منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

يتمسك الإسرائيليون والفلسطينيون الذين أعمل معهم بإنسانيتهم

18 مارس 2026

ديفيد دافيدي براون*

مع تعرض المدنيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط للهجوم، من الضروري مقاومة قوى الكراهية والإصرار على الكرامة والرحمة للجميع.

أولاً -إن حالفك الحظ- ستسمع تنبيهاً صوتياً عالياً على هاتفك، ثم تدوي صفارات الإنذار من حولك.. وفي غضون ثوانٍ، يتحرك الناس بسرعة ولكن بهدوء: إلى غرفة آمنة، إلى ملجأ، وأحياناً ببساطة إلى أقرب موقف سيارات تحت الأرض.. تنام بعض العائلات في ملاجئ عامة، غير متأكدين مما إذا كان بإمكانهم الوصول إلى بر الأمان من منازلهم في الوقت المناسب، برفقة أطفالهم الصغار.

في حالتي، قضيت في الأسابيع القليلة الماضية ساعات في غرفة مشتركة محصنة مع جيراني، ووقتاً برفقة غرباء -وكلابهم الهادئة- في ملاجئ عامة، ولحسن الحظ، ليالٍ عديدة نمت فيها في غرفة آمنة بين صفارات الإنذار.

في كل مرة تنتظر، يتردد صدى أصوات اعتراض الصواريخ في مكان ما فوقك.. أحياناً تكون اللحظات أشد رعباً: دوي انفجار الذخائر العنقودية في السماء، أو وقعها عند سقوطها، مسببة إصابات أو وفيات في محيطها.

على مدى الأسابيع القليلة الماضية، أصبح هذا جزءاً من الحياة اليومية في تل أبيب، حيث تستهدف الصواريخ التي تطلقها الجمهورية الإسلامية وحزب الله المدن الإسرائيلية.

يتم اعتراض معظمها، لكن بعضها لا يعترض، والأكثر مأساوية ما حدث في بيت شيمش، حيث قتل تسعة أشخاص -بينهم ثلاثة أطفال من عائلة واحدة- جراء غارة صاروخية..حتى عندما تعترض القنابل، تترك التجربة أثرها: الارتفاع المفاجئ في الأدرينالين، والرسائل الخافتة التي ترسل لاحقاً إلى الأحباء: هل أنت بخير؟

كان من المفترض أن أقضي وقتي هنا في الترحيب بمجموعة من الداعمين للاطلاع على عمل المنظمة العالمية التي أترأس فريقها في المملكة المتحدة، صندوق إسرائيل الجديد: إسرائيليون وفلسطينيون يعيدون بناء مجتمعاتهم بعد أحداث 7 أكتوبر، ويواجهون عنف المستوطنين في الضفة الغربية، ويدافعون عن الديمقراطية والمساواة.

بدلاً من ذلك، أتيحت لي فرصة مؤلمة للاطلاع على واقع يعرفه الناس في جميع أنحاء هذه المنطقة جيداً.

في السابق، عندما كنت أحث على التعاطف في أوقات الصراع، كنت أكتب غالباً أننا، نحن الذين نعيش على بعد آلاف الأميال، يجب أن نقاوم استيراد الكراهية والعنف إلى مجتمعاتنا.

هذه المرة، بدلاً من الكتابة من لندن، أكتب وأنا أدخل أسبوعي الثالث في مشاهدة لمحة من الخوف والعنف اللذين عانى منهما الفلسطينيون والإسرائيليون وشعوب هذه المنطقة لأجيال.

ما أثار دهشتي أكثر ليس فقط الخوف من الصواريخ التي تحلق فوق رؤوسنا، بل التناقض الصارخ بين ما أراه هنا وما أسمعه من أصوات كثيرة في الخارج.

هنا، حتى في خضم الحرب، يكافح الإسرائيليون والفلسطينيون الذين أعمل معهم للحفاظ على إنسانيتهم، يوثق قادة المجتمع المدني الانتهاكات معاً، ويحمون المجتمعات الضعيفة، ويؤكدون أن معاناة شعب ما لا تبرر أبداً تجريد شعب آخر من إنسانيته.

أما على بعد آلاف الأميال، فتسود لغة مختلفة تماماً في كثير من الأحيان، في بعض زوايا الخطاب الناشط وعلى الإنترنت يختفي المدنيون الإسرائيليون الذين يتعرضون لقصف صاروخي -يهوداً وفلسطينيين على حد سواء- تماماً عن الأنظار، ويختزلون إلى مجرد رموز للدولة بدلاً من الاعتراف بهم بوصفهم أشخاصاً يفرون بحثاً عن مأوى مع عائلاتهم.. ينظر إلى خوف اليهود وحزنهم على أنهما أمران غير ملائمين سياسياً، أو الأسوأ من ذلك، على أنهما أمر يمكن تجاهله ببساطة.

لا يقلل أي من هذا من شرعية انتقاد الحكومات أو المطالبة بإنهاء الحرب والاحتلال، إنه ببساطة يؤكد ضرورة عدم اختفاء التعاطف الإنساني في خضم الأحداث.

لا تقتصر عواقب هذا العمى الأخلاقي على العالم الافتراضي، ففي جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية واجهت المجتمعات اليهودية تصاعداً في التهديدات والترهيب والاعتداءات كلما تصاعد العنف في الشرق الأوسط.. تعمل المعابد والمدارس والمراكز المجتمعية تحت حراسة مشددة، في حين تجبر العائلات اليهودية على الموازنة بين مخاطر التجمع علناً لمجرد كونهم يهوداً.

ومع ذلك، فإن بعضاً من أوضح القيادات الأخلاقية التي أراها تأتي من الأشخاص أنفسهم الذين تشكلت حياتهم بشكل مباشر بفعل هذا الصراع.

في جميع أنحاء إسرائيل وفلسطين، يوجد ناشطون يهود ومسلمون ومسيحيون يخاطرون بسلامتهم يومياً لحماية مجتمعاتهم، ومواجهة العنف، والإصرار على أن الاحتلال والإرهاب لن يوفرا مستقبلاً جديراً بالعيش فيه.. ولا يزالون يؤمنون بأن هذه الأرض قادرة يوماً ما على توفير الأمن والكرامة والمساواة لكل من يعيش عليها.

تمتد قصة عائلتي عبر جزء كبير من هذه المنطقة، ولدت والدتي في الهند، وقد هاجرت عائلات والديها إليها من إيران والعراق.. إن هجرات واضطرابات هذا الجزء من العالم محفورة في هويتنا..
ومن الدروس التي علمتنا إياها التمسك بالرحمة حتى عندما يصعب العالم ذلك.
في اللغة العبرية، تشتق كلمتا “رحم” و”رحمة” من أصل واحد، ويظهر الجذر نفسه في اللغة العربية في كلمات الرحمة التي تتلى يومياً في البسملة.
وبغض النظر عن اللغات والأديان والثقافات، فإن فكرة أن الرحمة تبدأ من لحظة إنجاب الحياة تذكرنا بقيمة كل حياة بشرية.
من الأجدر بمن يتابعون هذا الصراع من بعيد أن يتعلموا من الذين يعيشونه.. الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يرفضون التخلي عن إنسانيتهم.

إن الذين يفرون طلباً للمأوى -في تل أبيب، أو غزة، أو بيروت، أو طهران- لا يستحقون أقل من ذلك.

* الرئيس التنفيذي لصندوق إسرائيل الجديد، وهي منظمة دولية غير ربحية تعنى بدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان داخل إسرائيل، من خلال تمويل منظمات المجتمع المدني وتعزيز قيم المساواة والعدالة الاجتماعية.

نقلا عن الغارديان