يضع التوجه الألماني نحو وقف تمويل الاستشارات المستقلة لطالبي اللجوء ملف الهجرة واللجوء أمام اختبار عملي جديد.. هل تُدار الإجراءات بسرعة أكبر حين تُقلَّص الخدمات المساندة، أم أن تقليصها سيزيد الارتباك ويطيل المسارات القانونية ويضاعف هشاشة الفئات الأضعف؟
الجدل انفجر بعد تأكيد منظمات كبرى، بينها ديكوني وكاريتاس، أن وزارة الداخلية الاتحادية أبلغتها بأنها لا تعتزم الاستمرار في تمويل هذه الخدمة ابتداءً من 2027، رغم أن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF) كان قد أعلن رسميًا أن التمويل متاح خلال 2026 وأن البرنامج قائم على أساس قانوني في المادة 12a من قانون اللجوء.
وتكمن حساسية الملف في أن هذه الاستشارات لا تقدم معلومات إجرائية فقط، بل تساعد طالبي اللجوء على فهم حقوقهم وواجباتهم والاستعداد لجلسات الاستماع والوصول إلى الدعم النفسي والاجتماعي، خصوصًا في القضايا المعقدة مثل الصدمات النفسية أو الاضطهاد بسبب التوجه الجنسي أو العنف خلال رحلة الفرار.
ما الذي تريد الحكومة وقفه؟
يقوم البرنامج الذي يدور حوله الخلاف على تمويل اتحادي لخدمة استشارية “مستقلة عن السلطات، ومفتوحة النتائج، ومجانية، وفردية، وطوعية”، تنفذها منظمات الرعاية الحرة وجهات مدنية أخرى، بينما يتولى المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF) دور الجهة المانحة والمشرفة إداريًا على برنامج التمويل.
ووفق الصفحة الرسمية للمكتب الاتحادي، فإن هذه الاستشارة تهدف إلى مرافقة طالب اللجوء منذ ما قبل جلسة الاستماع، وعند الحاجة حتى الإغلاق النهائي لملفه، عبر مقابلات سرية فردية تساعده على فهم الإجراء القانوني المعقد.
لكن ديكوني ألمانيا وكاريتاس قالتا في منتصف مارس 2026 إن وزارة الداخلية أبلغتهما نيتها وقف التمويل ابتداءً من 2027، مع حذف بند قيمته نحو 25 مليون يورو من مشروع الموازنة.
وحتى الآن، لم تؤكد الوزارة ذلك علنًا بشكل نهائي، واكتفت، بحسب التغطيات الصحفية، بالإحالة إلى مفاوضات الموازنة المقبلة.
من سيتضرر فعليًا؟
تكشف الأرقام المتاحة أن الضرر لن يكون محدودًا أو نظريًا، فبحسب ديكوني، جرى خلال عامين فقط بناء شبكة وطنية للاستشارات المستقلة في نحو 225 موقعًا داخل ألمانيا، وتمكنت هذه الخدمة في 2024 من الوصول إلى أكثر من ربع جميع طالبي اللجوء.
وتضيف المنظمة أن لديها وحدها أكثر من 50 مركزًا للاستشارة في أنحاء البلاد، تقدّم سنويًا المشورة لأكثر من 20 ألف شخص، وفي أوغسبورغ وحدها، قالت ديكوني أوغسبورغ إنها رافقت نحو 900 طالب لجوء خلال العام الماضي.
وفي المقابل، لا يبدو أن هناك حتى الآن رقمًا رسميًا اتحاديًا منشورًا وشاملًا يبين إجمالي عدد المستفيدين من البرنامج على المستوى الوطني؛ إذ تشير قاعدة بيانات AIDA الخاصة بأوروبا إلى أن معلومات عدد جلسات المشورة ومدى التغطية لم تكن متاحة رسميًا لعامي 2023 و2024 حتى مارس 2025، وهذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون أوسع من الأرقام الجزئية المتاحة حاليًا.
لماذا يبدو القرار حساسًا الآن؟
يتزامن هذا الجدل مع مرحلة تشهد فيها ألمانيا انخفاضًا واضحًا في أعداد الطلبات الجديدة، لكن استمرار حجم كبير من القضايا قيد النظر، وتراجعًا لافتًا في معدلات الحماية لبعض الجنسيات.
وبحسب المكتب الاتحادي، استقبلت ألمانيا في 2025 نحو 113,236 طلب لجوء أوليًا، و55,307 طلبات لاحقة، ليصل المجموع إلى 168,543 طلبًا، بينما بلغ عدد الملفات التي بُتّ فيها خلال العام 310,930، وبقيت 101,606 قضية معلقة مع نهاية ديسمبر 2025.
وجاءت أفغانستان وسوريا وتركيا في صدارة الجنسيات من حيث الطلبات الأولية، وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات المكتب الاتحادي أن الحصة الإجمالية للحماية في القرارات الصادرة عام 2025 بلغت 28.1% فقط، مع فروق حادة بين الجنسيات: 67.2% للأفغان، و8.1% للأتراك، و2.1% للسوريين في القرارات الصادرة خلال ذلك العام.
ويجعل هذا الانخفاض الكبير الحاجة إلى المشورة القانونية والإجرائية أكثر، لا أقل، لأن القرار بالنسبة لطالب اللجوء بات أعقد وأقل قابلية للتوقع من السابق.
غياب الاستشارة لطالب اللجوء
يُترجم غياب هذه الخدمة عمليًا إلى خسارة أول نقطة شرح ومرافقة لكثير من طالبي الحماية، خاصة من يصلون إلى ألمانيا وهم لا يعرفون اللغة أو النظام القانوني أو الفروق بين اللجوء والحماية الفرعية وإجراءات دبلن والطعن والالتزامات الشكلية.
وتقول ديكوني إن الاستشارة المهنية تساعد طالبي اللجوء على التعاون بصورة أفضل داخل الإجراء، وعلى توضيح فرص البقاء أو العودة في وقت أبكر، ما يجعل القرارات أسرع وأكثر أمانًا من الناحية القانونية.
وبحسب بيانات محلية من أوغسبورغ، فإن المستفيدين لا يحصلون فقط على شرح للحقوق والواجبات، بل أيضًا على إحالات إلى العلاج النفسي، ودورات الاندماج، وخدمات متخصصة تتعلق بالصدمات أو العنف أو الميول الجنسية.
وهذا يعني أن وقف التمويل لن يضرب “استشارة ورقية” فحسب، بل سيقطع خيطًا يربط بين الإجراء القانوني والاحتياجات الاجتماعية والنفسية اليومية للاجئ.
لماذا تعترض المنظمات؟
تحذّر منظمات الرعاية واللاجئين من أن إلغاء التمويل سيتعارض مع الهدف الذي تعلنه الحكومة نفسها بشأن “تنظيم الهجرة” وتسريع الإجراءات، فرئيس ديكوني ألمانيا قال إن إلغاء الاستشارات سيكون “خطأً جسيمًا” لأن الإجراءات من دون مشورة مستقلة ستصبح أطول بدل أن تصبح أقصر.
كما حذّرت كاريتاس من إنهاء خدمة تعتبرها أساسية لحماية طالبي اللجوء، بينما وصفت تغطيات صحفية ألمانية القرار بأنه يهدد عشرات الوظائف المتخصصة ويزيد عدم اليقين القانوني لطالبي الحماية.
ويستند هذا الاعتراض أيضًا إلى خلفية قديمة، فقبل 2023 كان المكتب الاتحادي نفسه يقدم الاستشارات، وهو ما أثار انتقادات تتعلق بتضارب محتمل في المصالح، لأن الجهة التي تشرح الإجراء هي نفسها الجهة التي تصدر القرار.
ومن هنا جاء إدخال التمويل المستقل في عهد ائتلاف “إشارة المرور”، قبل أن تحاول الحكومة الحالية، بحسب المنتقدين، التراجع عنه.
تحول في سياسة اللجوء
يعكس النزاع حول التمويل تحولًا أوسع في سياسة اللجوء الألمانية، أعداد أقل من الطلبات الجديدة، وضغوط سياسية أكبر لتقليص التكاليف، وميلٌ متزايد إلى التشدد في البتّ في ملفات جنسيات رئيسية مثل السوريين والأفغان.
وفي هذا السياق، تبدو الاستشارات المستقلة بالنسبة لكثير من المنظمات صمام أمان قانونيًا وإنسانيًا، لا رفاهية إدارية يمكن شطبها من الموازنة، فالبرنامج يصل إلى فئات شديدة الهشاشة، ويعمل في بلد لا يزال يستقبل عشرات آلاف طالبي اللجوء سنويًا، حتى بعد الانخفاض الكبير في الأرقام.
وإذا مضت الحكومة فعلًا في وقف التمويل من 2027، فسيعني ذلك، في الحد الأدنى، تقليص شبكة واسعة بُنيت في غضون عامين، وحرمان عشرات الآلاف من خدمة تقول الدولة نفسها في وصفها الرسمي إنها ضرورية لأن طالب اللجوء “يواجه تحديات خاصة” داخل الإجراء.

