منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مخيمات تندوف.. نصف قرن من الانتهاكات والعزلة والإهمال الدولي

17 مارس 2026

عادت مخيمات تندوف إلى واجهة النقاش الحقوقي بعد بيان قدّمه تحالف منظمات غير حكومية صحراوية، في الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة حالياً في جنيف والتي تستمر حتى 31 مارس، حيث تحدث فيه عن حالة طفل قاصر قال إن اسمه مولود المحجوب، وإنه تعرض -وفق رواية التحالف- للاختطاف والتعذيب والاستعباد داخل المخيمات.

ورغم أنه لا يمكن التحقق بشكل مستقل من هذه الواقعة من المصادر الأممية المتاحة حتى الآن، فإن طرحها داخل المجلس أعاد تسليط الضوء على ملف أوسع يتعلق بأوضاع السكان الصحراويين في المخيمات، وطبيعة الحماية القانونية والإنسانية المتاحة لهم، وحجم الجدل المستمر بشأن الانتهاكات المبلغ عنها وآليات الرقابة والمساءلة.

وتشهد الدورة الحالية لمجلس حقوق الإنسان بالفعل مناقشات واسعة لملفات الحماية المدنية والحقوق الأساسية في مناطق النزاع والنزوح.

بيئة صحراوية قاسية

تقع مخيمات تندوف في الجنوب الغربي من الجزائر، قرب مدينة تندوف وفي بيئة صحراوية قاسية ضمن منطقة الحمادة، وهي من أكثر البيئات جفافاً وحرارةً وعزلةً، ويعيش الصحراويون هناك منذ عام 1975، في واحدة من أطول أزمات اللجوء الممتدة في العالم.

وذكرت خطة الاستجابة للاجئين الصحراويين 2024-2025، التي أعدتها الأمم المتحدة وشركاؤها في الجزائر، أن السكان يعيشون في خمسة مخيمات قرب تندوف منذ نحو 50 عاماً، وأن الظروف هناك تتسم بنقص الغذاء وسوء التغذية والبطالة والفقر وضعف السكن وتدهور البيئة والعواصف الرملية والفيضانات، بينما يعتمد السكان على المساعدات الدولية اعتماداً كبيراً.

كما أوضحت الخطة أن الاحتياجات الإنسانية لهذه الأزمة قُدرت بأكثر من 214 مليون دولار لعامي 2024 و2025.

من يعيش في تندوف؟

يعيش في مخيمات تندوف لاجئون صحراويون فروا من الصحراء الغربية خلال الحرب والنزاع الإقليمي، وذكرت خطة الاستجابة للاجئين الصحراويين أن الرقم المستخدم للتخطيط الإنساني هو 173,600 شخص يعيشون في المخيمات الخمسة، مع الإشارة إلى أن هذا الرقم يستند إلى دراسة بين الوكالات وإلى تقديرات تشارك فيها السلطات المضيفة.

لكن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أوضحت في تقرير نتائجها السنوي عن الجزائر لعام 2024 أنه، حتى 2024، لم تُجرَ عملية تسجيل رسمية شاملة للاجئين الصحراويين في المخيمات، لا من جانب المفوضية ولا من جانب الدولة المضيفة، وهو ما يفسر استمرار الجدل حول الأرقام الدقيقة.

وذكرت المفوضية على صفحتها الخاصة بالجزائر أن دعمها يشمل اللاجئين الصحراويين في المخيمات الخمسة قرب تندوف، المعترف بهم من الحكومة الجزائرية بصفة جماعية، والمخيمات هي: العيون، السمارة، أوسرد، الداخلة، وبوجدور، إضافة إلى مركز إداري في رابوني.

وذكرت وثائق أممية حديثة أن هذه المخيمات موزعة على مسافات واسعة في الصحراء قرب تندوف، وأن الوصول إلى بعضها صعب بسبب بعدها عن الموانئ ومراكز الإمداد؛ فميناء وهران، مثلاً، يبعد نحو ألفي كيلومتر، ما يرفع كلفة الإمداد ويزيد هشاشة الاستجابة الإنسانية، كما أشارت وثائق أممية إلى أن السكان يقيمون في مخيمات معزولة وسط مناخ قد تتجاوز حرارته 50 درجة مئوية صيفاً.

كيف يعيش السكان؟

تعتمد الحياة في مخيمات تندوف بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية، وذكرت المديرية العامة للمفوضية الأوروبية للحماية المدنية والمساعدات الإنسانية أن نحو 173 ألف لاجئ يعيشون في خمسة مخيمات معزولة قرب تندوف، وأن شح الموارد الطبيعية وصعوبة سبل العيش يجعل المساعدات أساسية لبقائهم.

وأضافت أن الوصول إلى الأدوية والتعليم والغذاء والمياه النظيفة لا يزال غير كافٍ، وأن الاتحاد الأوروبي خصص في 2025 نحو 9 ملايين يورو للمساعدة الإنسانية هناك.

وذكرت أن الاتحاد الأوروبي يمول توزيع الغذاء عبر برنامج الأغذية العالمي، وأن الحصص الغذائية تهدف إلى تأمين 2100 سعرة حرارية يومياً، وتشمل الحبوب والبقول والزيت والسكر ومواد أخرى، مع دعم إضافي للحوامل والمرضعات.

وأشارت أيضاً إلى أن 75% من المخيمات باتت مشمولة بشبكة مياه، فيما تستمر المناطق الأبعد في الاعتماد على نقل المياه بالشاحنات، وأن المساعدات الأوروبية تغطي نحو 75% من الأدوية الأساسية اللازمة للسكان.

التعليم في المخيمات

وفي التعليم، ذكرت اليونيسف في صفحتها الخاصة بالاستجابة الإنسانية للأطفال الصحراويين أن 40,050 طفلاً بين 3 و16 عاماً كانوا مسجلين في 89 مدرسة ومركز رعاية داخل المخيمات خلال 2023، بينهم أكثر من 5,000 طفل في التعليم ما قبل المدرسي و320 طفلاً من ذوي الإعاقة في مراكز متخصصة.

وأضافت أن هناك 7,000 مراهق يدرسون كطلاب داخليين في مدارس ثانوية وجامعية خارج المخيمات تتكفل بها الحكومة الجزائرية.

وفي تقريرها السنوي لعام 2024، ذكرت اليونيسف أن عدد الأطفال المسجلين في النظام التعليمي الذي يقوده اللاجئون أنفسهم خلال العام الدراسي 2024-2025 بلغ 36,115 طفلاً.

وتوضح هذه الأرقام أن التعليم قائم بالفعل، لكنه يظل مرتبطاً بالدعم الخارجي وبالهياكل المجتمعية المحلية أكثر من كونه نظاماً مستقراً ومكتفياً ذاتياً.

أزمة غذاء مزمنة

الأزمة في المخيمات ليست فقط أزمة بقاء يومي، بل أيضاً أزمة غذائية وصحية متراكمة، وذكرت خطة الاستجابة للاجئين الصحراويين أن انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية من أخطر التحديات، وأن قطاع الأمن الغذائي وحده يستحوذ على أكثر من 32% من إجمالي التمويل المطلوب، مع تركيز خاص على الأطفال دون الخامسة والحوامل والمرضعات.

وذكر برنامج الأغذية العالمي على صفحته الخاصة بالجزائر أن سوء التغذية الحاد يؤثر في نحو 11% من الأطفال بين 6 أشهر و59 شهراً، وأن فقر الدم يصيب أكثر من نصف الأطفال في هذه الفئة العمرية وأكثر من نصف النساء في سن الإنجاب.

وأشار البرنامج أيضاً إلى أنه وزع في 2024 ما يقرب من 19 ألف طن متري من الغذاء، ووصل إلى 8,600 امرأة حامل ومرضعة بتحويلات نقدية شهرية لتحسين التنوع الغذائي وتقليل خطر فقر الدم.

كما نبهت تقارير اليونيسف إلى هشاشة الوضع الصحي داخل المخيمات، ففي 2024، أشارت تقارير إقليمية لليونيسف إلى ظهور تفشٍ للحصبة في المخيمات، ما أبرز الحاجة إلى تقوية النظام الصحي والاستجابة للأوبئة.

وفي ديسمبر 2024، أعلنت اليونيسف شراكة مع الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي لدعم برنامج التلقيح في المخيمات، وذكرت أن هذه الخطوة جاءت بعد تأكد أولى حالات الحصبة في مارس 2024 ووسط ارتفاع بنسبة 53% في ميزانية التطعيم مع تحديث البرنامج الوطني للقاحات.

انتهاكات داخل المخيمات

على المستوى الحقوقي، يظل الملف الأكثر حساسية هو الاتهامات المتعلقة بالاحتجاز التعسفي، والتعذيب، وقيود الحركة، وغياب الرقابة المستقلة.

وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها المرجعي عن مخيمات تندوف أن مسؤولية حماية الحقوق هناك تقع على عاتق طرفين؛ الجزائر بصفتها السلطة القانونية على الإقليم، وجبهة البوليساريو بصفتها السلطة الفعلية داخل المخيمات.

وأضافت المنظمة أنها وثّقت في السابق روايات عن انتهاكات، من بينها حالات تعذيب مزعومة، وأشارت إلى أن بعض أشكال العبودية استمرت في المخيمات في حالات وصفتها بأنها معزولة، غالباً ضد صحراويين ذوي بشرة داكنة، رغم وجود قانون يجرّم هذه الممارسات.

كما شددت المنظمة الحقوقية على الحاجة إلى رقابة حقوقية منتظمة ومستقلة في المخيمات، لأن الرقابة الأممية الحقوقية الدائمة غير متوافرة هناك.

فيما دعت منظمة العفو الدولية منذ سنوات إلى إدراج مكوّن مستقل لرصد حقوق الإنسان في ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، مؤكدة أن مثل هذه الرقابة يجب أن تشمل أيضاً مخيمات تندوف بسبب استمرار ورود مزاعم عن انتهاكات في الجانبين.

ولا توجد حتى الآن آلية أممية دائمة ومخصصة للرصد الحقوقي داخل المخيمات، وهو ما يجعل كثيراً من القضايا التي تطرحها منظمات المجتمع المدني محل تجاذب سياسي وإعلامي، ويصعب أحياناً التحقق منها بصورة مستقلة وسريعة.

بين الإنسانية والسياسة

القضية في تندوف ليست إنسانية فقط، بل سياسية أيضاً، فالمخيمات ترتبط بنزاع الصحراء الغربية المستمر منذ عقود، ولهذا كثيراً ما تصبح المعلومات المتعلقة بالحقوق والانتهاكات موضع استقطاب بين روايات متعارضة.

وتتفق المصادر الأممية والإنسانية على حقائق أساسية، وهي أن هناك سكاناً لاجئين يعيشون في عزلة صحراوية قاسية منذ قرابة 50 عاماً، يعتمدون إلى حد كبير على المساعدات الخارجية، ويواجهون نقصاً في الغذاء والماء والخدمات الصحية وفرص العيش.

ومع ذلك، لا يوجد تسجيل رسمي شامل يحسم الجدل العددي، ولا آلية أممية حقوقية مستقلة ودائمة تتابع ما يرد من ادعاءات بانتهاكات داخل المخيمات.