هيئة التحرير
مرة أخرى، يجد نواب الصف الخلفي في حزب العمال أنفسهم في مواجهة مع خطط حكومتهم، وهذه المرة بسبب التعديلات المقترحة على قواعد “الوضع المستقر”. ومع تصاعد التوتر، تلوح في الأفق معركة سياسية قد لا تقل شراسة عن تلك التي شهدها الحزب حول إصلاحات الرعاية الاجتماعية في الصيف الماضي.
التقارير تشير إلى أن عدداً من نواب الحزب يستعدون لتنظيم مقاومة حقيقية ضد مقترحات وزيرة الداخلية شابانا محمود، وفي مقدمتها مضاعفة مدة حصول المهاجرين على الإقامة الدائمة من خمس سنوات إلى عشر. خطوة تُعد في نظر مؤيديها وسيلة لضبط النظام، لكنها في نظر معارضيها تمثل انحرافاً مقلقاً عن المسار الذي طالما تبناه الحزب.
هذا القلق لم يأتِ من فراغ، فمنذ تولّت شابانا محمود منصبها خلفاً لإيفيت كوبر في سبتمبر الماضي، بدأ الجناح الليبرالي داخل الحزب يعبّر عن مخاوف متزايدة بشأن توجهات السياسة الحكومية في ملف الهجرة واللجوء، ومع دخول شخصيات بارزة على خط النقاش، مثل أنجيلا راينر التي وصفت النهج المقترح بأنه “غير بريطاني”، وبدعم ضمني من عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام، اتسعت رقعة الاعتراض.
حتى الآن، وقّع نحو مئة نائب عمالي رسالة مفتوحة تدعو شابانا محمود إلى إعادة النظر، في مؤشر واضح على عمق الانقسام داخل الحزب، ورغم هذا الزخم، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع هؤلاء النواب عرقلة الخطة؟
من الناحية الشكلية، الإجابة لا، فالتصويت المتوقع في مجلس العموم لن يكون ملزماً؛ لأنه لا يتعلق بتشريع مباشر، بل بمذكرة تعبير عن موقف سياسي، ولأن وزيرة الداخلية تمتلك بالفعل الصلاحيات اللازمة لتعديل شروط الإقامة، فإن التصويت لن يغيّر شيئاً على الأرض.
لكن السياسة لا تُقاس دائماً بالقواعد الإجرائية وحدها، فالضغط المتزايد قد يدفع الحكومة إلى التراجع الجزئي، أو إدخال تعديلات انتقالية تُخفف من حدة القرار، تجنباً لإحراج سياسي أو هزيمة رمزية، وفي هذه الحالة، قد ينجح المتمردون في إعادة تشكيل ملامح السياسة، إن لم يتمكنوا من إسقاطها بالكامل.
المعركة الحقيقية قد تأتي لاحقاً، عندما يُطرح مشروع قانون جديد أمام البرلمان لتعديل نظام الطعون أو غيره من الجوانب المرتبطة بالهجرة، حينها سيكون لدى المعارضين داخل الحزب فرصة كبرى لإدخال تعديلات جوهرية، أو حتى تعطيل بعض الإجراءات.
الدافع العملي وراء هذه التحركات واضح: أعداد الوافدين الكبيرة خلال السنوات الماضية تعني أن نحو 1.6 مليون شخص قد يحصلون على الإقامة في المملكة المتحدة بحلول عام 2030، مع ذروة متوقعة تبلغ 450 ألفاً في عام 2028. أرقام تضغط بقوة على صانعي القرار، وتدفعهم للتحرك سريعاً.
لكن سياسياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فانقسام حزب العمال على نفسه، حتى لو كان بدافع نقاش صحي، لا يبعث برسائل طمأنة إلى الناخبين، والتاريخ السياسي مليء بالدروس التي تؤكد أن الأحزاب المنقسمة نادراً ما تفوز بالانتخابات.
تدافع شابانا محمود عن خطتها باعتبارها ضرورية للحفاظ على التوازن المجتمعي ومواجهة صعود أحزاب أكثر تشدداً في ملف الهجرة، مثل “ريفورم يو كيه”. في المقابل، يرى منتقدوها أن التهديد الحقيقي يأتي من اليسار، حيث يقدّم حزب الخضر خطاباً أكثر انفتاحاً تجاه الهجرة واللجوء.
لكن، بعيداً عن هذه الحسابات الأيديولوجية، تبقى حقيقة بسيطة، وهي أن قضية الهجرة تشغل بال شريحة واسعة من الناخبين الذين يريدون حلولاً ملموسة، بغض النظر عن الحزب الحاكم. المخاوف المرتبطة بقوارب الهجرة الصغيرة وفنادق طالبي اللجوء -والتي تضخمت أحياناً بفعل معلومات مضللة- أدت إلى حالة من التوتر الشعبي، تجلت بوضوح في اضطرابات صيف 2024.
إذا نجحت الحكومة في تقليص الهجرة غير النظامية وإنهاء الاعتماد على فنادق اللجوء، فقد تتمكن من تحييد واحدة من أكثر القضايا حساسية، أما إذا كان لدى المعارضين داخل الحزب رؤية فُضلى لتحقيق ذلك، فإن التحدي الحقيقي أمامهم هو تقديمها بوضوح وإقناع الجمهور بها.
نقلاً عن إندبندنت
