بقلم: فيكتور ديفيس هانسون
طالما كانت الولايات المتحدة وجهة للمهاجرين الطامحين، الذين جاؤوا من مختلف أنحاء العالم بحثاً عن فرصة، وأسهموا في بناء واحدة من أقوى الاقتصادات في التاريخ. ففي وادي السيليكون، كان للمهاجرين الشرعيين دور محوري في تأسيس شركات عملاقة مثل eBay وGoogle وNvidia وSpaceX وTesla، وغيرها من الأسماء التي أعادت تشكيل العالم الحديث.
هذه الصورة لم تكن استثناءً، بل كانت تعبيراً عن رؤية أمريكية تقليدية للهجرة، تجسدت في أعمال فنية مثل فيلم “America America” الصادر عام 1963، الذي يروي رحلة شاقة لمهاجر يسعى للوصول إلى الولايات المتحدة. كان المهاجر، وفق هذه الرؤية، يخاطر بكل شيء من أجل الوصول، ثم يتحول إلى مواطن شديد الولاء، ممتن للفرصة التي أُتيحت له.
نشأتُ في ريف كاليفورنيا، وسط عائلات مهاجرة من أرمينيا والهند واليابان والمكسيك، حيث كانت أخلاقيات العمل والانتماء لأمريكا نموذجاً يُحتذى. وحتى على المستوى الشخصي، ظل جده السويدي، رغم ارتباطه بوطنه الأصلي، يرى في أمريكا وطنه الأهم. وقد شارك أفراد من عائلته في حروب عالمية دفاعاً عنها، مؤمنين بأن الهجرة إليها كانت نعمة تستحق التضحية.
لكن يبدو أن شيئاً ما قد اختلّ بشكل خطِر في ملف الهجرة، ليس فقط بسبب الحدود المفتوحة، بل أيضاً نتيجة تغيّرات في طبيعة الهجرة القانونية وحتى في برامج الطلاب الزائرين.
ففي وقت تخوض فيه الولايات المتحدة حرباً مع إيران، يهتف بعض المهاجرين والزوار والطلاب الأجانب بشعارات معادية لأمريكا، ويشجّعون خصومها.
وفي الجامعات، نظّم آلاف الطلاب الدوليين من الشرق الأوسط احتجاجات، اتسم بعضها بالعنف، ولم يترددوا في التعبير عن تأييدهم هجمات حماس ضد مدنيين إسرائيليين. ولم يقتصر الأمر على إدانة إسرائيل، بل وصل في كثير من الأحيان إلى مضايقة الأمريكيين اليهود.
كراهية أم حب لـ”الشيطان الأكبر”؟
خذ مثال الدكتورة فاطمة أردشير-لاريجاني، ابنة علي لاريجاني، أحد المقربين من المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي. لقد أرسلها والدها إلى أفضل الجامعات في “الولايات المتحدة الشيطانية”، حتى حصلت في النهاية على وظيفة أستاذة في جامعة إيموري.
وبينما تصفنا بعض الأنظمة بـ”الشيطان الأكبر”، يبدو أن قادتها يفضّلون أن يتلقى أبناؤهم التعليم ويحققوا الثراء في أمريكا.
أما عمدة نيويورك، زهران ممداني، وهو مواطن متجنس من أوغندا، فقد أصبح والداه من الشخصيات العامة وأصحاب الملايين في أمريكا، ومع ذلك لم يكن له الكثير من المواقف الإيجابية تجاه بلده الجديد.
كما أن زوجته، راما دوجاجي، التي ينحدر والداها من أصول سورية وحصلا على الجنسية، قامت برسم كتاب يحمل مضامين معادية لليهود. وبعد أحداث 7 أكتوبر، أبدت إعجابها بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تمجّد عناصر حماس.
مفارقات الترحيل
تبدو مواقف بعض الزوار والمهاجرين غير الشرعيين أكثر غرابة عندما يواجهون الترحيل، فقد أصبح كيلمار أبريغو غارسيا رمزاً لدى اليسار عندما واجه قرار ترحيله، رغم تجاهله أوامر سابقة بالمغادرة، واتهامه بالانتماء إلى عصابة، وممارسة العنف الأسري، والاتجار بالبشر. ومع ذلك، حصل على دعم قانوني مجاني كبير، مكّنه من البقاء في بلد أظهر تجاهه ازدراءً واضحاً.
مواطنون جدد يرتكبون جرائم
ولا تقتصر الأزمة على المهاجرين الجدد، بل تمتد إلى بعض الحاصلين على الجنسية. ففي الأسابيع الأخيرة فقط: وفي 1 مارس، أطلق ندياغا دياني، وهو مواطن متجنس من السنغال، النار داخل حديقة بيرة في أوستن بولاية تكساس. ووفي 7 مارس، ألقى أمير بلات وإبراهيم كايومي، وهما ابنا مواطنين متجنسين، عبوات ناسفة بدائية باتجاه احتجاج محافظ خارج “غرايسي مانشن”، وفي 12 مارس، قتل محمد بيلور جالو، المتجنس من سيراليون، مدرباً في جامعة “أولد دومينيون” وفي اليوم نفسه، قاد أيمن محمد غزالي، وهو مواطن متجنس من أصل لبناني، سيارة مزوّدة بألعاب نارية متفجرة نحو معبد يهودي في ميشيغان.
وليست كل الحوادث متعمدة. فقد مُنحت آلاف رخص القيادة لمهاجرين غير شرعيين ومقيمين قانونيين، بينهم من لا يجيدون الإنجليزية أو لا يمتلكون مهارات القيادة، ما يثير تساؤلات حول الحوادث المرورية المروعة التي وقعت أخيراً.
كيف وصلت الأمور إلى هنا؟
في منتصف ستينات القرن الماضي، تم التخلي عن نظام الهجرة القائم على الكفاءة، واستُبدل بنظام يعتمد أساساً على الروابط العائلية والحاجة إلى العمالة منخفضة الكلفة. ومنذ ذلك الحين، بدأ الحزب الديمقراطي في الترحيب بالمهاجرين، سواء كانوا قانونيين أو غير قانونيين، وحتى أولئك الذين يعبرون الحدود أو يأتون للدراسة.
اختفى نموذج “بوتقة الانصهار”، ليحل محله نموذج “وعاء السلطة”. وأصبحت الهجرة، في نظر اليسار، وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية وسياسية لم تتحقق سابقاً.
فرانكشتاين ونتاجه
لماذا يعتقد بعض المجرمين أنهم قادرون على دخول الولايات المتحدة بشكل غير قانوني والإفلات من العقاب؟
هل لأنهم يرون دولة تفتح حدودها، ولا تطبق تدقيقاً كافياً، وتُضعف قوانينها، وتحوّل النظام القضائي إلى أداة تجعل المجرم ضحية؟
ولماذا يُحرق العلم الأمريكي أحياناً في حين تُرفع أعلام دول أخرى؟ هل لأن ذلك يُفسَّر على أنه “احتفاء بالتنوع”؟
وفي ظل الحرب مع إيران، لماذا يشعر بعض المواطنين المتجنسين بالحرية في ارتكاب أعمال عنف داخل الولايات المتحدة؟
من صنع هذا الواقع؟ نحن من صنعه.
نقلاً عن نيويورك بوست
