زينب مكي – جنيف
في خضم مخاوف متزايدة من استغلال تشريعات مكافحة الإرهاب لانتهاك الحريات الأساسية، عقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، اليوم الأربعاء، حوارًا تفاعليًا مع المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب.
وشهدت الجلسة، المنعقدة ضمن الدورة الحادية والستين للمجلس بجنيف، إجماعًا واسعًا من الدول والمنظمات الحقوقية على ضرورة صياغة تعريف دولي واضح ومحدد للإرهاب، يضمن فعالية الجهود الأمنية دون التضحية بمبادئ سيادة القانون وحقوق الإنسان.
في مستهل المناقشات، رحّبت أرمينيا بتقرير المقرر الخاص الذي شخّص الحاجة الماسة لتعريف موحد، مستعرضةً تجربتها الوطنية في التعاون مع منظمتي الأمن والتعاون في أوروبا والإنتربول لتطبيق أنظمة معلومات الركاب.
المعالجة من الجذور
ومن جهتها، شددت توغو على أن الإرهاب لا يزال يهدد استقرار مناطق مثل غرب إفريقيا، داعية إلى مقاربة شاملة تعالج الأسباب الجذرية للتطرف.
وأشارت ناميبيا إلى تبنيها أطرًا قانونية تسمح بتعقب الأموال المشبوهة، مع الالتزام بالمعايير الدولية.
وحذّرت سويسرا من أن التعريفات “الغامضة أو الفضفاضة” تمثل بوابة رئيسية لانتهاك الحقوق، وأعربت عن تأييدها لحصر تعريف الإرهاب بأفعال بالغة الخطورة كالقتل العمد واحتجاز الرهائن.
وفي مداخلة لافتة، استحضرت جنوب إفريقيا التاريخ السياسي لبلادها، مذكرة بأن نضالها ضد نظام الفصل العنصري قاده رجال وُصفوا سابقًا بـ”الإرهابيين”، مثل نيلسون مانديلا، محذرة من تحول هذه القوانين إلى أدوات لقمع حركات التحرر المشروعة.
اتهامات سياسية متبادلة
تحوّلت الجلسة إلى منصة لتبادل الاتهامات بين الدول. ففيما اتهمت أوكرانيا روسيا باستهداف البنية التحتية المدنية في هجمات “إرهابية”، مستشهدة بحكم لمحكمة العدل الدولية، ردت فنزويلا محذرة من استخدام مكافحة الإرهاب ذريعة للتدخلات العسكرية.
ومن جانبها، اعتبرت إيران أن استهداف المرافق الحيوية للمدنيين يرقى إلى مرتبة الإرهاب الدولي.
وأكد العراق أهمية التعاون الإقليمي لدعم ضحايا الإرهاب وتحقيق الاستقرار، ولفتت إندونيسيا إلى ضرورة عدم ربط الإرهاب بأي دين أو عرق، مستعرضة برامجها لتعويض المتضررين.
كما أوضحت كل من بنغلاديش وتشاد آلياتها الوطنية التي تجمع بين الملاحقة الأمنية وتوفير ضمانات المحاكمة العادلة. ودعت ماليزيا إلى تعريف دقيق يمنع “التجاوزات القانونية” التي تفتح الباب لانتهاك الحريات.
“فزاعة” لقمع المعارضين
أعربت منظمات حقوقية دولية عن قلقها البالغ من اتساع رقعة التهميش القانوني، فقد نبهت اللجنة الدولية للحقوقيين إلى استمرار ملاحقة قضاة ومدعين عامين بتهم إرهاب “بدون أدلة”.
وانتقد مركز الحقوق الدستورية استمرار احتجاز معتقلين في غوانتانامو لعقود دون محاكمة، ودعا معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان إلى مراجعة التشريعات التي تسمح باستهداف الصحفيين والنشطاء.
وفي سياق متصل، استنكرت جمعية الأمم المتحدة الكوبية إدراج بلادها على قائمة الدول الراعية للإرهاب، مؤكدة أن هافانا كانت ضحية لهجمات إرهابية لعقود.
تعريف دولي للإرهاب
في ختام الجلسة، شدد المقرر الخاص على أن أي تعريف دولي للإرهاب يجب أن يوازن بين حماية المجتمعات من العنف وصون الحقوق الأساسية.
وأكد أن النقاشات تمثل خطوة أساسية نحو بناء توافق دولي يمنع تحول تدابير مكافحة الإرهاب إلى أدوات للانتهاك، مع ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتعزيز التعاون الدولي.
