البرلمان عن دائرة هانوفر أندريا بوركيس إن العديد من السكان في دائرتها ما زالوا يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على الدعم، مشيرة إلى أن التأخر في صرف المدفوعات يمثل مشكلة رئيسية تعرقل جهود التعافي.

وأوضحت بوركيس أن الإجراءات الحالية تسير ببطء، وأن العديد من المتضررين لم يخضعوا حتى الآن للتقييم اللازم للحصول على التعويضات، مضيفة أن المواطنين يتوجهون إلى مكتبها بشكل شبه يومي طلباً للمساعدة والاستفسار.

وأكدت بوركيس أن الأزمة لا تزال قائمة على نطاق واسع، حيث يعيش عدد كبير من السكان دون أسقف تحميهم من الأمطار، مشيرة إلى أن بعض الحالات تتطلب تدخلاً عاجلاً، مثل توفير أغطية مؤقتة لمنع تسرب المياه إلى المنازل.

استجابة الحكومة

أكد وزير العمل والضمان الاجتماعي بيرنيل تشارلز أن الحكومة تواصل جهودها لتسريع وتيرة التعافي ضمن برنامج “ترميم مساكن العائلات”، مشدداً على التزام الدولة بدعم الأسر المتضررة.

وأوضح تشارلز أن الحكومة تعمل على تحسين أنظمتها وإجراءاتها لتلبية الطلب المتزايد على الدعم، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تهدف إلى توسيع نطاق المستفيدين وتسريع عمليات الصرف.

وأعلن تشارلز أن الحكومة صرفت حتى الآن نحو 8.25 مليار دولار (ما يعادل 6.18 مليار جنيه إسترليني) لدعم الأسر المتضررة، مع تخصيص 3 مليارات دولار إضافية في المرحلة الأخيرة، ما سَيُسهِم في استفادة 14 ألف شخص إضافي.

وأكدت وزارة العمل والضمان الاجتماعي أن الأموال المخصصة لم تستنفد، وأن عمليات الصرف تتسارع مع توسيع البرنامج ليشمل مناطق أوسع، في محاولة لتقليل فجوة الاحتياجات المتزايدة.

أعباء مالية وهيكلية

من جانبه قال وزير البيئة ماثيو سامودا إن جامايكا تواجه عبئاً غير عادل نتيجة التدهور المناخي، موضحاً أن الدول النامية تتحمل تأثيرات ظواهر مناخية متزايدة الشدة دون أن تكون مسؤولة عن أسبابها.

وأوضح سامودا أن إعصار ميليسا كلف البلاد نحو 10 مليارات دولار من الخسائر والأضرار، في حين أن حجم التمويل الدولي لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الاحتياجات.

وأشار إلى أن آليات التمويل الدولية، ومنها صندوق المناخ الأخضر وصندوق الخسائر والأضرار، لا توفر الموارد الكافية لدعم التعافي الكامل، خاصة أن حجم التمويل المتاح لا يتناسب مع حجم الكوارث المناخية المتزايدة.

وأفاد بأن صندوق المناخ الأخضر قدم نحو 19 مليار دولار عالمياً منذ تأسيسه، في حين لا يتجاوز الحد الأقصى لما يمكن أن يقدمه صندوق الخسائر والأضرار لأي دولة 20 مليون دولار، ما يعكس فجوة كبيرة بين الاحتياجات والتمويل المتاح.

العدالة المناخية

دعت منظمات حقوقية وبيئية، عبر رسالة مفتوحة إلى مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) في البرازيل، إلى الاعتراف بالعلاقة بين التاريخ الاستعماري وتزايد هشاشة الدول النامية أمام آثار التغير المناخي.

وأوضحت مارياما ويليامز، الخبيرة الاقتصادية الجامايكية وكبيرة المستشارين في التحالف العالمي للعدالة المناخية للمنحدرين من أصول إفريقية، أن الهدف من هذه الدعوات هو إدراج العدالة التعويضية ضمن منظومة الحوكمة المناخية.

وأكدت ويليامز أن المجتمعات المتضررة يجب ألا تعامل فقط بوصفها ضحايا، بل أصحاب حقوق وشركاء في وضع الحلول، مشيرة إلى أهمية تمكين هذه المجتمعات من المشاركة الفاعلة في مفاوضات المناخ الدولية.

وانعكست هذه الدعوات على نقاشات أوسع بدأت منذ طرح ميا موتلي، رئيسة وزراء بربادوس، فكرة ربط العدالة المناخية بالتاريخ الاستعماري خلال مؤتمر COP27 عام 2022، ما أسهم في فتح النقاش حول مسؤوليات الدول الصناعية تجاه الدول الأكثر تضرراً.