منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

جسد مُنتهك وصوت مُتهم.. مأساة ضحايا التحرش في مصر

23 مارس 2026
احتجاج نسائي ضد التحرش
احتجاج نسائي ضد التحرش

في لحظة قد يعتبرها البعض عابرة، تتوقف حياة امرأة بالكامل، وكأن الزمن تجمد بها أو انكسر شيء في داخلها، حيث لا تعود كما كانت قبلها، ويصير الطريق الذي اعتادته مساحة للقلق والخوف، وتتحول التفاصيل البسيطة إلى اختبارات يومية للنجاة.

وقصص التحرش في مصر ليست نادرة، وكثير من الضحايا يخترن الصمت ليس ضعفا، بل خوفا من التشكيك والوصم ونظرة المجتمع التي عادة ما تضع الضحية في قفص الاتهام قبل مساءلة الجاني، فتجد الناجيات أنفسهن أمام معركة مزدوجة، أحدها نفسية للتعافي واستعادة ما سُلب منهن، وأخرى قانونية لإثبات ما حدث، غير أن المسافة بين المعركتين قد تهدر الكثير من الحقوق.

وخلال الأشهر الماضية، لجأت كثير من الضحايا إلى تدوين شهاداتهن بحق المتحرشين عبر منصات التواصل الاجتماعي، مكتفيات بذكر الأحرف الأولى من أسمائهم، كمساحة بين البوح والخوف، وكانت تلك الحروف الناقصة تحمل حكايات كاملة، تروى بحذر، وتخفى منها التفاصيل خشية من تبعات لا تقل قسوة عن الواقعة نفسها.

وفي هذا الفضاء المفتوح، تحولت الشهادات إلى ما يشبه الاعتراف الجماعي بالألم، حيث لم تعد الضحية وحدها، بل جزءا من سرد أكبر يكشف حجم ما كان مسكوتا عنه، ومع كل حرف يُكتب يتراجع الصمت خطوة، حتى وإن ظل الخوف حاضرا.

وفي المقابل، يقف القانون كخط دفاع، لكنه ليس سهل المنال، فإثبات واقعة تحرش غالبا ما يتطلب أدلة صلبة مثل وجود شهود أو تسجيلات أو قرائن واضحة، لتتسع الفجوة بين النص والتطبيق، وتتزايد معها شهادات الضحايا دون الوصول إلى ساحات المحاكم.

ورغم أن القوانين المصرية جرمت التحرش الجنسي وغلظت عقوباته، في خطوة مهمة نحو تعزيز الحماية، يبقى التحدي الحقيقي في التطبيق، فالإجراءات قد تطول والمسارات القانونية تبدو مرهقة، بينما تفتقر البيئة المحيطة أحيانا إلى الحد الأدنى من الأمان الذي يضمن للضحايا الإبلاغ دون خوف.

فالتحرش الجنسي ليس حادثة عابرة، بل تجربة تعيد تشكيل علاقة الضحية بالعالم، لكن بين الخوف الذي يكبل، والأمل الذي يدفع للمواجهة، تبقى الحقيقة واضحة بأنه لا عدالة دون دعم الضحايا، ولا أمان دون محاسبة.

وفي إطار جهودها لمواجهة التحرش، جرّمت مصر التحرش الجنسي وشددت العقوبات عليه ضمن تعديلات قانون العقوبات، وأدرجت مصر مكافحة التحرش ضمن إطارها الرسمي لحماية النساء من العنف، وتم تخصيص 15115 كخط مختصر للمجلس القومي للمرأة ليستقبل من خلاله شكاوى النساء، كما تم تخصيص وحدات جامعية لمناهضة التحرش والعنف، بحسب المجلس.

وفي 2025 افتتح وزير العدل المصري منطقتين صديقتين للنساء بمحكمة القاهرة الجديدة، كما تم تنظيم 6 ورش وطنية في عام 2025 لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء، بحسب وزارة العدل المصرية وبيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

غياب الدليل المادي

اعتبرت الحقوقية والخبيرة في قضايا المرأة بمصر، انتصار السعيد، في حديث لـ“صفر”، أن شهادات النساء ليست “روايات” قابلة للتشكيك لمجرد غياب دليل مادي فوري، خاصة أننا بصدد جرائم تقع غالبًا في مساحات مغلقة، أو لحظات خاطفة، أو في سياقات تتسم بعدم توازن السلطة.

وأوضحت السعيد أن شهادة الضحية تُقابل عادةً بسيل من الأسئلة: ماذا كانت ترتدي؟ لماذا لم تتحدث حينها؟ هل تملك دليلًا؟ مضيفة: “هذه الأسئلة ليست بريئة، بل تعكس ثقافة متجذرة ترى في جسد المرأة محلًا للتقييم، وفي صوتها موضع شك دائم”.

وأكدت أنه لا يمكن إنكار التطور الذي شهده القانون المصري في تجريم التحرش وتشديد العقوبات، إلا أن الإشكالية لا تكمن في النصوص فقط، بل في آليات تطبيقها، فالقانون بطبيعته يبحث عن “اليقين”، بينما تُبنى جرائم التحرش غالبًا على قرائن وسياقات وأنماط سلوك، وهو ما يخلق فجوة واضحة بين ما يتطلبه القانون من أدلة قاطعة، وما يقدمه الواقع من أدلة مركبة.

ولفتت إلى أن الهجوم على الناجيات ليس أمرًا عرضيًا، بل جزء من بنية اجتماعية تحمي الجاني بشكل غير مباشر، مشيرة إلى “معادلة خطيرة: كلما تكلمت امرأة زادت احتمالات التشكيك فيها، وكلما صمتت استمر العنف بلا مساءلة”.

وأضافت أن منصات التواصل الاجتماعي، رغم دورها في كشف حجم الظاهرة، تحولت أحيانًا إلى “محاكم موازية” تُصدر أحكامًا أخلاقية على الضحايا قبل الجناة.

وشددت على أن إنصاف الضحايا لا يقتصر على العقاب، بل يبدأ بالاعتراف بأن الشهادة نقطة انطلاق وليست موضع اتهام، وأن التأخر في الإبلاغ لا ينتقص من المصداقية، فالصمت كثيرًا ما يكون نتاج الخوف لا دليلًا على الكذب.

وأكدت السعيد أهمية توفير آليات آمنة للإبلاغ تحمي النساء من الوصم، إلى جانب تدريب فعّال لجهات إنفاذ القانون على فهم طبيعة هذه الجرائم، وتبني خطاب إعلامي يتوقف عن إعادة إنتاج لوم الضحية.

وفيما يتعلق بإشكالية الإثبات، شددت على ضرورة الاعتداد بالأدلة الرقمية، مثل الرسائل والتسجيلات، ورصد أنماط السلوك المتكرر، إلى جانب تعدد الشهادات التي تشير إلى الشخص ذاته، مؤكدة أن العدالة لا تقوم فقط على الأدلة المباشرة، بل على القدرة على قراءة السياق والتفاعل مع تعقيداته.

واختتمت السعيد بالتأكيد أن التفاعل السريع مع القضايا المثارة عبر السوشيال ميديا خلق واقعًا جديدًا لم يعد فيه من الممكن تجاهل أصوات النساء، وهو تطور مهم، لكنه لا يجب أن يجعل العدالة رهينة “الترند”، حيث تحظى بعض القضايا باهتمام واسع بينما تُدفن أخرى في صمت.

واعتبرت أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الزخم إلى إصلاح مستدام، لأن التحرش ليس مجرد جريمة فردية، بل انعكاس لاختلال أعمق في موازين القوة داخل المجتمع.

حملات تشكيك مستمرة

بدوره، أوضح المدير الإقليمي بالمركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان، الدكتور أحمد غازي، في حديث لـ“صفر”، أنه خلال السنوات الأخيرة برز تصاعد ملحوظ في الوعي المجتمعي بقضايا التحرش الجنسي، مدفوعًا في الأساس بشهادات الضحايا التي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، سواء من خلال السرد المباشر أو توثيق الوقائع بالصوت والصورة، وأسهم هذا الزخم في كسر حاجز الصمت لدى كثير من الفتيات، وهو ما يُعد خطوة إيجابية في مواجهة هذه الظاهرة.

وأشار غازي إلى أن شهادة الضحية تمثل نقطة الانطلاق الأساسية في قضايا التحرش، خاصة أن هذا النوع من الجرائم غالبًا ما يقع في غياب شهود، غير أن الضحايا، بحسب قوله، يواجهن حملات تشكيك مستمرة، سواء في محيط الواقعة أو عبر الفضاء الرقمي، من خلال الطعن في مصداقيتهن أو سلوكهن أو مظهرهن وملابسهن، وهو ما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب.

وأكد أن بناء منظومة فعالة لمكافحة التحرش لا يقتصر على وجود نصوص قانونية، بل يتطلب إرادة مؤسسية حقيقية وثقافة مجتمعية داعمة، مضيفًا أن القانون المصري يجرّم التحرش الجنسي بشكل صريح، بدءًا من الأفعال الفاضحة وصولًا إلى جرائم هتك العرض والاغتصاب، إلا أن التحدي الأكبر يظل في مسألة الإثبات.

وفي هذا السياق، لفت إلى أن سرعة استجابة الجهات الرسمية، مثل أجهزة وزارة الداخلية ووحدات الرصد، لما يتم تداوله أو توثيقه عبر وسائل التواصل، تعكس تطورًا مهمًا في التعامل مع الظاهرة، لكنه شدد على ضرورة أن تظل هذه الاستجابات محكومة بضمانات العدالة والشفافية، وبإجراءات تحقيق قضائي مستقلة بعيدًا عن ضغوط الرأي العام.

وشدد غازي على أن إنصاف الضحايا لا يتوقف عند معاقبة الجاني، بل يمتد ليشمل توفير الدعم النفسي والقانوني، وضمان الحماية من التشهير، وتهيئة بيئة آمنة للإبلاغ، إلى جانب العمل على تغيير الثقافة المجتمعية التي تلوم الضحية.

وأكد أن هذا الدور تشترك فيه مؤسسات الدولة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، مشيرًا إلى أهمية إنشاء وحدات متخصصة داخل جهات التحقيق والشرطة للتعامل مع هذه القضايا، بما يعزز ثقة الضحايا في الإبلاغ ويوفر لهن الحماية اللازمة.

واختتم بالإشارة إلى أن منصات التواصل الاجتماعي باتت تمثل أداة ضغط فعالة تدفع الجهات الرسمية إلى التحرك السريع في بعض القضايا، وقد شهدت مصر نماذج لتدخلات عاجلة عقب تصاعد التفاعل الإلكتروني، إلا أنه شدد على أن هذا المسار، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون البديل الوحيد، بل يجب أن يأتي ضمن منظومة متكاملة تضمن مواجهة جادة ومستدامة لظاهرة التحرش.