تدفع الطفولة مرة أخرى الثمن الأكبر في الحروب التي تتسع رقعتها في الشرق الأوسط، حيث لا تتوقف الخسائر عند أعداد القتلى والجرحى، بل تمتد إلى اقتلاع الأطفال من بيوتهم، وحرمانهم من مدارسهم، وتعريضهم للجوع والخوف والصدمات النفسية.
وبينما يفترض أن يكون الطفل محميًا بموجب القانون الدولي الإنساني في كل الأوقات، تكشف الأرقام الحديثة أن المدنيين الصغار ما زالوا في قلب الاستهداف المباشر وغير المباشر، وأن المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء لم تعد بمنأى عن تبعات العنف.
وحذّرت منظمات دولية من خطورة الحرب على الأطفال في الشرق الأوسط، معتبرة أنها الفئة الأكثر هشاشة في المجتمعات والتي تدفع ثمناً لصراعات لم تكن سبباً في اندلاعها.
وكشفت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عن تسبب الحرب في نزوح مئات الآلاف من الأطفال في الشرق الأوسط نتيجة الحرب، بينهم أكثر من 300 ألف طفل في لبنان وحده.
كما حذرت اليونيسف من أن استمرار التصعيد لا يهدد حياة آلاف الأطفال فقط، بل يهدد أيضًا حقهم في الأمان والتعليم والصحة والعيش بكرامة، في وقت تعجز فيه الاستجابة الإنسانية عن مواكبة حجم الاحتياجات المتزايدة.
صدمة للأسر والمجتمعات
وكشف نائب المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، تيد شايبان، أن أكثر من 2100 طفل قُتلوا أو أُصيبوا خلال 23 يومًا فقط من التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في حصيلة وصفها بأنها مرشحة للارتفاع مع استمرار الحرب واتساع رقعتها.
وأوضح المسؤول الأممي أن هذه الخسائر تشمل 118 طفلًا قتلوا في لبنان و4 أطفال في إسرائيل و206 أطفال في إيران وطفلًا واحدًا في الكويت، مشيرًا إلى أن المتوسط اليومي بلغ نحو 87 طفلًا بين قتيل وجريح منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026.
وأضاف أن ما يجري لا يمثل مجرد أرقام جامدة، بل صدمة تمس أسرًا ومدارس ومجتمعات كاملة، محذرًا من أن أي انزلاق إلى حرب أوسع أو أطول أمدًا سيكون “كارثيًا” على ملايين الأطفال الآخرين في المنطقة.
كما شدد على أن القانون الدولي الإنساني واضح في هذا الشأن: الأطفال ليسوا أهدافًا، والمدارس ليست أهدافًا، والمستشفيات ليست أهدافًا.
نزوح وتعطيل للخدمات
وحذّرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من أن الخطر لا يقف عند حدود القتلى والجرحى، بل يمتد إلى نزوح واسع وتعطيل عميق للخدمات الأساسية التي يعتمد عليها الأطفال من أجل البقاء والتعلم والحماية.
كما أشارت اليونيسف إلى أن 44.8 مليون طفل كانوا يعيشون أصلًا في أوضاع متأثرة بالنزاع في الشرق الأوسط حتى قبل هذا التصعيد الأخير، ما يعني أن الحرب الحالية لا تبدأ من فراغ، بل تضرب أصلًا بيئة مثقلة بالحروب والأزمات والحرمان.
وربطت المنظمة الأممية بين الخسائر البشرية المباشرة وبين تدمير أو تعطيل البنية المدنية، من منازل ومدارس ومستشفيات وشبكات مياه، معتبرًا أن هذا التداخل يضاعف هشاشة الأطفال ويهدد بتحويل الصدمة الآنية إلى أزمة طويلة الأمد في الصحة والتعليم والصحة النفسية والتغذية.
الوجه اليومي للمأساة
يبرز لبنان بوصفه أحد أكثر الأمثلة قسوة على أثر الحرب على الأطفال في المدى القصير، فبحسب اليونيسف قُتل 118 طفلًا وأُصيب 372 آخرون منذ بدء التصعيد، وهي حصيلة وصفها بأنها تعادل “فصلًا دراسيًا كاملًا” من الأطفال بين قتيل وجريح كل يوم.
وكان المسؤول الأممي شايبان قد قال قبل أيام، خلال زيارة إلى بيروت، إن الحرب في لبنان تترك الأطفال بلا بيت ولا مدرسة ولا أي إحساس بالحياة الطبيعية، بينما يواجه كثير منهم نزوحًا متكررًا للمرة الثانية أو الثالثة خلال أقل من عامين.
وأوضح أن أكثر من مليون شخص نزحوا في لبنان، بينهم نحو 370 ألف طفل، في وقت لجأت فيه عائلات كثيرة إلى مبانٍ عامة ومدارس تحولت إلى مراكز إيواء مؤقتة.
التعليم في لبنان
يكشف الضغط على التعليم في لبنان حجم الخسارة غير المرئية التي تصنعها الحرب يومًا بعد يوم، فوفق إحاطة اليونيسف، تُستخدم أكثر من 350 مدرسة حكومية كملاجئ، ما عطّل تعليم نحو 100 ألف طالب.
ويعني ذلك أن الطفل اللبناني لا يواجه فقط احتمال الموت أو الإصابة، بل أيضًا انقطاعًا جديدًا عن التعليم بعد سنوات من الاضطراب سببتها الأزمة الاقتصادية وانفجار مرفأ بيروت وجائحة كورونا والحرب السابقة.
ولا تقدم المدارس في لبنان التعليم فقط، بل تمنح الأطفال الإحساس بالاستقرار والحماية والاستمرارية، وعندما تُغلق أو تتحول إلى مراكز إيواء، يضيع هذا الدور بالكامل.
ويمتد الأثر إلى الخدمات العامة الأخرى، إذ أشار المسؤول الأممي إلى تضرر شبكات المياه ووقوع خسائر في صفوف العاملين الصحيين، بينما تعيش العائلات في ملاجئ مكتظة تفتقر أحيانًا إلى الكهرباء والمياه والحمامات الكافية.
دعوة لتحرك دولي
يربط هذا المشهد بين اتساع الحرب وهشاشة البنى المدنية في الإقليم كله، إذ تؤكد اليونيسف أن أنظمة الصحة التي كانت تعاني أصلًا من الضغط “بدأت تنهار تحت العبء”، بينما تعطلت سلاسل التوريد وتضررت الخدمات الأساسية في أكثر من بلد.
وتوضح المنظمة أن استمرار هذا المسار سيضاعف ليس فقط عدد الأطفال الضحايا، بل أيضًا عدد الأطفال المهددين بأزمات ثانوية، مثل سوء التغذية، وانتشار الأمراض، والصدمات النفسية، والتسرب من التعليم.
وفي ظل تطورات الأوضاع بات المجتمع الدولي مطالبا بالتحرك بصورة عاجلة، ليس فقط لتمويل الاستجابة الإنسانية، بل أيضًا لفرض أولوية واضحة تتمثل في وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات بسرعة وأمان.
ويتزايد حجم الاحتياجات بوتيرة أسرع من الموارد المتاحة، رغم وصول اليونيسف إلى 151 ألف نازح داخلي في أكثر من 250 مركز إيواء ومناطق يصعب الوصول إليها في لبنان، وتقديم دعم في المياه والصرف الصحي في 188 مركزًا يستفيد منه نحو 46 ألف شخص، إضافة إلى مواد تعليمية لأكثر من 13 ألف طفل وإجراء جراحات منقذة للحياة لـ14 طفلًا مصابًا.
رسالة سياسية وإنسانية
ينتهي التقييم الأممي إلى رسالة سياسية وإنسانية واضحة، وهي أن كل يوم إضافي من الحرب يعني مزيدًا من الأطفال القتلى والجرحى والنازحين، ومزيدًا من التآكل في المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والحماية الاجتماعية.
كما أن الاستجابة الحالية، رغم أهميتها، لا تواكب حجم الاحتياج المتصاعد، وأن أي تأخير في وقف القتال أو زيادة التمويل سيجعل الفجوة أكبر بين ما يحتاج إليه الأطفال وما يصل إليهم فعليًا.
ولا يبدو التحذير الأممي مجرد دعوة إنسانية عامة، بل إنذارًا مبكرًا من أن المنطقة تتجه إلى جيل جديد من الأطفال الذين ستصوغ الحرب حاضرهم ومستقبلهم معًا إذا لم تتوفر حماية فعلية للمدنيين والبنية الأساسية التي تقوم عليها حياتهم.

