منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

موجة تضامن مع الناشط الحقوقي تومي أولسن بعد توقيفه في النرويج

23 مارس 2026
الناشط النرويجي تومي أولسن
الناشط النرويجي تومي أولسن

أثار توقيف الناشط النرويجي تومي أولسن موجة تضامن واسعة في الأوساط الحقوقية والإنسانية، بعدما أوقفته السلطات النرويجية في 16 مارس الجاري داخل منزله في مدينة ترومسو استنادًا إلى مذكرة توقيف أوروبية صادرة عن اليونان.

وتضع هذه القضية ناشطًا معروفًا بدفاعه عن حقوق المهاجرين في قلب مواجهة قانونية معقدة، تتجاوز حدود النرويج واليونان، وتمس أيضًا ملف الهجرة الشائك على حدود الاتحاد الأوروبي، بحسب ما ذكرت شبكة “روسيا اليوم”، اليوم الاثنين.

وترى منظمات دولية أن الملف لا يتعلق فقط باتهامات جنائية، بل يطرح سؤالًا أوسع حول ما إذا كانت بعض الدول الأوروبية تستخدم قوانين التهريب لملاحقة من يوثقون الانتهاكات ضد طالبي اللجوء.

ويواجه أولسن، إلى جانب المدافع اليوناني عن حقوق الإنسان بانايوتي ديميتراس من المرصد الهلسنكي اليوناني، اتهامات تشمل تشكيل منظمة إجرامية وتسهيل الدخول أو الإقامة غير النظامية واتهامات أخرى مرتبطة بملف الهجرة، وهي اتهامات تقول منظمات حقوقية إنها ترتبط مباشرة بعملهما في الدفاع عن اللاجئين والمهاجرين.

وتفيد تقارير حقوقية بأن أولسن قد يواجه، إذا أُدين، عقوبة بالسجن تصل إلى 15 أو 20 عامًا، فيما قالت منظمة العفو الدولية إن التحقيق الذي تستند إليه القضية فُتح في 2022، وإن الناشط تلقى إخطارًا بمذكرة التوقيف الأوروبية في 11 فبراير 2026.

وتحوّل هذا التطور سريعًا إلى قضية رأي عام حقوقية، لأن أولسن ليس ناشطًا مجهولًا، بل مؤسس Aegean Boat Report، وهي منصة معروفة بتوثيق أوضاع قوارب اللاجئين والانتهاكات المبلغ عنها في بحر إيجه.

اتهامات أم تجريم للتضامن؟

تقول هيومن رايتس ووتش إن اعتقال أولسن يستند إلى طلب تسليم لا أساس له، وتعتبر أن السلطات اليونانية تسيء استخدام مذكرة التوقيف الأوروبية لتوسيع حملتها ضد المدافعين عن حقوق المهاجرين إلى خارج حدودها.

وتدعو المنظمة النرويج إلى الإفراج الفوري عنه ورفض تسليمه على أسس حقوقية، محذرة من أن نقله إلى اليونان قد يعرّضه لانتهاكات جسيمة ويقوض التزامات أوسلو بحماية النشطاء.

كما تربط المنظمة هذه القضية بسياق أوسع من تجريم التضامن في أوروبا، مذكّرة بأن القضاء اليوناني برّأ في يناير الماضي 24 عاملًا إنسانيًا بعد ملاحقة استمرت سبع سنوات في واحدة من أشهر القضايا المرتبطة بمساعدة اللاجئين.

تصعيد ضد المدافعين عن حقوق الإنسان

تؤكد العفو الدولية بدورها أن القضية تمثل تصعيدًا مقلقًا ضد المدافعين عن حقوق الإنسان في اليونان، وتقول إن التهم الموجهة إلى أولسن وديميتراس غير مدعومة بأدلة كافية وتمثل إساءة استخدام لتشريعات مكافحة التهريب.

وتضيف المنظمة أن عمل الرجلين كان بالغ الأهمية في تسليط الضوء على مزاعم الصدّ القسري والانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون وطالبو اللجوء على الحدود اليونانية، في وقت تتهم فيه منظمات دولية أثينا بعدم بذل جهود جادة لوقف هذه الممارسات وضمان المساءلة.

كما حذرت “العفو الدولية” من أن تسليم أولسن قد يفتح الباب أمام حبس احتياطي طويل قد يصل إلى 18 شهرًا خلال سير القضية.

خلفية القضية ودلالاتها

بدأ أولسن نشاطه في اليونان متطوعًا لمساعدة طالبي اللجوء خلال سنوات اشتداد أزمة الهجرة، قبل أن يؤسس Aegean Boat Report في 2018 لمتابعة القوارب الواصلة إلى الجزر اليونانية ورصد ما يتعرض له ركابها من أخطار أو انتهاكات.

وتقول منظمات داعمة له إن جوهر عمله كان يقوم على التوثيق والإبلاغ، لا على تهريب البشر أو تسهيل عبورهم، بينما ترى السلطات اليونانية، وفق ما أوردته تقارير سابقة، أن هذا النشاط تجاوز المراقبة إلى المساعدة غير القانونية.

ويعكس هذا التناقض حجم الاشتباك القائم منذ سنوات بين الحكومات الأوروبية وبعض الشبكات الحقوقية العاملة على ملف الهجرة، خاصة في اليونان التي ظلت في الخط الأمامي لأزمة اللجوء عبر بحر إيجة.

قلق أممي

أبدت كذلك المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان ماري لولور قلقها من احتجاز أولسن، واعتبرت في تصريح علني أن ما يتعرض له يبدو، بحسب المعطيات المتاحة، مرتبطًا بعمله الحقوقي.

ويمنح هذا الموقف الأممي القضية بعدًا إضافيًا، لأن الأمر لم يعد خلافًا قانونيًا ثنائيًا بين النرويج واليونان، بل اختبارًا أوروبيًا جديدًا لحدود حماية المدافعين عن حقوق الإنسان عندما يتقاطع نشاطهم مع أكثر ملفات القارة حساسية: الهجرة والحدود والسيادة.

وتبقى الأنظار الآن متجهة إلى القرار الذي ستتخذه النرويج، بين احترام آليات التعاون القضائي الأوروبي، أو الاستجابة للتحذيرات الحقوقية التي ترى في التسليم سابقة خطيرة قد تشجع على ملاحقة النشطاء بدل محاسبة منتهكي الحقوق على الحدود.