منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

هل سيسلك إدمان وسائل التواصل الاجتماعي طريق السجائر؟

22 أبريل 2026
انخفض التدخين بين الأثرياء بشكل كبير، وقد يتبع الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية نمطاً مماثلاً.
انخفض التدخين بين الأثرياء بشكل كبير، وقد يتبع الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية نمطاً مماثلاً.

سارة أوكونور

شهد هذا العام موجة من العناوين التي تتحدث عن “لحظة التبغ الكبرى” لوسائل التواصل الاجتماعي، مع تصاعد اهتمام الجهات التنظيمية والمحاكم بمنصات التكنولوجيا. ومن السهل فهم سبب أمل منتقدي هذه المنصات في الوصول إلى نقطة تحول شبيهة بما حدث مع التدخين.

ففي منتصف القرن العشرين، كان نحو نصف البالغين في الولايات المتحدة يدخنون، قبل أن تنخفض النسبة إلى حوالي 13% بحلول عام 2020. لكن قصة تراجع التدخين حملت في طياتها مفارقة قاسية: فالكثير من الفئات الأكثر فقراً ظلت عالقة في هذه العادة. فهل يمكن أن ينطبق الأمر نفسه على استهلاك وسائل التواصل الاجتماعي؟.

كما يوضح ألان م. براندت في كتابه المهم “قرن السجائر”، كان التدخين يوماً ما “منتجاً وسلوكاً يتمتعان بجاذبية جماهيرية حقيقية”، ففي عام 1925 وصفت مجلة “أمريكان ميركوريط “السجائر بأنها “أصبحت السلعة الأكثر ديمقراطية في الاستخدام العام”، مشيرة إلى أن “المصرفي وماسح الأحذية غالباً ما يتفقان في تفضيلها”. وبالمثل، كان استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في عقودها الأولى واسع الانتشار؛ فلم يكن مستغرباً أن ترى نجماً في هوليوود مهووساً بمنصات مثل فيسبوك أو إنستجرام، تماماً كما هو حال مراهق في الحافلة.

لكن حين بدأ الأكاديميون يربطون بين التدخين وسرطان الرئة، كان خريجو الجامعات أول من التقط هذه الإشارات. وتُظهر إحدى الدراسات أن معدلات التدخين بين الأكثر تعليماً في الولايات المتحدة بدأت في التراجع منذ عام 1954، بعد وقت قصير من نشر أولى المقالات الصحفية حول هذا الموضوع.

وبحلول ثمانينيات القرن الماضي، أصبح التراجع في معدلات التدخين يحمل انحيازاً اجتماعياً واقتصادياً واضحاً. ففي عام 1985 نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن سيدة تبلغ 37 عاماً قرارها الإقلاع عن التدخين بسبب ضغط الأقران، إذ كانت تتعرض لنظرات استهجان في حفلات العشاء. وقالت: “قرأت مؤخراً أن ثلث الناس لا يزالون يدخنون… أين هم؟ لا أعرفهم”.

وتضمن ذلك المقال عدة تنبؤات حول المستقبل. فقد رأى أحد الأكاديميين أن التدخين، رغم تراجعه غير المتكافئ، سيختفي خلال 20 إلى 25 عاماً. في حين اعتبر آخر أن أنماط التدخين ستعزز التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، مضيفاً: “أنا مقتنع بأن أمراض التدخين ستصبح بشكل متزايد ظاهرة طبقية”.

اليوم نعرف أن التنبؤ الثاني كان الأدق، وليس في الولايات المتحدة فقط. فالتخلص من العادات الإدمانية القوية، أو تجنب اكتسابها من الأساس، يصبح أكثر صعوبة عندما تقل فرص الوصول إلى التعليم، والدعم الاجتماعي، والرعاية الصحية. ففي المملكة المتحدة، تزيد احتمالية التدخين لدى سكان المناطق الأكثر حرماناً بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بسكان المناطق الأقل حرماناً.

ورغم طموح الحكومة البريطانية لخفض معدلات التدخين إلى 5% أو أقل بحلول 2030، حذّرت مراجعة مستقلة عام 2022 من أنه “من دون إجراءات إضافية” ستفشل إنجلترا في تحقيق الهدف بما لا يقل عن سبع سنوات، وأن المناطق الأكثر فقراً لن تصل إليه قبل عام 2044.

وفي الوقت ذاته تصف وزارة الصحة البريطانية التدخين بأنه “السبب الرئيسي لعدم المساواة الصحية”، إذ “يمثل نصف الفارق في متوسط العمر المتوقع بين المجتمعات الأكثر والأقل ثراءً في إنجلترا”.

فهل يمكن أن تتطور وسائل التواصل الاجتماعي بالطريقة نفسها؟ ألحظ بالفعل أن الدعوات إلى “طفولة بلا هواتف ذكية” وفرض قيود على وقت الشاشة تقودها في الغالب أسر من الطبقة المتوسطة التي تتابع بشغف الأبحاث الناشئة -وإن كانت لا تزال محل جدل-  والتي تربط استخدام هذه المنصات بتدهور الصحة النفسية لدى الشباب. وهناك أيضاً بعض الأدلة على أن الشباب من خلفيات أقل ثراءً أكثر عرضة لتجارب سلبية على وسائل التواصل.

ومع ذلك، ثمة اختلافات مهمة بين التدخين ووسائل التواصل. فواحد من أبرز العوامل المحددة لاحتمال أن يصبح الشخص مدخناً هو ما إذا كان والداه مدخنين. أما في حالة وسائل التواصل، فلا أرى حتى الآن دليلاً قوياً على أن الآباء يتخلون عن عاداتهم الرقمية، حتى لو فرضوا قيوداً على أبنائهم. وربما يبدو ذلك منطقياً: فالتدخين خطر على الجميع، في حين تعتمد خوارزميات وسائل التواصل بطبيعتها على التكيف مع كل مستخدم. صحيح أن بعض البالغين قد يضيعون في دوامات لا تنتهي من المحتوى، لكن شخصاً بالغاً مدمناً على مقاطع القطط، على سبيل المثال، قد لا يواجه سوى إهدار وقته وانتباهه. كما أنه من المحتمل أن تظهر تكنولوجيا إدمانية جديدة مثل روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لتنافس وسائل التواصل، لكنها ستثير مخاوف مشابهة.

في كل الأحوال، تقدم قصة التراجع غير المتكافئ للتدخين درساً مهماً: فالعادات أو المنتجات الإدمانية يمكن أن تستمر طويلاً حتى بعد أن تفقد شعبيتها الواسعة، وإذا كانت هذه المنتجات في الوقت نفسه ضارة، فإنها لا تكتفي بعكس التفاوتات الاجتماعية، بل قد تضخمها أيضاً.

نقلاً عن فاينانشال تايمز