منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من برشلونة إلى باريس.. المدن تزدهر بقيادة النساء

22 أبريل 2026
استعادت إدارة آدا كولاو مليون متر مربع من مساحات المشاة في برشلونة.
استعادت إدارة آدا كولاو مليون متر مربع من مساحات المشاة في برشلونة.

ميليسا برونليت وكريس برونليت

شهدت المدن التي تقودها نساء نجاحات لافتة في إعادة تشكيل أنظمة النقل الحضري بحيث تخدم الجميع، لا مجرد فئة ميسورة محدودة.

استعادت إدارة آدا كولاو مليون متر مربع من مساحات المشاة في برشلونة.
استعادت إدارة آدا كولاو مليون متر مربع من مساحات المشاة في برشلونة.

فبحسب  الأمم المتحدة، سيعيش نحو 68% من سكان العالم في المدن بحلول منتصف هذا القرن. هذا التسارع غير المسبوق في التحضر يضع المدن أمام تقاطع أزمات غير مسبوق أيضاً: من نقص السكن الميسور، إلى الازدحام المروري الذي يفاقم التلوث، ويقوض السلامة وجودة الحياة.

وتتفاقم هذه التحديات مع أزمة المناخ التي تضرب مناطق واسعة بموجات حر شديدة وأمطار غزيرة وفيضانات وظواهر مناخية متطرفة. صحيح أن الجميع سيتأثر، لكن كلفة الفشل في التعامل مع هذه التحولات تقع بشكل غير متكافئ على الفئات الأكثر هشاشة.

في كثير من المدن، ما زال التخطيط الحضري يقوم على افتراض أن السيارة الخاصة هي الوسيلة الأساسية للجميع. لكن هذا التصور يتجاهل واقعاً بسيطاً: فالأطفال، وكثير من النساء، وكبار السن، والأشخاص ذوو الإعاقة، لا يستطيعون أو لا يرغبون في الاعتماد على القيادة. النتيجة؟ سيارات أكثر تعني مساحة أقل للمشي، وركوب الدراجات، ودفع عربات الأطفال، أو استخدام وسائل الحركة المساعدة بأمان، وتعني أيضاً شوارع أكثر ضوضاءً وازدحاماً، وأقل تنوعاً في النشاط الاجتماعي.

أطلقت فاليري بلانت أضخم مشروع لجعل الشوارع خالية من السيارات في القارة الأمريكية.
أطلقت فاليري بلانت أضخم مشروع لجعل الشوارع خالية من السيارات في القارة الأمريكية.

على الجانب الآخر، تقدم مدن مثل دلفت نموذجاً مختلفاً. هناك، عملت السلطات على تحقيق توازن أفضل في توزيع المساحات بين المشاة، والدراجات، والنقل العام، والمركبات، والنتيجة فضاءات عامة نابضة بالحياة، يتحرك فيها الناس بطرق اجتماعية ومترابطة، وكما اكتشفنا بعد انتقالنا من كندا، بات الأطفال أكثر حرية في التنقل، ويحافظ كبار السن وذوو الإعاقة على ارتباطهم بمجتمعاتهم، وتشعر النساء بأمان أكبر أثناء التنقل بشكل مستقل.

أمام هذه التحديات، تحتاج المدن إلى تحول جذري في كيفية تعامل الحكومات مع البنية التحتية والسياسات، لكن في معظم الحالات، تقف مجموعات مصالح صغيرة، وإن كانت صاخبة، للدفاع عن نظام يخدمه، وغالباً ما يخطئ بعض السياسيين في تفسير هذا الصوت المرتفع باعتباره رأياً عاماً، فيلجؤون إلى شعارات فارغة بدل اتخاذ قرارات حاسمة.

ومع ذلك، أثبتت قلة من المسؤولين المنتخبين أن هذا الرفض لا يعكس بالضرورة المزاج العام. وفي كثير من الحالات، كانت النساء في طليعة هذا التغيير، فبحكم تجاربهن الشخصية  بوصفهن فتياتٍ ونساءً وراعيات، ونتيجة عقود من التهميش في عمليات التخطيط غالباً ما يدركن أن الوضع القائم لم يعد صالحاً.

في برشلونة، وخلال ولاية العمدة  آدا كولاو، استعادت المدينة مليون متر مربع من المساحات لمصلحة المشاة، عبر مبادرات مثل “السوبر بلوك” التي حوّلت مساحات الأسفلت إلى ساحات أحياء نابضة بالحياة باستخدام حلول بسيطة وإرادة سياسية.

وعلى مدار ثماني سنوات، تضاعف طول مسارات الدراجات ثلاث مرات ليصل إلى 273 كيلومتراً، ما جعل 90% من السكان على بُعد 300 متر فقط من أحد هذه المسارات. وكانت النتائج لافتة: 80 هكتاراً جديداً من المساحات الخضراء، وانخفاض حركة السيارات بنسبة 50%، وتراجع تلوث الهواء بنسبة 20% بين 2019 و2023.

وفي مونتريال، قادت العمدة فاليري بلانت (2017–2025) واحدة من أكثر خطط إغلاق الشوارع أمام السيارات طموحاً في الأمريكتين، عبر تخصيص أكثر من 9 كيلومترات للمشاة كل صيف، ما فتح المجال أمام آلاف الأنشطة التجارية المحلية ورفع من إيراداتها، كما أطلقت شبكة الدراجات السريعة  (REV) التي ستضم عند اكتمالها 17 مساراً بطول 191 كيلومتراً من المسارات المحمية. وبالتوازي، يعمل برنامج “الشوارع الإسفنجية” على مواجهة الفيضانات عبر استبدال الأسطح الصلبة بمساحات خضراء قادرة على امتصاص المياه.

«مشروع طموح للغاية لتطوير البنية التحتية للدراجات الهوائية». آن هيدالغو، عمدة باريس آنذاك، عام ٢٠١٩.
«مشروع طموح للغاية لتطوير البنية التحتية للدراجات الهوائية». آن هيدالغو، عمدة باريس آنذاك، عام ٢٠١٩.

أما في باريس، فقد استعادت الشوارع المكتظة بالسيارات روحها بفضل سياسات العمدة آن هيدالغو التي واجهت انتقادات حادة، لكنها نجحت في كسب دعم واسع لمشروعها الطموح لتوسيع البنية التحتية للدراجات والمشاة والنقل العام، وشملت استثماراتها إنشاء 1000 كيلومتر من مسارات الدراجات، منها 350 كيلومتراً محمية، إلى جانب تخصيص 250 مليون يورو لتوسيع الشبكة، كما تمضي المدينة نحو تنفيذ 300 “شارع مدرسي”، وإزالة 70 ألف مكان لانتظار السيارات، وزراعة 145 ألف شجرة، وإنشاء 45 كيلومتراً من الحدائق.

هذه النجاحات لم تأتِ صدفة، بل نتيجة رؤية تسعى لتلبية احتياجات الجميع، لا فقط أصحاب الصوت الأعلى أو النفوذ الأكبر، وما يجمع بين هؤلاء القيادات هو نهج قائم على التعاطف، ورؤية طويلة المدى متعددة الأبعاد، وتقدير لدور الرعاية في الحياة اليومية للمدن، إلى جانب القدرة على بناء تحالفات واسعة والحفاظ عليها، وبالطبع هذه الصفات ليست حكراً على النساء، وينبغي ألا تكون كذلك.

مع ذلك، تبقى الحاجة إلى توازن أكبر بين الجنسين في مواقع القيادة أمراً لا جدال فيه، فبين أكبر 300 مدينة في العالم، لا تتولى النساء رئاسة سوى 25 مدينة، كما لا تشغل النساء سوى 5% من المناصب القيادية البلدية، و10% فقط من أعلى المناصب في شركات العمارة والتخطيط الحضري، فالقادة، مهما حسنت نواياهم، يتخذون قراراتهم انطلاقاً من تجاربهم الشخصية، وإذا لم يختبروا يوماً التنقل مع طفل صغير، أو القلق من السير وحدهم ليلاً، فقد يصعب عليهم وضع هذه القضايا في صدارة أولوياتهم.

في نهاية المطاف، تُظهر التجارب حول العالم أن المدن التي تعكس قياداتها تنوع مجتمعاتها، هي الأكثر قدرة على خلق فضاءات عامة وأنظمة تنقل تخدم الجميع، لا القلة فقط.

نقلاً عن الجارديان