يُجسد مخيم هيتسات للنازحين في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا صورة معقدة لأزمة إنسانية لم تنتهِ بانتهاء الحرب، إذ يؤوي أكثر من 15,500 نازح موزعين على نحو 4,525 أسرة، معظمهم فرّوا من مناطق غرب تيغراي نتيجة النزاع الذي انتهى رسمياً في نوفمبر 2022، لكنهم ما زالوا عاجزين عن العودة، في ظل استمرار التوترات وغياب ضمانات الاستقرار، ما حوّل المخيم من حل مؤقت إلى واقع طويل الأمد بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).
تعود جذور مخيم هيتسات إلى الحرب التي اندلعت في تيغراي عام 2020 بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وحلفائها من جهة، وقوات جبهة تحرير تيغراي من جهة أخرى، وهي حرب شهدت انتهاكات واسعة، خاصة في مناطق غرب الإقليم، حيث وثقت تقارير حقوقية دولية عمليات تهجير قسري وجرائم ترقى إلى التطهير العرقي، ما دفع مئات الآلاف إلى النزوح نحو مناطق داخلية أكثر أمناً، ومنها موقع المخيم، وفق هيومن رايتس ووتش.
مئات الآلاف بلا عودة
رغم توقيع اتفاق بريتوريا للسلام في 3 نوفمبر 2022، تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من 750 ألف نازح ما زالوا يعيشون في مخيمات داخل تيغراي، في ظل تعثر العودة بسبب استمرار النزاع على مناطق غرب الإقليم، ما يعكس فجوة واضحة بين الاتفاقات السياسية والواقع الميداني.
مجتمع مفكك وظروف قاسية
يضم مخيم هيتسات نازحين من أصول تيغراوية بشكل شبه كامل، وتشير البيانات الميدانية إلى أن نحو نصف الأسر لديها فرد واحد على الأقل غادر عبر طرق الهجرة غير النظامية، ما يعكس حجم التفكك الأسري الناتج عن الأوضاع الاقتصادية والإنسانية داخل المخيم.
تتسم الحياة داخل المخيم بظروف قاسية، حيث يعاني السكان من نقص حاد في الغذاء والخدمات الصحية، وقد تم تسجيل وفاة 335 شخصاً منذ عام 2022 نتيجة نقص الإمدادات الأساسية، ما يعكس هشاشة الوضع الإنساني واستمرار الاعتماد الكامل على المساعدات الخارجية.
تراجع الدعم الدولي
تعتمد مخيمات النازحين في تيغراي بشكل رئيسي على المساعدات الدولية، غير أن تقليص التمويل، خاصة من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID)) خلال عام 2025، جراء سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أدى إلى انخفاض حاد في الإمدادات الغذائية والخدمات، ما فاقم معاناة السكان ودفع بعضهم إلى البحث عن بدائل خارج المخيم.
الهجرة بوصفها خياراً قسرياً
في ظل غياب فرص العمل وغياب الأفق، تحوّل المخيم إلى نقطة انطلاق للهجرة غير النظامية، خاصة نحو ليبيا، حيث تشير تقارير منظمة الهجرة الدولية (IOM) إلى أن آلاف الشباب يغادرون سنوياً، وغالباً ما يتعرضون للاحتجاز والتعذيب والابتزاز من قبل عصابات الاتجار بالبشر، مع مطالب فدية قد تصل إلى 1.5 مليون بر إثيوبي، ما يزيد من معاناة الأسر المتبقية داخل المخيم.
انتهاكات خارج الحدود
تشير تقارير منظمة الهجرة الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن المهاجرين القادمين من القرن الإفريقي، ومنهم التيغرايون، يتعرضون لانتهاكات جسيمة في ليبيا، تشمل الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة، في ظل غياب الحماية القانونية، ما يجعل الهجرة امتداداً للأزمة الإنسانية وليس حلاً لها.
انهيار بعد الحرب وتحذيرات دولية
قبل النزاع، كان إقليم تيغراي من المناطق النشطة اقتصادياً في إثيوبيا، حيث أسهم بنحو 10 بالمئة من النمو الصناعي بحسب جمعية شباب تيغراي، إلا أن الحرب أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية وتعطيل الاقتصاد، وتشير دراسة حديثة إلى أن معدل البطالة بين الشباب بلغ 81 بالمئة عام 2023، في حين يفكر 40 بالمئة منهم في الهجرة بحثاً عن فرص فضلى.
رغم توقيع اتفاق السلام، لا تزال مناطق غرب تيغراي خارج سيطرة الإدارة الإقليمية بحسب الاتحاد الإفريقي، وهو ما يمنع عودة النازحين، ويجعل المخيمات مثل هيتسات جزءاً من أزمة مستمرة، في ظل غياب حلول سياسية شاملة تضمن الاستقرار وإعادة الإعمار.
ودعت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الغذاء العالمي إلى زيادة التمويل الإنساني، محذرين من تفاقم مستويات الجوع وسوء التغذية داخل مخيمات تيغراي، في ظل تراجع الدعم الدولي واستمرار الاحتياجات الأساسية.
يندرج وضع النازحين في إثيوبيا بحسب الأمم المتحدة ضمن القانون الدولي الإنساني الذي يضمن الحق في العودة الآمنة والحماية من التهجير القسري، إلا أن استمرار النزوح يشير إلى فجوة في تنفيذ هذه الالتزامات، خاصة في ظل استمرار النزاعات المحلية.
أزمات الأطفال في المخيم
داخل مخيم هيتسات، يدفع الأطفال الثمن الأثقل لأزمة لم يختاروها، إذ حُرم عدد كبير منهم من حقه في التعليم المنتظم في ظل محدودية البنية التحتية التعليمية داخل المخيم ونقص الكوادر والمواد الدراسية، ورغم غياب إحصاءات دقيقة محدثة، تشير تقديرات ميدانية إلى أن نسبة معتبرة من الأطفال في سن الدراسة خارج الفصول الدراسية أو يتلقون تعليماً غير منتظم، ما يهدد بفقدان جيل كامل لفرص التعلم، إلى جانب ذلك، يعاني كثير من الأطفال من صدمات نفسية مرتبطة بتجارب النزوح والعنف وفقدان أفراد من أسرهم، في ظل غياب الدعم النفسي الكافي، ما ينعكس على سلوكهم وقدرتهم على التعلم والتكيف، ويجعل مستقبلهم أكثر هشاشة بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF).
النساء.. أعباء مضاعفة ومخاطر مستمرة
وفق صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، تتحمل النساء داخل المخيم أدواراً تفوق طاقتهن، حيث تجد كثيرات أنفسهن المعيل الوحيد لأسرهن بعد فقدان الأزواج أو هجرتهم عبر طرق غير نظامية، وفي ظل غياب فرص العمل، تعتمد النساء بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية لتأمين الاحتياجات الأساسية، ما يضعهن في دائرة هشاشة اقتصادية مستمرة، كما يواجهن مخاطر متعددة، من بينها التعرض للعنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في بيئات مكتظة تفتقر إلى الخصوصية والحماية الكافية، فضلاً عن صعوبات الوصول إلى خدمات صحية ملائمة، خصوصاً في ما يتعلق بالصحة الإنجابية، ما يزيد من تعقيد أوضاعهن اليومية.
سياق جغرافي وسياسي
تقع مناطق غرب إقليم تيغراي على الحدود مع إقليم أمهرة والسودان، وتُعد من أكثر المناطق حساسية بسبب التداخل العرقي والتاريخي، إذ يطالب كل من التيغراي والأمهرة بأحقيته فيها، خلال الحرب التي اندلعت عام 2020، سيطرت قوات من إقليم أمهرة مدعومة بالقوات الفيدرالية الإثيوبية على أجزاء واسعة من هذه المناطق، وترافقت السيطرة مع اتهامات بعمليات تهجير قسري للسكان التيغراي، ما جعل مسألة العودة معقدة وحساسة سياسياً وأمنياً، وحتى اليوم، لا تزال هذه المناطق خارج سيطرة الإدارة الإقليمية لتيغراي، وهو ما يخلق حالة من انعدام الثقة لدى النازحين ويحول دون عودتهم، في ظل غياب ضمانات حقيقية للأمن وإعادة الممتلكات.
من نمو اقتصادي إلى أزمة إنسانية
شهد إقليم تيغراي قبل الحرب نمواً اقتصادياً ملحوظاً، خاصة في قطاعات الزراعة والصناعة، غير أن النزاع المسلح أدى إلى تدمير هذا التقدم، وتحول الإقليم إلى واحدة من أبرز بؤر الأزمات الإنسانية في القرن الإفريقي.
تعكس أوضاع مخيم هيتسات تعقيد الأزمة في تيغراي، حيث تتداخل العوامل السياسية والاقتصادية والإنسانية، وبين تراجع التمويل واستمرار النزوح وتصاعد الهجرة، تظل الحاجة قائمة إلى استجابة دولية أكثر تكاملاً لمعالجة جذور الأزمة وضمان عودة آمنة ومستدامة للنازحين.

