منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

معاداة السامية في أوروبا وأمريكا.. موجة متصاعدة وقلق أممي بعد استهداف معابد ومؤسسات يهودية

20 مارس 2026
معاداة السامية بلغت مستويات تاريخية في عدد من الدول
معاداة السامية بلغت مستويات تاريخية في عدد من الدول

لم يعد التحذير من معاداة السامية في الغرب مجرد موقف أخلاقي أو سياسي، بل صار إنذارًا حقوقيًا وأمنيًا موثقًا بالأرقام، حيث كشفت تقارير الرصد في أوروبا وأمريكا الشمالية أن الظاهرة بلغت مستويات تاريخية في عدد من الدول، من الولايات المتحدة وكندا إلى ألمانيا وبريطانيا وفرنسا.

وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، إنه “مصدوم” من الهجمات الأخيرة التي استهدفت كُنُسًا ومؤسسات يهودية في بلجيكا وهولندا وكندا والولايات المتحدة، ودعا السلطات إلى التحقيق السريع والكامل وتقديم المسؤولين إلى العدالة.

وقبلها بأيام، أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذه الهجمات أيضاً، مؤكّدًا أن بيوت العبادة يجب أن تبقى “ملاذًا آمنًا للجميع”.

هذا الموقف الأممي لا يأتي من فراغ، بل من واقع رقمي يُظهر أن معاداة السامية لم تعد حوادث متفرقة، بل ظاهرة متصاعدة وممتدة عبر دول غربية عدة.

الحوادث المعادية لليهود

الصورة العامة تقول إن السنوات 2023 و2024 و2025 شهدت تثبيتًا لمستويات مرتفعة جدًا من الحوادث المعادية لليهود في الغرب، مع استمرار الزخم نفسه في 2026 عبر هجمات على معابد ومؤسسات دينية يهودية.

في الولايات المتحدة سجّلت رابطة مكافحة التشهير 9,354 حادثة معادية للسامية في 2024، وهو أعلى رقم في تاريخ رصدها الممتد لـ46 عامًا، بزيادة 5% على 2023، و344% خلال خمس سنوات، و893% خلال عشر سنوات.

وفي كندا سجّلت منظمة “بناي بريث” الدولية 6,219 حادثة في 2024، بزيادة 7.4% عن 2023، وفي بريطانيا وثّقت مؤسسة أمن المجتمع 3,528 حادثة في 2024، وهو ثاني أعلى رقم في تاريخ الرصد البريطاني رغم تراجعه 18% عن ذروة 2023.

وفي فرنسا سُجِّل 1,570 فعلًا معاديًا للسامية في 2024، وهو مستوى بقي “مرتفعًا تاريخيًا” رغم انخفاضه الطفيف عن 2023، أما ألمانيا فسجّلت فيها الجمعية الاتحادية لمراكز الأبحاث والمعلومات حول معاداة السامية 8,627 حادثة في 2024، بزيادة تقارب 77% عن 2023.

معاداة السامية واقع يومي

أهم ما تكشفه البيانات الأوروبية أن الأزمة ليست محصورة في بلد بعينه، وكالة الحقوق الأساسية التابعة للاتحاد الأوروبي، أكدت في أحدث مسح واسع لها أن معاداة السامية ما تزال “واقعًا” يوميًا لليهود في أوروبا، وأن نتائجها تغطي 13 دولة تمثل نحو 96% من السكان اليهود في الاتحاد الأوروبي.

كما حذّرت الوكالة في تقرير صدر في يناير 2026 من أن تسجيل الحوادث المعادية للسامية لا يزال غير متسق وغير قابل للمقارنة بشكل كامل بين الدول، ما يعني أن الأرقام المتاحة قد تعكس فقط الجزء المرصود من المشكلة، لا حجمها الكامل.

الأخطر من الأرقام هو ما تقوله التجربة المعيشة لليهود الأوروبيين: 76% من المشاركين في مسح لوكالة الحقوق الأساسية قالوا إنهم يخفون هويتهم اليهودية على الأقل أحيانًا، و34% يتجنبون حضور فعاليات أو مواقع يهودية لأنهم لا يشعرون بالأمان، و37% تعرضوا لمضايقات خلال السنة السابقة للاستطلاع بسبب كونهم يهودًا، في حين قال 4% إنهم تعرضوا لاعتداء جسدي خلال الفترة نفسها.

وعلى الإنترنت، قال 90% إنهم واجهوا محتوى معاديًا للسامية خلال عام واحد، هذه المؤشرات تعني أن الظاهرة لا تقتصر على اعتداءات مادية، بل تشمل أيضًا مناخًا عامًا من الخوف والإخفاء والانسحاب من المجال العام.

أبرز الدول الأوروبية

 ألمانيا

ألمانيا تبدو اليوم من أكثر الدول الأوروبية التي شهدت طفرة حادة في عدد الحوادث، فالجمعية الاتحادية لمراكز الأبحاث والمعلومات حول معاداة السامية وثّقت 8,627 حادثة في 2024، بمعدل يقارب 24 حادثة يوميًا، مقابل 4,886 في 2023.

التقرير يلفت أيضًا إلى أن 5,857 من هذه الحوادث كانت مرتبطة بما تصنّفه المنظمة باعتباره “معاداة سامية مرتبطة بإسرائيل”، وأن الحوادث في الجامعات قفزت إلى 450، وفي المدارس إلى 284، في حين سُجل 1,978 حادثًا على الإنترنت.

ويوضح هذا أن ألمانيا لا تواجه فقط اعتداءات شوارع أو تخريبًا، بل تواجه أيضًا انتشارًا في الجامعات والمدارس والفضاء الرقمي.

بريطانيا

في المملكة المتحدة وثّقت مؤسسة أمن المجتمع 3,528 حادثة في 2024، وهو ثاني أعلى رقم تاريخيًا بعد 4,296 في 2023، التقرير البريطاني يعتبر أن المستويات المرتفعة منذ أكتوبر 2023 لم تعد موجة عابرة، بل تحوّلت إلى مستوى “مستدام” من الكراهية.

كما أشار إلى أن 52% من الحوادث في 2024 تضمنت خطابًا مرتبطًا بالحرب في الشرق الأوسط، و26% تضمنت إشارات إلى هتلر أو النازية أو الهولوكوست.

ويعني هذا أن جانبًا معتبرًا من الكراهية الراهنة يتغذى على الأحداث الإقليمية ثم يعيد إنتاج نفسه بلغة تاريخية وعنصرية قديمة.

فرنسا

تقرير المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا المبني على أرقام وزارة الداخلية أحصى 1,570 فعلًا معاديًا للسامية في 2024 مقابل 1,676 في 2023، مقارنة بـ 436 فقط في 2022.

التقرير يلفت كذلك إلى أن 65.2% من الأفعال استهدفت أشخاصًا مباشرة، وأن أكثر من 10% منها تضمن عنفًا جسديًا، كما ظهرت إحالات إلى “فلسطين” في 518 حالة خلال 2024.

ويُظهر هذا أن فرنسا لم تعد أمام مجرد خطابات كراهية هامشية، بل أمام انتقال واسع إلى الاستهداف المباشر للأفراد.

هولندا

في هولندا، سجّل مركز المعلومات والتوثيق حول إسرائيل 421 حادثة معادية للسامية في 2024، بزيادة تتجاوز 11% عن 2023، وهي أعلى حصيلة منذ بدء الرصد قبل نحو أربعة عقود.

هذا الرقم مهم لأنه تزامن لاحقًا مع هجمات مباشرة على مؤسسات يهودية في مارس 2026، بينها تفجير استهدف مدرسة يهودية في أمستردام، وحريق/ انفجار استهدف كنيسًا في روتردام.

ووصفت السلطات الهولندية بعض هذه الأفعال بأنها استهدفت بث الخوف داخل المجتمع اليهودي.

 بلجيكا

بلجيكا مثال على الفجوة بين الأرقام الرسمية المحدودة وبين خطورة التطورات الميدانية، بيانات منظمة الأمن والتعاون في أوروبا الخاصة ببلجيكا تُظهر 52 جريمة كراهية معادية للسامية مسجّلة لدى الشرطة في 2024.

لكن في مارس 2026 وقع انفجار ألحق أضرارًا بكنيس في مدينة لييج، ووصفه مسؤولون بلجيكيون بأنه عمل معادٍ للسامية، وتولت السلطات الفدرالية التحقيق فيه.

ويعني هذا أن حتى الدول ذات الأرقام الأدنى نسبيًا ليست بعيدة عن الانتقال من التهديدات والاعتداءات اللفظية إلى استهداف دور العبادة نفسها.

أرقام قياسية وتهديدات

 الولايات المتحدة

الولايات المتحدة سجلت في 2024 رقمًا قياسيًا جديدًا: 9,354 حادثة بحسب رابطة مكافحة التشهير، منها 196 اعتداءً و2,606 أعمال تخريب و6,552 حالة مضايقة.

وفي البيانات الرسمية الأوسع، قالت وزارة العدل الأمريكية إن وكالات إنفاذ القانون أبلغت عن 11,679 حادثة كراهية في 2024، وشكّلت الدوافع الدينية 23.5% من ضحايا الحوادث أحادية الدافع.

وفي مارس 2026 وقع هجوم استهدف معبد Temple Israel في ميشيغان حين صدم مهاجم بسيارته المبنى، وقالت السلطات إن مكتب التحقيقات الفدرالي يتعامل معه بوصفه اعتداءً موجّهاً ضد المجتمع اليهودي.

وتبين هذه الأرقام والوقائع معًا أن الولايات المتحدة تشهد تداخلًا بين الارتفاع الإحصائي والانتقال إلى أعمال عنف مباشرة ضد مؤسسات دينية.

 كندا

كندا بدورها عند مستوى تاريخي غير مسبوق، “بناي بريث” الدولية سجلت 6,219 حادثة في 2024، بزيادة 7.4% عن 2023، مع ارتفاع بنسبة 124.6% بين 2022 و2024.

وعلى المستوى الجغرافي، احتفظت أونتاريو بأعلى عدد مسجّل (1,782 حادثة)، في حين قفزت كيبيك إلى 1,651 حادثة بزيادة 215.7%، وسجلت ألبرتا 916 بزيادة 160.2%.

وفي مارس 2026، أدان رئيس الوزراء مارك كارني إطلاق نار على معابد يهودية في منطقة تورونتو، واصفًا الهجمات بأنها “إجرامية ومعادية للسامية”.

وتوضح هذه الأرقام أن كندا لم تعد حالة أقل حدة من الولايات المتحدة، بل باتت إحدى أكثر الساحات الغربية تسجيلًا للحوادث.

لماذا تتصاعد الظاهرة؟

القاسم المشترك في كثير من التقارير الغربية أن أحداث الشرق الأوسط، خصوصًا 7 أكتوبر 2023 وما تبعها ثم التوترات الإقليمية اللاحقة، تحولت إلى “مُحفّز” رئيسي يطلق خطابًا موجودًا أصلًا أو يوسّعه.

هذا المعنى حاضر بوضوح في تقارير بريطانيا وفرنسا وألمانيا، حيث ترتبط نسبة معتبرة من الوقائع بخطاب عن إسرائيل أو الحرب، لكن ما يحدث على الأرض يتجاوز “الاحتجاج السياسي” إلى استهداف يهود بصفتهم الدينية أو الإثنية، واستهداف مدارسهم ومعابدهم ومؤسساتهم.

وفي أوروبا خصوصًا، تُظهر بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية أن النتيجة النهائية ليست فقط ارتفاعًا في البلاغات، بل تراجع في الإحساس بالأمان والقدرة على الظهور العلني بصفة يهودي.