أثار مقطع فيديو متداول على نطاق واسع موجة من الجدل داخل إسرائيل، بعدما أظهر رجلًا يمنع عائلة من دخول ملجأ خلال دوي صفارات الإنذار في تل أبيب أثناء هجوم صاروخي، وسلّطت هذه الحادثة، التي بدت في ظاهرها فردية، الضوء على تحديات أوسع تتعلق بمدى التزام الأفراد بالقانون، وإمكانية الدولة على ضمان وصول متساوٍ إلى الملاجئ في لحظات الخطر، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول عدالة منظومة الحماية المدنية.
وفق بيانات قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية (Israel Home Front Command) تمتلك إسرائيل شبكة واسعة من الملاجئ تقدر بنحو مليون ملجأ، تشمل غرفاً محصنة داخل الشقق السكنية، وملاجئ مشتركة في المباني، إضافة إلى آلاف الملاجئ العامة التي تديرها البلديات، وقد تطورت هذه البنية على مدى عقود نتيجة التهديدات الأمنية المستمرة، وأصبحت جزءًا أساسيًا من معايير البناء والتخطيط العمراني، بما يضمن الحد الأدنى من الحماية للسكان في المناطق الحضرية وغيرها.
أنواع الملاجئ
بحسب وزارة الدفاع الإسرائيلية وبلدية تل أبيب تنقسم الملاجئ في إسرائيل إلى ثلاثة أنواع رئيسية: غرف محصنة داخل المنازل، وملاجئ مشتركة داخل المباني، وملاجئ عامة موزعة في الأحياء والبلدات، ويبلغ عدد الملاجئ العامة نحو 12,600 ملجأ، مع تركيز أكبر في المدن الكبرى مثل تل أبيب والقدس وحيفا، بينما تعتمد المناطق الطرفية والبلدات العربية على نسب أقل من الغرف المحصنة، ما يعكس تفاوتًا في التغطية بين فئات السكان.
تستند فاعلية الملاجئ إلى السرعة في الاستجابة، حيث يُطلب من السكان الوصول إليها خلال فترة تتراوح بين 10 و60 ثانية من بدء صفارات الإنذار، وتستوعب الغرف المحصنة داخل الشقق عادة عائلة واحدة، بينما يمكن للملاجئ العامة استقبال عشرات أو مئات الأشخاص في وقت واحد، وقد أظهرت تجارب التصعيد العسكري السابقة دخول ملايين المدنيين للملاجئ في وقت متزامن، ما يعكس قدرة تشغيلية عالية للنظام، رغم وجود تفاوتات واضحة في التوزيع الجغرافي.
إمكانية الوصول
رغم الانتشار الواسع للملاجئ، تشير التقديرات إلى أن نحو 25% من السكان في إسرائيل لا يملكون وصولًا فعليًا إلى ملجأ قريب، ما يعني أن نحو 2.5 مليون شخص معرضون لخطر نقص الحماية في حال وقوع هجمات صاروخية أو حالات طوارئ، وهذه الفجوة تبرز بصورة أوضح في المناطق العربية، حيث تقل نسبة الملاجئ العامة والغرف المحصنة، ما يسلط الضوء على تحديات عدم المساواة في الوصول إلى الحماية المدنية وفق صحيفة “هآرتس”.
وبحسب تصريحات لقناة “كان” الإسرائيلية أفاد المدير التنفيذي المشارك في معهد “أجيك–النقب”، سليمان العمور، وهو من سكان بلدة كسيفة في النقب، بأن عدد الملاجئ المتوفرة في المناطق العربية لا يتجاوز 37 ملجأً فقط.
تتوسع هذه الفجوة في البلدات العربية والمناطق الطرفية بسبب محدودية الموارد وعقبات التخطيط العمراني، مثل صعوبة الحصول على تراخيص البناء لغرف محصنة إضافية، وتعتبر منظمات حقوقية مثل جمعية حقوق المواطن في إسرائيل (ACRI) أن هذا التفاوت يعكس خللاً هيكليًا في توزيع وسائل الحماية، ما يجعل بعض السكان أكثر عرضة للخطر مقارنة بالآخرين، وهو ما يظهر في لحظات الأزمات بشكل واضح.
تحديات تعوق الاستخدام
إضافة إلى الفجوات في التوزيع، يواجه النظام تحديات تتعلق بصيانة الملاجئ وضمان جاهزيتها للاستخدام الفوري، وتشير تقارير “مراقب الدولة الإسرائيلي” إلى أن آلاف الملاجئ العامة غير صالحة للاستخدام بسبب الإهمال أو ضعف الصيانة، ما يقلل من السعة الفعلية للنظام ويؤثر على قدرة السكان على الاحتماء في أوقات الخطر، خاصة في المناطق التي تعاني بالفعل من نقص في الملاجئ.
تتضمن التحديات العملية الأخرى ظاهرة استخدام الملاجئ لأغراض غير الحماية بحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت”، مثل تحويلها إلى مخازن أو ورش أو مساكن مؤقتة، وهو ما يحد من إمكانية الاستفادة منها أثناء الطوارئ، وقد تم توثيق مئات الحالات في المدن الكبرى مثل تل أبيب والقدس وحيفا.
حوادث فردية داخل الملاجئ
ينص قانون الدفاع المدني الإسرائيلي لعام 1951 على وجوب توفير الملاجئ وفتحها أمام الجميع أثناء حالات الطوارئ، ويعد منع أي شخص من الدخول مخالفة قد تصل عقوبتها إلى السجن، لضمان الحماية دون تمييز بين السكان على أساس الدين أو العرق أو الأصل الاجتماعي بحسب الكنيست الإسرائيلي، ومع ذلك، تظهر التجارب العملية أن تطبيق القانون لا يخلو من إخفاقات، كما تجسد ذلك الحوادث الفردية الموثقة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل.
الحادثة التي أظهرها الفيديو تمثل نموذجًا لهذه الفجوة داخل إسرائيل، إذ منع رجل عائلة من دخول الملجأ خلال صفارات الإنذار، وهو ما يعكس إخفاقًا في التطبيق العملي للقانون، وقد أعلنت الشرطة الإسرائيلية توقيف المشتبه به ثم الإفراج عنه بشروط، ما أثار تساؤلات حول آليات المحاسبة وسرعة التحقيق، ويكشف عن الحاجة إلى مزيد من الرقابة على الالتزام بالقوانين أثناء الطوارئ.
ليست الحادثة وحيدة من نوعها، فقد وثقت شهادات ميدانية أخرى منع دخول ملاجئ أو نزاعات بين جيران حول استخدامها خلال الحروب والهجمات الصاروخية، مثل شهادة الإسرائيلية نيرا يادين التي ذكرت أنها تعرضت للمنع من الدخول إلى ملجأ خلال إحدى الهجمات.
كما منعت مجموعة من الإسرائيليين عائلة مسيحية من دخول أحد الملاجئ للاحتماء من الصواريخ التي أطلقتها إيران، وفق ما يظهر في مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، ويُظهر الفيديو حالة من التوتر خلال محاولة العائلة الاحتماء مع تصاعد دوي صفارات الإنذار، قبل أن يرفض عدد من المستوطنين السماح لهم بالدخول إلى الملجأ، في واقعة أثارت تفاعلا واسعا وانتقادات على منصات التواصل، وتذرع المستوطن الإسرائيلي أمام كاميرا المراقبة بأن الملجأ مخصص فقط لليهود، وأن لدى المسيحي كلب من الممكن أن يعض! وخاطب الإسرائيلي سيدة مسيحية حاولت الدخول للملجأ بقوله: “أنتِ لن تمري لن تلوثيني، هذه ملكية خاصة للمبنى (للملجأ)”.
ووثّقت جمعية حقوق المواطن في إسرائيل (ACRI) حالات متعددة في البلدات المختلطة، خصوصًا خلال هجمات صاروخية على مناطق تل أبيب والقدس، وتضمنت هذه الحوادث منع أفراد من دخول ملاجئ مشتركة أو فرض قيود تعسفية عليهم، ما يخلق شعورًا بعدم المساواة في الوصول إلى الحماية، ويعكس وجود فجوة بين النص القانوني الذي يضمن الحق في الاحتماء وبين التطبيق العملي في الميدان، وهذه الحالات أثارت انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان، معتبرة أن مثل هذه التصرفات قد تنطوي على تمييز عنصري مباشر أو غير مباشر ضد السكان العرب والمجتمعات المهمشة بحسب جمعية حقوق المواطن في إسرائيل.
إضافة إلى قضايا التمييز، كشفت تقارير ميدانية عن حالات عنف وسلوكيات إجرامية داخل الملاجئ، مثل الاعتداء الجسدي والتهديد من قبل بعض السكان على الآخرين، بالإضافة إلى استخدام الملاجئ لأغراض غير قانونية، كالتحويل إلى مخازن أو ورش مؤقتة، وقد أشارت صحيفة يديعوت أحرونوت إلى عدة حوادث خلال جولات القصف الأخيرة، حيث تعرضت عائلات للتهديد المباشر أو منعها من الدخول بالقوة، ما يشكل انتهاكًا صارخًا لقوانين الدفاع المدني ويؤثر على السلامة النفسية والجسدية للسكان المحتاجين للحماية.
حال البلدات العربية
تشير التقارير الحقوقية إلى أن المشكلة لا تقتصر على الحالات الفردية، بل تمتد إلى تفاوتات هيكلية في البنية التحتية للحماية، خاصة في البلدات العربية التي تعاني من نقص في الملاجئ أو صعوبة في بناء غرف محصنة إضافية، ما يعكس ما يسمى بالتمييز البنيوي، ومن الأمثلة على ذلك الصعوبات في تراخيص البناء، التي تحد من قدرة السكان على تأمين حماية كافية لأنفسهم في المنازل بحسب مركز عدالة لحقوق الإنسان.
ترتبط هذه الفجوات أيضًا بسياسات التخطيط العمراني والقيود المفروضة على البناء في بعض المناطق، والتي تؤثر مباشرة على مستوى الحماية المقدم للسكان، فقد أشارت منظمة “بتسيلم” الحقوقية إلى أن هذه القيود تحد من قدرة السكان على إنشاء غرف محصنة داخل منازلهم، وبالتالي يزداد تعرضهم للخطر مقارنة بالمجتمعات الأخرى التي تتمتع بتغطية أفضل.
رؤية القانون الدولي
وبحسب القانون الدولي الإنساني، يجب على الدول حماية المدنيين وتوفير وسائل الأمان لهم دون تمييز، بما يشمل الوصول العادل إلى الملاجئ، وأي حرمان متعمد من الحماية أثناء الهجمات الصاروخية أو الحروب قد يُعتبر انتهاكًا للقانون الدولي، وفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC).
مطالب حقوقية
منظمات حقوق الإنسان، مثل هيومن رايتس ووتش، طالبت بتحسين توزيع الملاجئ وضمان المساواة في الوصول إليها لجميع السكان، محذرة من أن الفجوات القائمة قد تعرض بعض الفئات لمخاطر أكبر خلال النزاعات والهجمات، وهو ما يؤكد أهمية الربط بين البنية التحتية والعدالة الاجتماعية في منظومة الحماية.
ووفق منظمة العفو الدولية شهدت إسرائيل أحداث عنف مجتمعية، مثل أحداث مايو 2021، التي شملت اعتداءات بين المجتمعات المختلفة في المدن المختلطة، ما كشف عن توترات اجتماعية يمكن أن تؤثر على سلوك الأفراد في أوقات الطوارئ، بما في ذلك استخدام الملاجئ، ويدعم الرأي القائل بأن الحوادث الفردية قد تعكس سياقات أوسع.
رغم التحديات، أثبتت الملاجئ فاعليتها في تقليل الخسائر البشرية، خصوصًا في المناطق التي تتوفر فيها بنية تحتية متكاملة وسهلة الوصول، لتظل عنصرًا أساسيًا في منظومة الدفاع المدني التي تعتمد عليها الدولة في حماية المدنيين من الصواريخ والهجمات المفاجئة وفق وزارة الدفاع الإسرائيلية.
تكشف منظومة الملاجئ في إسرائيل عن مفارقة واضحة بين قوة البنية التحتية ووجود فجوات حقيقية في العدالة والتطبيق، وبينما توفر هذه الشبكة حماية واسعة، فإن الفجوات الجغرافية والاجتماعية والحالات الفردية تشير إلى أن الوصول إلى الحماية ليس متساويًا دائمًا، وهو ما يجعل التقييم الحقوقي والقانوني للنظام ضروريًا.


