أنهى المرشحون الأربعة المعلنون لمنصب الأمين العام المقبل للأمم المتحدة جولاتهم في جلسات الاستماع العلنية بنيويورك، في اختبار سياسي ودبلوماسي نادر أتاح للدول الأعضاء وممثلي المجتمع المدني مساءلتهم مباشرة قبل بدء المداولات الفعلية لاختيار خلف لأنطونيو غوتيريش الذي تنتهي ولايته الثانية في 31 ديسمبر 2026.
وشملت الجلسات التي عقدت يومي 21 و22 أبريل أربع مقابلات علنية مدة كل منها ثلاث ساعات، ضمن آلية “الحوارات التفاعلية” التي اعتمدتها الأمم المتحدة منذ 2016 لزيادة الشفافية في هذا الاستحقاق، بحسب ما ذكرت وكالة “فرانس برس”.
الرسالة العامة التي خرج بها المرشحون كانت متقاربة: الدعوة إلى إحياء دور الأمم المتحدة في صنع السلام، واستعادة الثقة بقدرتها على إدارة الأزمات، والدفع نحو إصلاحات مؤسسية أوسع.
لكن هذا الخطاب جاء، في معظمه، منضبطاً ومحسوباً بعناية، من دون اندفاع إلى مواقف حادة في الملفات الدولية الأكثر تفجيراً للخلافات، وهو ما يفسره مراقبون بحساسية المرحلة؛ لأن الحسم النهائي لن يتم في العلن، بل عبر توازنات مجلس الأمن والدول الخمس الدائمة العضوية.
وتقول وكالة رويترز إن المرشحين قدموا أنفسهم بوصفهم دعاة إصلاح وتعددية وعودة إلى المبادئ الأساسية للمنظمة في لحظة تتراجع فيها مكانة الأمم المتحدة عالمياً.
أربعة أسماء
المتنافسون الأربعة المعلنون حتى الآن هم ميشيل باشيليت من تشيلي، ورافائيل جروسي من الأرجنتين، وريبيكا جرينسبان من كوستاريكا، وماكي سال من السنغال.
وتبدأ الولاية الجديدة في 1 يناير 2027 لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
ووفق التقاليد غير المكتوبة داخل المنظمة، يُنظر إلى أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي بوصفمها صاحبتي الدور الإقليمي المقبل، كما أن عدم تولي أي امرأة المنصب منذ تأسيس الأمم المتحدة قبل 80 عاماً يضيف بعداً رمزياً قوياً إلى ترشيح باشيليت وجرينسبان.
رسائل المرشحين
خلال الجلسات، شدد المرشحون الأربعة على أن المنظمة تحتاج إلى قيادة أكثر حضوراً ميدانياً وأكثر قدرة على المبادرة.
رويترز نقلت أن جروسي ركز على الإصلاح العملي والفعالية، في حين قدمت جرينسبان نفسها باعتبارها صاحبة نهج إصلاحي يربط بين التعددية والمرونة السياسية، في حين دعت باشيليت إلى قيادة لا تكتفي بالتعبير عن القلق بل تكون موجودة حيث تتطلب الأزمات ذلك، أما ماكي سال فطرح فكرة دور جديد للأمم المتحدة يساعدها على استعادة ثقلها في النظام الدولي.
هذا التقاطع في الخطاب يعكس إدراكاً مشتركاً بأن المنظمة تمر بأزمة ثقة وفعالية وتمويل في آن واحد، ورغم أن الجلسات تناولت ملفات كبرى مرتبطة بالحرب والسلم، فإن تناول الأزمات المشتعلة جاء بحذر ملحوظ.
فلم يندفع المرشحون إلى تبني مواقف حادة من نزاعات مثل غزة أو أوكرانيا أو غيرهما، بل فضّلوا، في الغالب، العودة إلى ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي والعمل المتعدد الأطراف.
هذا الحذر لا يبدو منفصلاً عن طبيعة السباق نفسه، إذ إن أي إجابة صدامية قد تُغضب دولة مؤثرة داخل مجلس الأمن أو تخلق عداوات مبكرة مع أطراف سيكون لها دور حاسم في تقرير اسم الفائز.
ثقل الكبار
ورغم هذا المشهد العلني، يبقى الواقع المؤسسي واضحاً: الجمعية العامة لا تملك انتخاب الأمين العام مباشرة من دون توصية من مجلس الأمن، ما يمنح الدول الخمس الدائمة العضوية -الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا- نفوذاً حاسماً عبر حق النقض.
ولهذا قال خبراء ودبلوماسيون إن جلسات الاستماع مفيدة من ناحية الشكل والرسائل، لكنها لا تلغي حقيقة أن القرار النهائي يظل في يد القوى الكبرى. موقع الأمم المتحدة نفسه يوضح أن المسار الرسمي يبدأ بالترشيحات والحوارات ثم ينتهي بقرار مجلس الأمن قبل رفع الاسم إلى الجمعية العامة.
هذه الحقيقة ظهرت بوضوح حتى قبل انتهاء الحوارات، مع بروز مؤشرات إلى ضغوط مبكرة على بعض الأسماء، فميشيل باشيليت تواجه اعتراضات من مشرعين جمهوريين في الولايات المتحدة بسبب مواقفها في ملفات حقوقية واجتماعية، في حين طُرح جروسي بوصفه مرشحاً قوياً بسبب علاقاته وخبرته في الملفات النووية والدبلوماسية الحساسة.
وفي المقابل، تحاول جرينسبان تقديم نفسها بوصفها مرشحة إصلاحية قادرة على الجمع بين التنمية والسلام، في حين يراهن سال على خبرته الرئاسية وخطابه الداعي إلى إعادة تعريف دور الأمم المتحدة.
شفافية محدودة
من حيث الشكل، تمثل الحوارات التفاعلية خطوة إلى الأمام مقارنة بالماضي؛ لأنها تمنح المرشحين مساحة علنية لعرض رؤاهم أمام العالم، وتسمح بمساءلتهم خارج الغرف المغلقة.
لكن من حيث الجوهر، لا يزال كثيرون يرون أنها شفافية محدودة السقف؛ لأن التوازنات الفعلية لا تُحسم أمام الكاميرات، ولهذا يصف بعض المراقبين هذه الجلسات بأنها فرصة مهمة لقياس الأسلوب والخطاب والقدرة على الإقناع، لكنها ليست بالضرورة الساحة التي يُحسم بها السباق.
وحتى الآن، لا توجد إشارات علنية من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن إلى المرشح الذي يميلون إليه، كما أن باب الترشح لم يُغلق نهائياً، ما يعني أن أسماءً أخرى قد تدخل السباق لاحقاً.
ولهذا، تبدو الحوارات التي جرت هذا الأسبوع بمنزلة جولة أولى في معركة طولى، نجح فيها المرشحون في إيصال خطاب عام يدعو إلى إنقاذ الأمم المتحدة من أزمتها، لكن من دون المجازفة بمواقف حاسمة قد تكلفهم دعم العواصم التي ستقرر في النهاية من سيجلس على المقعد الأرفع في المنظمة الدولية.
