منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لا تنسوا أبداً الخامس من يونيو.. اليوم الذي حطّمت فيه النخب ثقة الأمريكيين

05 يونيو 2026
تجمع حشد كبير من المتظاهرين من حركة "حياة السود مهمة" في بروكلين في 5 يونيو 2020، خلال ذروة جائحة كوفيد-19
تجمع حشد كبير من المتظاهرين من حركة "حياة السود مهمة" في بروكلين في 5 يونيو 2020، خلال ذروة جائحة كوفيد-19

كارول ماركوفيتش

على مدار السنوات الست الماضية، اعتدنا أن نستعيد في كل عام المحطات الرئيسية في قصة جائحة كوفيد-19.

نتذكر الحادي عشر من مارس، عندما أعلنت منظمة الصحة العالمية رسمياً أن فيروس كورونا المستجد أصبح جائحة عالمية.

ونتذكر الثالث عشر من مارس، حين أعلنت الحكومة الأمريكية حالة الطوارئ الوطنية، وبدأنا نسمع الشعار الشهير: “أسبوعان فقط لتسطيح المنحنى”.

كما نتذكر السادس عشر من مارس، اليوم الذي أغلقت فيه مدينة نيويورك مدارسها وفرضت قيوداً واسعة على الأنشطة الاقتصادية والحياة العامة.

لكن هذا التسلسل الزمني التقليدي يخفي محطات أخرى لا تقل أهمية، بل ربما تكون أكثر إلحاحاً في الذاكرة الوطنية.

في السادس والعشرين من مايو 2020، وبينما كانت نيويورك وعدد كبير من الولايات الأمريكية لا تزال تعيش تحت وطأة الإغلاق، انطلقت الاحتجاجات التي أعقبت مقتل جورج فلويد في مدينة مينيابوليس.

وسرعان ما اتسعت رقعة هذه الاحتجاجات، وتحول عدد منها إلى أعمال شغب امتدت إلى مدن عديدة في مختلف أنحاء البلاد.

وبحلول الثامن والعشرين من مايو، وبعد إحراق مقر الدائرة الثالثة لشرطة مينيابوليس، اضطر حاكم ولاية مينيسوتا تيم والز إلى استدعاء الحرس الوطني للتعامل مع الاضطرابات.

أما في الأول من يونيو، فقد وصلت أعمال النهب والشغب في مدينة نيويورك إلى مستوى دفع رئيس البلدية آنذاك بيل دي بلاسيو إلى فرض حظر تجول.

وفي اليوم نفسه، كان مسؤولون صحيون وخبراء في الأمراض المعدية يجمعون التوقيعات على رسالة مفتوحة بعنوان “دعوة إلى استجابة صحية عامة مناهضة للعنصرية تجاه المظاهرات المناهضة للظلم المنهجي خلال جائحة كوفيد-19″، طالبوا فيها الأمريكيين عملياً بتجاهل أوامر الإغلاق والمشاركة في تظاهرات جورج فلويد.

وعندما نشرت شبكة “سي إن إن” الرسالة في الخامس من يونيو، كانت تحمل توقيع أكثر من 1200 طبيب وخبير ومهني في المجال الصحي.

يومها قيل لنا إن “تفوق العرق الأبيض يمثل أزمة صحية عامة قاتلة سبقت جائحة كوفيد-19 وأسهمت في تفاقم آثارها”.

وبناء على ذلك، أعلن أصحاب الرسالة أنهم، بصفتهم مناصرين للصحة العامة، لا يدينون هذه التجمعات باعتبارها خطراً على انتشار الفيروس، بل يدعمونها لأنها -بحسب رأيهم- ضرورية للصحة العامة الوطنية ولصحة الأمريكيين السود على وجه الخصوص.

ما جعل الأمر أكثر إثارة للغضب أن الرسالة نفسها أدانت احتجاجاً آخر جرى في مدينة لانسينغ بولاية ميشيغان.

لكن الفرق أن ذلك الاحتجاج لم يكن ضد العنصرية، بل كان للمطالبة بإنهاء إجراءات الإغلاق التي كانت تدمر حياة الناس ومصادر رزقهم.

واعتبر الموقعون على الرسالة أن احتجاج لانسينغ دفعهم إلى “الحزن بصمت على الفجوة المتزايدة بين قادة العلم وبعض المجتمعات التي يخدمونها”.

في الحقيقة، لم تكن هناك فجوة آنذاك.. هم من صنعوها، بل حولوها لاحقاً إلى هوة سحيقة بين المؤسسات العلمية والجمهور.

في ذلك الوقت كانت المتاجر لا تزال مغلقة، ولم تبدأ نيويورك عملية إعادة الفتح البطيئة والحذرة إلا في السابع من يونيو.

كان الأطفال، بمن فيهم من لم يتجاوزوا عامين من العمر، يُجبرون على ارتداء الكمامات.

وكان كبار السن يموتون في عزلة، محرومين من رؤية أبنائهم أو توديع أحبائهم للمرة الأخيرة.. كنا نعيش حالة من الهلع الجماعي.

والأشخاص أنفسهم الذين أقنعونا بأن مجرد مغادرة المنزل قد تؤدي إلى وفاة الآخرين، منحوا استثناءً كاملاً للمتظاهرين لأنهم وافقوا على القضية التي خرجوا من أجلها.

في الثاني من يونيو 2020 كتبت في هذه الصحيفة متسائلة عن هذا التناقض الصارخ.

قلت حينها إن الاحتجاجات كشفت عبثية استمرار الإغلاقات، فإما أننا أمام حالة طوارئ صحية تستدعي منع التجمعات والحشود، أو أننا لسنا كذلك.

لا يمكن أن يكون الأمر صحيحاً في الحالتين معاً، لكن الخبراء، على ما يبدو، كانوا محصنين ضد هذا القدر البسيط من المنطق.

ويطلق مطور البرمجيات والكاتب المعروف إريك إس. ريموند على يوم الخامس من يونيو 2020 اسم “يوم الانكسار”، وهو وصف أراه دقيقاً للغاية.

ففي ذلك اليوم أدرك كثير من الأمريكيين أنه حتى المؤسسات التي يفترض أنها محايدة ومستقلة أصبحت خاضعة لأجندات سياسية وأيديولوجية واضحة.

وفي ذلك اليوم أيضاً فقدت النخب جزءاً كبيراً من شرعيتها الأخلاقية أمام الجمهور.

كثير منا كان يرغب فعلاً في الثقة بالخبراء خلال تلك الفترة المليئة بالخوف والارتباك والخسائر، لكنهم جعلوا هذه الثقة مستحيلة.

لقد كانوا يكذبون علناً، وفي الخامس من يونيو أصبح ذلك واضحاً بصورة لا يمكن إنكارها.

وحتى اليوم لم تتعافَ الولايات المتحدة بالكامل من آثار تلك الأكاذيب.

فمنذ أسابيع قليلة فقط، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “كيه إف إف” المتخصصة في أبحاث السياسات الصحية أن أقل من نصف الأمريكيين يثقون بمصداقية المؤسسات الصحية الحكومية.

وعلى سبيل المثال، لا يعتقد سوى 40% من الأمريكيين أن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها تعمل بصورة مستقلة بعيداً عن الضغوط والمصالح الخارجية.

وربما تبدو هذه النسبة مرتفعة أكثر مما ينبغي إذا تذكرنا أن الوكالة نفسها وافقت في فبراير 2021 على مطالب قيادات نقابات المعلمين بإبقاء المدارس مغلقة لفترة أطول.

ما حدث خلال جائحة كورونا لم يكن مجرد خطأ في التقدير أو أزمة مرّت علينا جميعاً.

لقد كان سلسلة من القرارات فُرضت علينا.

قرارات اتخذها مسؤولون صحيون شديدو الانحياز السياسي، كانوا أكثر اهتماماً بتحقيق أهدافهم الأيديولوجية من اهتمامهم بالأضرار التي ستلحق بثقة الناس بالمؤسسات العامة.

ولهذا السبب تظل هذه التواريخ مهمة، ليس فقط مارس أو أبريل، بل أيضاً الخامس من يونيو.. علينا أن نتذكرها جميعاً.

نقلاً عن نيويورك بوست