منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

وسط قلق حقوقي.. المغرب يدرس ترحيل آلاف المهاجرين غير الشرعيين من إفريقيا

14 مارس 2026
مهاجرون أفارقة في المغرب - أرشيف
مهاجرون أفارقة في المغرب - أرشيف

تستعد السلطات في المغرب لاتخاذ إجراءات لترحيل عدد من المهاجرين غير النظاميين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في خطوة تأتي بعد تصاعد شكاوى مرتبطة بمخالفات قانونية وأحداث عنف في بعض المدن الكبرى.

وكان قنصل غينيا لدى المغرب قد كشف خلال لقاء مع أفراد الجالية الغينية في الدار البيضاء أن السلطات المغربية تعتزم إعادة المهاجرين الذين لا يحملون جوازات سفر أو وثائق إقامة قانونية إلى بلدانهم الأصلية بعد شهر رمضان، في إطار تشديد تطبيق قوانين الهجرة والإقامة.

ويأتي هذا التوجه في سياق معقد يتداخل فيه الأمني والاقتصادي والاجتماعي، ما أعاد فتح النقاش في المغرب حول واقع الهجرة غير النظامية، والكيفية التي يمكن بها تحقيق توازن بين احترام سيادة الدولة في تطبيق قوانينها، وضمان حماية الحقوق الأساسية للمهاجرين.

وخلال العقدين الماضيين تحول المغرب تدريجياً من بلد عبور للمهاجرين نحو أوروبا إلى بلد استقبال وإقامة لآلاف المهاجرين الأفارقة، والذين فشلوا في العبور إلى أوروبا فقرروا البقاء في المغرب.

آلاف المهاجرين واللاجئين

وذكرت المندوبية السامية للتخطيط في نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لعام 2024، والتي نشرتها المندوبية بنهاية عام 2025، عن أن عدد الأجانب المقيمين في المغرب بلغ 148,152 شخصاً، أي ما يعادل نحو 0.4% من مجموع السكان، بزيادة قدرها أكثر من 76% مقارنة بإحصاء عام 2014.

ويأتي جزء كبير من هؤلاء المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، خاصة مالي والسنغال وغينيا والكاميرون وساحل العاج.

كما ذكرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن المغرب سجل بحلول مارس 2026 نحو 22.370 لاجئ وطالب لجوء من أكثر من 60 دولة، بينهم لاجئون من سوريا وغينيا وساحل العاج والسودان ودول إفريقية أخرى.

وتشير هذه الأرقام إلى أن المغرب أصبح جزءاً أساسياً من خريطة الهجرة في شمال إفريقيا، سواء كبلد عبور نحو أوروبا أو كوجهة استقرار مؤقت أو دائم.

أوضاع هشة للمهاجرين

رغم السياسات التي تبناها المغرب خلال السنوات الأخيرة لتحسين أوضاع المهاجرين، فإن كثيراً منهم يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة.

ويعمل عدد كبير من المهاجرين في الاقتصاد غير المهيكل مثل أعمال البناء والخدمات المنزلية أو الأعمال اليومية المؤقتة، وهي وظائف غالباً ما تفتقر إلى الحماية القانونية والاستقرار المهني.

وفي إطار السياسة الجديدة للهجرة التي اعتمدها المغرب عام 2013، أطلقت الحكومة برنامجاً لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين.

وذكرت وزارة العدل المغربية أن هذا البرنامج أتاح تسوية أوضاع نحو 50 ألف مهاجر ومنحهم بطاقات إقامة، مع إمكانية الاستفادة من الخدمات الصحية والتعليمية وبرامج الإدماج الاجتماعي.

وتسمح هذه السياسة للمهاجرين الذين سُوّيت أوضاعهم بالاستفادة من العلاج في المستشفيات العمومية، وتسجيل أطفالهم في المدارس الحكومية، والحصول على فرص عمل قانونية.

الإطار القانوني لتنظيم الهجرة

ينظم ملف الهجرة في المغرب القانون رقم 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب الصادر عام 2003.

وينص القانون على ضرورة حيازة الأجنبي، جواز سفر ساري المفعول، تأشيرة دخول عند الاقتضاء، بالإضافة إلى بطاقة إقامة لمن تتجاوز مدة إقامته 90 يوماً.

كما يوجب القانون على الأجانب طلب تصريح الإقامة لدى السلطات خلال 48 ساعة من دخول البلاد، مع تقديم ما يثبت السكن ووسائل العيش.

وفي حال مخالفة هذه الشروط، يمكن للسلطات اتخاذ إجراءات قانونية تشمل التوقيف الإداري أو الترحيل إلى بلد الأصل.

ضغوط اقتصادية واجتماعية

ويرتبط قرار تشديد إجراءات الترحيل يرتبط بعوامل داخلية وخارجية متداخلة، فمن جهة، يواجه المغرب تحديات اقتصادية تتعلق بارتفاع معدلات البطالة والضغط على سوق العمل، ما يزيد حساسية ملف الهجرة غير النظامية.

ومن جهة أخرى، يتعرض المغرب لضغوط أوروبية متزايدة لتعزيز مراقبة الحدود ومنع تدفقات الهجرة نحو أوروبا عبر البحر المتوسط، خصوصاً مع ارتفاع أعداد المهاجرين الذين حاولوا عبور البحر المتوسط في السنوات الأخيرة.

كما يواجه المغرب صعوبات في إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، بسبب ضعف التعاون أحياناً مع بعض الدول الإفريقية التي تتردد في استقبال مواطنيها المرحّلين.

مخاوف وتحذيرات حقوقية

في المقابل، حذرت منظمات حقوقية من أن تشديد إجراءات الترحيل في المغرب يجب ألا يؤدي إلى انتهاك حقوق المهاجرين.

وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش من أن عمليات الترحيل يجب أن تراعي المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك حظر الترحيل الجماعي واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية للأشخاص الذين قد يواجهون مخاطر في بلدانهم الأصلية.

كما دعت منظمة العفو الدولية السلطات المغربية إلى ضمان أن تتم أي إجراءات ترحيل بشكل فردي مع توفير الضمانات القانونية وإتاحة حق الطعن القانوني للمهاجرين.

وحذرت المنظمتان من أن ربط المهاجرين الأفارقة بالجريمة قد يؤدي إلى وصم جماعي وتزايد خطاب الكراهية والعنصرية، ما قد يفاقم التوترات الاجتماعية.

القانون والبعد الإنساني

ويبقى التحدي الرئيسي الذي يواجه المغرب في الوقت الراهن هو تحقيق توازن بين الحزم القانوني والبعد الإنساني في إدارة ملف الهجرة، فمن جهة، تمتلك الدولة الحق في تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم وتطبيق قوانين الهجرة لضمان الأمن الاجتماعي والاستقرار الداخلي.

ومن جهة أخرى، يظل المهاجرون – حتى في حال إقامتهم غير النظامية – أشخاصاً يتمتعون بحقوق أساسية، مثل الحق في الكرامة الإنسانية والحماية من المعاملة المهينة أو التمييزية.

وتتطلب المقاربة الأكثر استدامة لإدارة ملف الهجرة، تعزيز سياسات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، وتطوير برامج تسوية الوضع القانوني للمهاجرين، وتعزيز التعاون مع بلدان الأصل، والعمل مع المنظمات الدولية لضمان حماية حقوق المهاجرين.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى ملف الهجرة في المغرب من أكثر القضايا حساسية، حيث يتقاطع فيه الأمن الاجتماعي مع الالتزامات الحقوقية، في سياق إقليمي ودولي يزداد تعقيداً مع استمرار تدفقات الهجرة من إفريقيا نحو شمال المتوسط.