منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

هل أصبحت الحكومات مضطرة للتدخل في الأسعار بعد أن كان ذلك من المحرمات؟

28 مارس 2026
الاقتصاد العالمي
الاقتصاد العالمي

آندي بيكيت

طالما كان يُنظر إلى تدخل الحكومات في تحديد الأسعار باعتباره أمراً غير مقبول، بل يكاد يكون من المحرمات الاقتصادية، فمنذ انهيار الاقتصاد المخطط في الاتحاد السوفيتي قبل نحو أربعة عقود، ترسّخ اعتقاد واسع في معظم أنحاء العالم بأن الأسواق وحدها يجب أن تحدد قيمة السلع والخدمات.

كان الاقتصادي النمساوي المؤثر فريدريش هايك يرى أن تعقيد المجتمعات الحديثة يجعل من المستحيل على الحكومات امتلاك المعلومات الكافية لتحديد الأسعار بدقة، لأن هذه المعلومات موزعة بين عدد هائل من المنتجين والمستهلكين، ومن هنا، برّر أتباعه فشل الاقتصادات التي تديرها الدولة، من دول ما بعد الاستعمار في إفريقيا إلى دول الكتلة الشرقية.

لكن مع تقدم القرن الحادي والعشرين، بدأت هذه القناعة تتآكل، فقد أثبتت الاقتصادات القائمة على السوق عجزاً متزايداً عن توفير الاحتياجات الأساسية مثل الطاقة والسكن بأسعار معقولة، إلى جانب إنتاجها اختلالات صارخة، مثل الرواتب الفلكية لمديرين فاشلين، أو خصخصة خدمات عامة لا تقدم خدمة فعالة.

ومع موجات التضخم المتلاحقة الناتجة عن الحروب وجائحة كورونا واضطرابات الزراعة بفعل أزمة المناخ، بدأت الحكومات تتدخل بطرق كانت حتى وقت قريب تُعد قديمة وغير طبيعية، بل وحتى غير أخلاقية، حتى حزب المحافظين البريطاني – أحد أكثر الأحزاب دفاعاً عن اقتصاد السوق – اضطر إلى فرض سقف لأسعار الطاقة، رغم أنه كان يصف هذه الفكرة سابقاً بأنها “ماركسية”.

الحقيقة القاسية أن قليلاً من الحكومات المنتخبة استطاعت الصمود في ظل موجة الغلاء الحالية، فالتضخم قد تكون أسبابه معقدة وعالمية، لكن نتائجه بسيطة ووحشية، وغالباً ما يُحاسب عليها السياسيون المحليون، كما قد يكتشف قريباً كير ستارمر، رغم أنه ليس مسؤولاً عن الحرب مع إيران.

ورغم عقود من الترويج لاقتصاد السوق، لا يزال كثير من الناخبين حول العالم يرون أن حماية مستوى المعيشة هي الواجب الأول للحكومات، باعتبارها شكلاً يومياً من الأمن القومي.

اللافت أن دولتين ديمقراطيتين كبيرتين نجحتا في تجنب الغضب الشعبي المرتبط بالتضخم، بل وأعادتا انتخاب حكومتيهما.

في المكسيك، قام الرئيس اليساري أندريس مانويل لوبيز أوبرادور وخلفه كلوديا شينباوم بفرض سقف سعري على سلة من السلع الأساسية مثل الدجاج والأرز وورق التواليت، وكانا يستخدمان مؤتمرات صحفية أسبوعية متلفزة للإشادة بالشركات المتعاونة أو انتقاد غير المتعاونة، في ممارسة ضغط اقتصادي وسياسي مباشر، وقد أسهمت هذه السياسات في رفع شعبية حزب “مورينا” في انتخابات 2024.

أما في إسبانيا، فقد لجأت حكومة يسار الوسط بقيادة بيدرو سانشيز إلى تجميد الإيجارات على مستوى البلاد رداً على تداعيات الحرب مع إيران، وخلال أزمة تكاليف المعيشة السابقة، فرضت الحكومة سقفاً لأسعار الطاقة، وقدمت تذاكر قطارات مجانية مؤقتاً، وأنشأت هيئة لمراقبة هوامش أرباح الشركات لمنع استغلال التضخم في رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.

هذه السياسات الجريئة ساعدت سانشيز على البقاء في السلطة لمدة ثماني سنوات، وهو إنجاز تحلم به حكومات أخرى.

في المملكة المتحدة، دعا زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي إلى اتباع النموذج الإسباني وتجميد الإيجارات، منتقداً ما وصفه بـ”بريطانيا الاستغلال”، حيث تُباع الخدمات الأساسية للربح ثم تُعاد للمواطنين بأسعار باهظة.

ورغم أن البعض قد يشكك في قدرته على تنفيذ هذه السياسات، فإن أفكاره تتقاطع مع رؤية سياسي عمالي بارز مثل آندي بورنهام، الذي يرى أن سياسات الخصخصة منذ عهد مارغريت تاتشر هي السبب الجذري لأزمة تكاليف المعيشة الحالية.

خبرة بورنهام – كونه عمدة لمدينة مانشستر الكبرى، حيث أعاد الحافلات إلى السيطرة العامة وخفّض الأسعار- تعزز حججه، كما تدعمها دراسات مراكز بحثية مثل كومن ويلث، التي أظهرت أن شركات المرافق الخاصة دفعت نحو 200 مليار جنيه استرليني للمساهمين منذ التسعينيات.

منذ عهد تاتشر، تحولت بريطانيا إلى مختبر لتجربة اقتصادية تركز على تعظيم الأرباح والأسعار بغض النظر عن العواقب الاجتماعية، ومع موجات التضخم الجديدة، قد يصبح الضغط الشعبي للتخلي عن هذه التجربة والاتجاه نحو سياسات تحديد الأسعار – كما في إسبانيا والمكسيك – أمراً لا يمكن مقاومته.

في الوقت الحالي، تحاول حكومة كير ستارمر التعامل مع الأزمة بإجراءات محدودة وخطاب حازم، حيث تؤكد وزيرة الخزانة راشيل ريفز أن الحكومة لن تسمح للشركات باستغلال الأزمة، لكن داخل حزب العمال نفسه، تتزايد الأصوات المطالبة بتدخل أعمق، مثل وزير الطاقة إد ميليباند.

ومع غموض مستقبل قيادة ستارمر، خاصة إذا تصاعد التضخم، قد تجد بريطانيا نفسها أمام تحول جذري في سياستها الاقتصادية، فالسخرية من فكرة تحديد الأسعار قد تبدو سهلة، إلى أن تتحول احتجاجات غلاء المعيشة إلى قوة سياسية جارفة.

نقلا عن الجارديان