منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

قمع مؤسسي وقهر رسمي.. طالبان تحول حياة النساء في أفغانستان إلى جحيم

24 مارس 2026
نساء أفغانستان يعانين قمع طالبان
نساء أفغانستان يعانين قمع طالبان

بعد أكثر من أربع سنوات على عودة طالبان إلى السلطة، تكشف أوضاع النساء والفتيات في أفغانستان، عن واحدة من أشد أزمات الحقوق الأساسية في العالم المعاصر، فالمسألة لم تعد تقتصر على قيود متفرقة أو تدابير مؤقتة، بل تحولت إلى نظام مؤسسي يقيّد التعليم والعمل والتنقل والرعاية الصحية والوصول إلى العدالة والمشاركة في الحياة العامة.

وشددت حركة “نساء من أجل الحرية” في بيان لها، على ضرورة ضمان الحقوق الأساسية للنساء والفتيات في أفغانستان، وطالبت بإنهاء القيود المفروضة عليهن، مشددة على أن حرمان النساء من التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية والسياسية يعد انتهاكًا واضحًا لحقوق الإنسان، مشددًة على ضرورة استعادة هذه الحقوق.

وفي السياق، وصف المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في أفغانستان هذا الواقع بأنه “هجوم واسع النطاق ومنهجي” على حقوق الأفغان، “وفي مقدمتهم النساء والفتيات”، مؤكداً أن هذا النظام القائم على التمييز والقهر والهيمنة الجندرية “يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية”.

واعتبر المقرر الأممي أن هذه السياسات لا تنتهك الحقوق فقط، بل تُدخل البلاد في مسار طويل من الانهيار الصحي والاجتماعي والاقتصادي، مع آثار ستمتد عبر أجيال.

وتؤكد المنظمات الدولية أن ما يجري لا يمكن فصله عن لغة أشمل باتت تتكرر في البيانات الأممية والحقوقية.. الاضطهاد الجندري والفصل الجندري والمحو المنهجي للنساء من المجال العام.

فقد رحّب خبراء أمميون في يناير 2025 بطلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات توقيف بحق قيادات في طالبان على أساس الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي.

واعتبروا ذلك خطوة تاريخية لأنها تنبه إلى أن السياسات التمييزية في أفغانستان ليست مجرد “خلافات ثقافية” بل قد تشكل جرائم دولية تستوجب المحاسبة.

سلب حق التعليم

وحذرت اليونسكو من أن أفغانستان أصبحت البلد الوحيد في العالم الذي تُمنع فيه الفتيات من التعليم بعد المرحلة الابتدائية، ووفق أحدث بيانات المنظمة، فإن 2.2 مليون فتاة ما زلن محرومات من الدراسة بعد سن المدرسة الابتدائية، فيما أشارت مراجعة أخرى لحق التعليم نشرتها اليونسكو إلى أن 1.5 مليون فتاة وشابة كنّ خارج المدرسة بحلول 2025 نتيجة القيود المفروضة على التعليم الثانوي والعالي.

وتؤكد المنظمة أن هذا الحرمان لم يعد مجرد قرار إداري، بل صار سياسة ممتدة تهدد جيلاً كاملاً وتنعكس على فرص العمل والاستقلال الاقتصادي والصحة والقدرة على المشاركة في الحياة العامة.. كما تلفت إلى أن السلطات الفعلية أصدرت أكثر من 70 مرسوماً قيدت حقوق النساء والفتيات منذ 2021، وكان التعليم في قلب هذه الإجراءات.

وتبيّن هذه الأرقام أن انتهاك حق التعليم ليس معزولاً عن بقية الحقوق، بل يشكل قاعدة تُبنى عليها بقية أشكال الإقصاء، فحين تُمنع الفتاة من المدرسة ثم من الجامعة، تُدفع تلقائياً إلى مزيد من التبعية داخل الأسرة والمجتمع، وتُحرم من فرص التأهيل المهني والمشاركة الاقتصادية والاستقلال الشخصي.

التراجع المنهجي لحقوق النساء

وقد قالت لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) في ملاحظاتها الختامية الصادرة في يوليو 2025 إنها تنظر بـ“أشد القلق” إلى “التراجع المنهجي والكامل” في حق النساء والفتيات في التعليم منذ أغسطس 2021، داعية إلى استعادة الضمانات القانونية والدستورية ورفع القيود فوراً.

وتأتي هذه الخلاصة متسقة مع دعوات اليونسكو واليونيسف المتكررة إلى استعادة التعليم الثانوي والعالي للفتيات من دون شروط.

وتكشف مؤشرات الأمم المتحدة للمرأة أن الأزمة لا تتوقف عند المدرسة والجامعة، بل تمتد إلى سوق العمل والقدرة على الكسب، ففي يونيو 2025 قالت الهيئة إن نحو 8 من كل 10 شابات أفغانيات أصبحن خارج التعليم والعمل والتدريب، وإن واحدة فقط من كل أربع نساء إما تعمل أو تبحث عن عمل، مقابل قرابة 90% من الرجال.

وأوضحت أن الفجوة في المشاركة الاقتصادية لم تعد نتيجة بنية اجتماعية تقليدية فقط، بل حصيلة مباشرة لقرارات تستهدف النساء في قطاعات بعينها، من الخدمة المدنية إلى المنظمات غير الحكومية والصالونات ومجالات العمل العامة.

وتؤكد هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي لعام 2026 أن طالبان واصلت خلال 2025 تقويض حق النساء في العمل، بما في ذلك عبر إغلاق محطات إذاعية نسائية، ومداهمة أماكن العمل لفرض الفصل، وفرض قيود متزايدة على حضور النساء في المجال الإنساني والاقتصادي.

تدهور أوضاع النساء

تشرح هذه القيود سبب تدهور أوضاع النساء في مجتمع يعاني أصلاً من الفقر والنزوح والأزمات الإنسانية، فإبعاد النساء عن العمل لا يعني فقط خسارة الدخل، بل خسارة النفوذ داخل الأسرة، وتراجع القدرة على الوصول إلى الرعاية والصحة والتعليم، وازدياد احتمالات الزواج القسري أو المبكر أو البقاء في علاقات عنيفة لغياب البدائل الاقتصادية.

ولهذا شددت الأمم المتحدة للمرأة، في تقريرها عن “مؤشر النوع الاجتماعي في أفغانستان”، على أن ما يجري لا يمثل تراجعاً عادياً في التنمية، بل ردة هيكلية تمس كل مسارات تمكين النساء تقريباً.

وتدعم منظمة العمل الدولية هذا التقييم، إذ كانت قد وثقت في بياناتها أن تشغيل النساء تراجع بشدة منذ عودة طالبان، مع بقاء النساء الخاسر الأكبر من الانكماش الاقتصادي والسياسات التقييدية.

ويؤكد تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة الصادر في فبراير 2026 أن الحق في الصحة لدى النساء والفتيات في أفغانستان يتعرض لانتهاك عميق ومتعدد المستويات، فالتقرير يوضح أن القيود على التنقل، واشتراط وجود محرم، والحظر على بعض أشكال التعليم الطبي والتدريب، والتدخل في قرارات النساء بشأن أجسادهن وصحتهن، كلها عوامل جعلت الوصول إلى الرعاية الصحية أكثر صعوبة وخطورة.

ويضيف أن خفض التمويل الدولي حوّل “الإطار القمعي” القائم إلى كارثة صحية تهدد ملايين النساء والفتيات بحرمانهن من الرعاية الأساسية، ولهذا دعا المقرر الخاص صراحة إلى رفع الحظر عن التعليم الطبي والتدريب للنساء، وإلغاء القيود على حرية الحركة، والتراجع عن كل السياسات التي تحرم النساء من الحقوق والحريات الأساسية.

مؤشراتٌ تتعلق بالعدالة

تضاعف هذه الأزمةَ مؤشراتٌ أخرى تتعلق بالعدالة والفضاء العام، فقد أفادت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان (يوناما) في 8 مارس الجاري بأن النساء في أفغانستان أصبحن أقل بنحو أربع مرات من الرجال في الوصول إلى آليات العدالة الرسمية، كما أظهر تحديث لحقوق الإنسان من يوناما أن نساء غير مرتديات للبرقع مُنعن في أواخر 2025 من دخول مستشفيات وعيادات ومكاتب حكومية.

وتضيف هيومن رايتس ووتش أن تطبيق قانون “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” توسع ليشمل فرض قواعد صارمة على اللباس والسلوك والصوت والتنقل، مع احتجاز أشخاص بسبب ما اعتُبر “حجابًا غير مناسبًا” أو لمخالفة متطلبات الفصل بين الجنسين، بهذا المعنى، لم يعد التنقل أو العلاج أو الوصول إلى العدالة حقاً مضموناً، بل مساحة تفاوض يومي مع سلطة رقابية شديدة التوغل.

وتحذر منظمة العفو الدولية من أن اللائحة الجنائية الجديدة التي أُقرت في 2026 تُرسّخ مزيداً من العنف والتمييز ضد النساء والأقليات، لأنها لا تكتفي بتقييد المجال العام، بل تتدخل أيضاً في الحياة الخاصة والعلاقات الأسرية.

وتقول المنظمة إن النص الجديد يعرّف العنف الأسري ضد المرأة تعريفاً شديد الضيق، بحيث لا يُجرَّم فعلياً إلا إذا تسبب في كسرٍ أو إصابة ظاهرة، كما يفرض عقوبة بالسجن ثلاثة أشهر على المرأة التي “تزور أقاربها بانتظام” من دون إذن زوجها وترفض أمر المحكمة بالعودة إلى المنزل.

وترى العفو أن هذا الإطار لا يوفر حماية قانونية للنساء من العنف، بل يعيد إنتاج السيطرة الذكورية داخل الأسرة تحت غطاء قانوني وقضائي.

استهداف النساء بدل إنصافهن

تجعل هذه النصوص الجديدة من المنظومة القانونية نفسها أداة لتثبيت التبعية بدل حماية الحقوق، ولهذا قالت العفو الدولية إن النظام القضائي في أفغانستان بات يُستخدم لاستهداف النساء بدل إنصافهن، بينما اعتبرت هيومن رايتس ووتش أن النساء اللواتي يتحدين هذه القواعد يواجهن الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة.

وشدد خبراء الأمم المتحدة ولجنة سيداو على أن ما يحدث ليس فقط انتهاكاً لاتفاقيات حقوق الإنسان، بل مسارًا مؤسسيًا نحو تجريد النساء من الأهلية العامة وإقصائهن من المواطنة الكاملة.

وتكتسب هذه الخلاصات أهمية إضافية لأنها تصدر عن جهات أممية وحقوقية ذات مقاربات مختلفة، لكنها تلتقي جميعها عند توصيف واحد: النساء الأفغانيات يعشن تحت بنية قمع شاملة تمس التعليم والعمل والصحة والحماية القانونية والحياة الخاصة معاً.

إبقاء أصوات النساء

تشدد الأمم المتحدة للمرأة على أن النساء الأفغانيات ما زلن يقاومن، لكنهن يحتجن إلى أكثر من التضامن الرمزي، وتقول الهيئة إن دعم سبل العيش، وتمويل المنظمات النسائية، وإبقاء أصوات النساء في صلب أي نقاش دولي حول مستقبل أفغانستان، كلها شروط أساسية لمنع تكريس الأمر الواقع.

ويذهب المقرر الخاص للأمم المتحدة أبعد من ذلك حين يطالب الدول بـعدم تطبيع أو شرعنة سلطات الأمر الواقع ما لم يتحقق تقدم ملموس وقابل للتحقق، خصوصاً في ما يتعلق بحقوق النساء والفتيات، وبضمان المشاركة الكاملة والآمنة والمتساوية للنساء في كل المداولات المتعلقة بمستقبل البلاد.

كما دعا إلى تمويل كامل لخطة الاحتياجات الإنسانية لعام 2026، وزيادة الدعم للمجتمع المدني، ولا سيما المنظمات النسائية.

تضيف هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية أن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك على مستويين متوازيين، المساءلة والحماية العملية، فمن جهة، رحبت المنظمتان بمسار المحكمة الجنائية الدولية واعتبرتاه خطوة مهمة نحو الاعتراف بأن اضطهاد النساء في أفغانستان قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية.