منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

نزوح جماعي وحقوق تُدفن تحت الخيام

بالأرقام .. خريطة اللجوء في العالم العربي

24 مارس 2026
تحول اللجوء خلال العقد الأخير إلى مشهد إنساني واسع
تحول اللجوء خلال العقد الأخير إلى مشهد إنساني واسع

لم يعد التشرد في العالم العربي مجرد ظاهرة عابرة ترتبط بظروف استثنائية، بل تحول خلال العقد الأخير إلى مشهد إنساني واسع تتقاطع فيه الحروب والنزاعات والأزمات الاقتصادية مع هشاشة البنى الاجتماعية، لترسم خريطة لجوء تتسع عاما بعد عام، وتترك ملايين البشر في مواجهة مصير معلق بين فقدان المأوى والبحث عن الأمان.

ففي عدد من الدول العربية، أفرزت الصراعات المسلحة والاضطرابات السياسية موجات لجوء ضخمة دفعت عائلات كاملة إلى مغادرة منازلها للعيش في مخيمات تحت وطأة القصف أو العنف أو الخوف من المجهول، حيث يتحول البيت الذي كان مصدرا للأمان وموطنا للذكريات بين لحظة وأخرى إلى مكان مهجور، فيما يبدأ طريق طويل من التشرد المؤقت الذي قد يمتد لسنوات.

وداخل مخيمات النزوح أو على أطراف المدن المكتظة، تتكرر الحكايات ذاتها حيث تقف الخيام المهترئة، وتتناثر الحقائب الصغيرة لتختصر ما تبقى من حياة كاملة، بينما يولد ويكبر الأطفال في فضاءات مؤقتة لا تعرف الاستقرار، لتمر الأسر بتجربة إنسانية قاسية تمس الكرامة والأمان والحق في حياة مستقرة.

ولا تقف أسباب النزوح عند حدود الحروب وحدها، فالأزمات الاقتصادية الحادة وانهيار الخدمات الأساسية في بعض البلدان أسهما أيضا في دفع آلاف الأسر إلى مغادرة مناطقها بحثا عن فرص عيش أفضل أو هروبا من الفقر المدقع، وفي حالات أخرى، تفرض الكوارث الطبيعية والجفاف واقعا جديدا يجبر المجتمعات الريفية على النزوح نحو المدن، حيث تبدأ رحلة جديدة من الهشاشة الاجتماعية.

ومع اتساع رقعة النزاعات في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، تحولت بعض الدول العربية إلى بؤر رئيسية للنزوح الداخلي، حيث يعيش ملايين الأشخاص بعيدا عن ديارهم الأصلية، وفي كثير من الأحيان، يظل هؤلاء النازحون عالقين بين أمل العودة إلى بيوتهم وحالة اللااستقرار واللاأمان التي فرضتها عليهم الظروف والحروب.

وفي قلب هذه الأزمة الإنسانية، تظهر الفئات الأكثر هشاشة بوضوح، حيث النساء والأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، الذين يتحملون العبء الأكبر من تبعات النزوح، لا سيما في ظل ضعف وهشاشة خدمات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وندرة الموارد وفرص العمل والخدمات الأساسية.

ورغم الجهود الإنسانية التي تبذلها المنظمات الدولية والإقليمية لتقديم الدعم والمساعدة، فإن اتساع خريطة النزوح في العالم العربي يكشف عن تحد إنساني طويل الأمد، يتطلب أكثر من الاستجابة الطارئة، فالمسألة تتعلق بإعادة بناء الاستقرار، ومعالجة جذور الصراعات، وخلق بيئات آمنة تسمح للنازحين بالعودة إلى ديارهم أو بدء حياة جديدة بكرامة.

وتظل خريطة النزوح في العالم العربي أكثر من مجرد أرقام أو إحصاءات، فإنها قصص بشر فقدوا بيوتهم لكنهم لم يفقدوا الأمل، وحكايات صمود يومية لأناس يحاولون إعادة ترميم حياتهم وسط عالم يتغير من حولهم، فالتشرد، في جوهره، ليس فقط غياب البيت، بل غياب الشعور بالأمان الذي لا يمكن لأي خيمة مؤقتة أن تعوضه.

خريطة مخيمات اللجوء في العالم العربي

فلسطين

تنتشر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتديرها وكالة “الأونروا” لتوفير الخدمات الأساسية، حيث يعيش أكثر من 1.4 مليون لاجئ مسجل في 58 مخيما رسميا.

وتعاني المخيمات من كثافة سكانية عالية جدا، بنى تحتية متهالكة، واقتحامات متكررة، أبرزها في غزة مخيمي جباليا والشاطئ، وفي الضفة مخيمي بلاطة وجنين، مع وجود مخيمات غير رسمية مثل قدورة.

لبنان

يستضيف لبنان 12 مخيما رسميا للاجئين الفلسطينيين، تأسست معظمها بعد عام 1948، وتتركز من الشمال إلى الجنوب بمحاذاة البحر المتوسط، وتضم نحو 250 ألف لاجئ فلسطيني، أبرزها مخيمات عين الحلوة (الأكبر)، ونهر البارد، وشاتيلا، وفق المنظمة الدولية للهجرة.

الأردن

يحتضن الأردن مخيمي الزعتري والأزرق للاجئين السوريين، إذ يستضيف مخيم الزعتري، وهو أكبر مخيم، ما يقرب الـ80 ألف لاجئ ويقع على بعد 10 كيلومترات شرق مدينة المفرق شمال الأردن.

بينما يستضيف مخيم الأزرق 38 ألف لاجئ، ويقع شمال شرق المملكة.يعيش 18 بالمئة فقط من اللاجئين في الأردن في مخيمات اللاجئين.

سوريا

تضم سوريا 15 مخيما للاجئين الفلسطينيين (10 معترف بها و5 غير رسمية)، تضم قرابة 655 ألف لاجئ فلسطيني، بالإضافة إلى أكثر من 1500 مخيم وموقع غير رسمي للنازحين السوريين في الشمال الغربي.

وتتركز المخيمات الفلسطينية قرب دمشق وفي أقصى جنوبي البلاد، بينما يتركز النازحون السوريون في مناطق الشمال.

العراق

ورغم إعلان الحكومة العراقية إغلاق مخيمات اللجوء في يونيو 2024، غير أن عملية الإغلاق النهائية لم تُنفّذ بعد، حيث لا يزال ما يقارب 26 ألف أسرة نازحة تقيم في مخيمات إقليم كردستان (شمالي البلاد).

ويوجد حاليا 14 مخيما رسميا للنازحين في العراق، 10 منها في إقليم كردستان، و4 في محافظة الأنبار، إضافة إلى مخيمات عشوائية أخرى.

السودان

يستضيف السودان 1.1 مليون لاجئ، وهو ما يشكل أحد أكبر مجموعات اللاجئين في إفريقيا، ويمثل اللاجئون من جنوب السودان أكثر من 70% من اللاجئين المقيمين في السودان، يليهم اللاجئين الإريتريين.

ويوجد في البلاد أكثر من 3 ملايين نازح داخليا، معظمهم في منطقة دارفور التي شهدت أوضاعا أمنية متقلبة لما يقرب من عقدين من الزمن، ويتم استضافة اللاجئين بشكل رئيسي في مخيمي أم راكوبة والطنيدبة الواقعين في شرق السودان.

اليمن

مخيم خرز للاجئين في محافظة لحج، هو المخيم الوحيد للاجئين في اليمن، ويستضيف نحو 10 آلاف لاجئ وطالب لجوء، معظمهم من الصومال وإثيوبيا.

ووفق تقديرات مفوضية شئون اللاجئين لعام 2025، يعيش في المخيم 2241 أسرة، بينهم 1340 شخصا من ذوي الاحتياجات الخاصة.

تحديات استراتيجية

وتعقيبا على اتساع رقعة النزوح في الدول العربية على وقع الحروب والصراعات، أوضح المحلل السياسي اللبناني طارق أبو زينب، أن أزمة التشرد وغياب المأوى في العالم العربي تمثل تحديا إنسانيا وسياسيا متصاعدا، في ظل النزاعات المسلحة وتفاقم معدلات الفقر، ما أدى إلى نزوح الملايين داخليا وخارجيا، وترك أكثر من 10 ملايين شخص بلا مأوى، معظمهم من النساء والأطفال، وهم الفئات الأكثر هشاشة في المجتمعات.

وأوضح أبو زينب في تصريح لـ”صفر”، أن تزايد أعداد المشردين ينعكس سلبا على أوضاعهم المعيشية، حيث يواجهون مخاطر الأمراض وحرمان التعليم والاستغلال، فضلا عن الضغوط المتزايدة التي تفرضها موجات النزوح على المجتمعات المضيفة وبنيتها التحتية وخدماتها الأساسية، ضاربا المثل بدولة الإمارات العربية المتحدة التي تعد نموذجا بارزا في التعامل مع هذه الأزمات الإنسانية، من خلال توفير المساعدات الإغاثية العاجلة للنازحين والمشردين، وتأمين المأوى والغذاء والخدمات الصحية.

وأكد أبو زينب، أن أزمة التشرد تتجاوز بعدها الإنساني لتشكل تحديا استراتيجيا يمس الاستقرار الإقليمي، ما يتطلب جهودا دولية متكاملة تشمل توفير السكن والتعليم والرعاية الصحية والدعم الاقتصادي، لضمان حياة كريمة للمتضررين والحد من تداعيات النزوح على المجتمعات.

مسؤولية المجتمع الدولي

ومن جانبه، قال الحقوقي الدكتور صلاح عبد العاطي، إن جرائم الاحتلال الإسرائيلي المتواصلة أسهمت في تهجير ما يقارب مليوني فلسطيني من قطاع غزة، إضافة إلى نحو 60 ألف فلسطيني من الضفة الغربية، في واحدة من أكبر موجات النزوح القسري التي يشهدها الشعب الفلسطيني في السنوات الأخيرة.

وأوضح عبد العاطي، في تصريح لـ”صفر”، أن هذه الأرقام لا تعكس مجرد حركة نزوح عابرة، بل تعبر عن مأساة إنسانية مركبة، حيث يُجبر مئات الآلاف من الأسر على مغادرة منازلهم تحت وطأة القصف والدمار، في ظل ظروف معيشية قاسية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الآمنة.

وأضاف أن ظاهرة التشرد والنزوح القسري في العالم العربي لا تقتصر على فلسطين فحسب، بل تتفاقم بفعل الصراعات المسلحة والأزمات السياسية التي شهدتها عدة دول في المنطقة، وعلى رأسها سوريا واليمن وليبيا وغيرها، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أعداد المشردين ليصل إلى نحو 10 ملايين شخص بلا مأوى في المنطقة العربية.

وأشار إلى أن استمرار هذه الصراعات أدى إلى تفكك مجتمعات بأكملها، وخلق أجيال كاملة تعيش في مخيمات النزوح أو في ظروف إنسانية هشة، وهو ما يهدد منظومة الحقوق الأساسية للإنسان، وفي مقدمتها الحق في السكن الآمن والحياة الكريمة.

وأكد عبد العاطي أن تداعيات هذا الواقع القاسي تطال بشكل خاص الفئات الأكثر ضعفا، وفي مقدمتها الأطفال والنساء وكبار السن، الذين يواجهون مخاطر مضاعفة تتعلق بالفقر وسوء التغذية وغياب الرعاية الصحية والتعليم، فضلا عن التعرض لأشكال متعددة من الانتهاكات والاستغلال.

وشدد على ضرورة تحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل، من خلال الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية، لتوفير الحماية الفعلية للمدنيين، وضمان تأمين المأوى الآمن والخدمات الأساسية للنازحين والمشردين، بما يكفل الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية التي نصت عليها المواثيق والاتفاقيات الدولية.

ودعا إلى تكثيف الضغوط السياسية والدبلوماسية من أجل معالجة جذور الأزمات والصراعات في المنطقة، والعمل على تفكيك بؤر النزاع ووقف الحروب، إلى جانب دعم مسارات الحلول السياسية القائمة على المشاركة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، باعتبارها السبيل الوحيد لضمان الاستقرار ووقف موجات النزوح والتشرد.

وأكد عبد العاطي أنه إلى حين التوصل إلى حلول سياسية تنهي هذه الأزمات، يبقى من الضروري أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته الإنسانية، عبر ضمان وصول المساعدات الإغاثية بشكل آمن ومستدام، وتأمين الخدمات الأساسية من غذاء ومياه ورعاية صحية وتعليم، بما يساعد ملايين المتضررين على الصمود واستعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان