لم تعد الأسلحة التقليدية وحدها هي التي تحسم موازين الحروب والصراعات، إذ بات الفضاء الرقمي وشبكات الاتصال جزءاً لا يتجزأ من ساحات المواجهة الحديثة، ففي كثير من النزاعات المعاصرة، تتحول السيطرة على تدفق المعلومات إلى أداة ضغط مؤثرة يستخدمها أطراف النزاع للتحكم في المجال العام أو إدارة المعارك الإعلامية أو الحد من قدرة المجتمعات على التعبير أو التنظيم.
ومع اتساع الاعتماد العالمي على التكنولوجيا الرقمية، أصبحت شبكات الإنترنت شرياناً حيوياً للحياة اليومية، يمتد أثره من المعاملات الاقتصادية والخدمات المالية إلى الإعلام والتواصل الاجتماعي، لذلك فإن تعطيل هذه الشبكات لا يظل إجراء تقنياً فحسب، بل يتحول إلى أداة سياسية وأمنية ذات آثار واسعة تمس الاقتصاد وحرية التعبير وتداول المعلومات.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة استخدام قطع الإنترنت أو تقييده بوصفها إحدى أدوات إدارة الأزمات والصراعات في عدد من الدول حول العالم، حيث تلجأ بعض الحكومات إلى إبطاء سرعة الاتصال، أو حجب المنصات الرقمية، أو حتى إيقاف الخدمة بشكل كامل في مناطق معينة، خصوصاً في أوقات الاحتجاجات أو التوترات السياسية أو العمليات الأمنية.
وتشير تقارير حقوقية وتقنية إلى أن هذه الممارسات تتكرر في سياقات متعددة، بهدف الحد من تدفق المعلومات ومنع انتشار الصور أو الأخبار المرتبطة بالاحتجاجات أو الصراعات المسلحة، ما يعرقل في كثير من الأحيان جهود التوثيق المستقل ويقيد قدرة الصحافة ومنظمات حقوق الإنسان على متابعة ما يجري على الأرض.
ويرى مراقبون أن الهدف الأساسي من هذه الإجراءات يتمثل في الحد من قدرة المحتجين أو المعارضين على التنسيق فيما بينهم، ومنع تداول مقاطع الفيديو أو المعلومات التي قد توثق الانتهاكات أو تُحرج السلطات، كما يؤدي قطع الاتصال إلى تقليص قدرة وسائل الإعلام الدولية والمنظمات الحقوقية على متابعة الأحداث ميدانياً.
ومن الناحية الحقوقية، يمس حرمان المواطنين من الوصول إلى الإنترنت مجموعة من الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير، والحق في الحصول على المعلومات، والحق في التنظيم السلمي، وهو ما يجعل من قضية قطع الإنترنت إحدى القضايا الحقوقية المتصاعدة في عالم تتزايد فيه أهمية الفضاء الرقمي يوماً بعد يوم.
وشهدت العديد من دول العالم حالات انقطاع الإنترنت والاتصالات أو تقييدهما خلال النزاعات، ولعل أبرزها إيران التي تعد من أكثر بلدان العالم استخداماً لسياسة قطع الإنترنت، كما تعرض قطاع غزة لانقطاعات عديدة بين عامي 2023 – 2025، بحسب منظمة NetBlocks لمراقبة الإنترنت، وما جاء في تقارير Freedom House حول الحرية الرقمية.
خطورة قطع الاتصالات
“لم أتمكن من التواصل مع عائلتي في إيران إلا بصعوبة بالغة، وهناك مرضى حُرموا من الوصول إلى الخدمات الطبية بسبب قطع الإنترنت”.. بهذه الكلمات وصف علي نوري زادة، مدير مركز الدراسات العربية الإيرانية في لندن، الأوضاع في طهران، في تصريح لـ”صفر”.
وأوضح زادة أن انقطاع الإنترنت أدى إلى تدهور واضح في الأوضاع الإنسانية، مشيراً إلى أن المواطنين لم يعودوا قادرين حتى على الاتصال بالمستشفيات، لافتاً إلى وجود مصابين بحالات طارئة ومرضى بالسرطان عجزوا تماماً عن الوصول إلى الرعاية الطبية نتيجة تعطل خدمات الاتصال في البلاد.
وتساءل: “كيف يمكن تصور نظام يقتل الناس في الشوارع، وفي الوقت ذاته يقطع الإنترنت بشكل كامل؟” مضيفاً أن الأوضاع في إيران “صعبة جداً بالمعنى الحقيقي للكلمة”، مؤكداً أنه نجح في التواصل مع أفراد عائلته بعد معاناة، ليكتشف أنهم يعيشون أوضاعاً بالغة الصعوبة في ظل انقطاع الإنترنت وتعطل وسائل الاتصال.
وأكد أن قطع الإنترنت يضاعف المخاطر التي يتعرض لها المدنيون، موضحاً أن الوصول إلى الخدمات الطبية بات شبه مستحيل: “عندما يكون هناك مريض يريد العثور على مستشفى، فإنه يحتاج إلى الاتصال أو البحث عبر الإنترنت، وهذا أصبح مستحيلاً الآن بعد قطع الخدمة”.
وأشار إلى البعد الإنساني والاجتماعي للأزمة، لافتاً إلى معاناة الإيرانيين في الخارج أيضاً، وضرب مثالاً بشخص يقيم في ألمانيا ويريد الاطمئنان على والده المريض في المستشفى أو معرفة مصير والدته أو شقيقته، لكنه يعجز عن التواصل معهم، معتبراً أن “قطع الإنترنت جريمة كبرى ارتكبها هذا النظام إلى جانب جرائم أخرى”.
هشاشة المدنيين
بقوله: “لم تعد مسألة تقنية بحتة، بل أصبحت أداة تستخدم في سياقات الصراع والاضطرابات”، أوضح الخبير في قضايا الحماية الدولية كمال المشرقي أن قطع الإنترنت بات يترك آثاراً مباشرة في حقوق الإنسان الأساسية وسلامة المدنيين وكرامتهم.
وأوضح المشرقي، في تصريح لـ”صفر”، أن هذه الظاهرة باتت تتكرر في عدد من النزاعات حول العالم، ولا سيما خلال فترات التحولات السياسية أو النزاعات المسلحة، كما حدث في فلسطين وقطاع غزة ولبنان وأوكرانيا وإيران والصين، حيث أدى الانقطاع شبه الكامل للاتصالات إلى عزل ملايين المدنيين عن العالم الخارجي.
وأشار إلى أن انقطاع الإنترنت يحرم المدنيين من الوصول إلى المعلومات الحيوية التي قد تسهم في حماية حياتهم، خصوصاً تلك المرتبطة بالتحذير من القصف أو العمليات العسكرية واستهداف المنشآت، ما يزيد من مستوى المخاطر التي يواجهها السكان في مناطق النزاع.
وأضاف أن غياب الاتصال يضاعف من هشاشة المدنيين ويجعلهم أكثر عرضة للخطر، كما قد يُستخدم في بعض الحالات لإخفاء الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومنع توثيقها أو تداولها على نطاق واسع، إلى جانب الاعتماد على الإنترنت للحصول على معلومات تتعلق بأماكن تلقي الرعاية الطبية والخدمات الإسعافية، والتواصل مع فرق الإنقاذ، ومعرفة المسارات الآمنة للتنقل، وهو ما يجعل انقطاع الشبكة يمثل تهديداً على حياة المدنيين.
وبين المشرقي أن تطور تكنولوجيا الاتصالات جعل من الفضاء الرقمي أداة مهمة لكشف الحقائق وتوثيق الانتهاكات، حيث أصبحت الأدلة الرقمية عنصراً أساسياً في عمليات المساءلة الدولية، ويمكن الاستناد إليها أمام هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، ومنها اللجان وآليات التحقيق الدولية المنشأة بقرارات مجلس حقوق الإنسان، إضافة إلى إمكانية استخدامها أمام المحكمة الجنائية الدولية أو المحاكم الخاصة التي تنشأ للنظر في جرائم النزاعات.
وأكد أن قطع الإنترنت ينعكس سلباً على منظومة واسعة من الحقوق والحريات الأساسية، إذ يقيد حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، ويؤثر في النشاط الاقتصادي والخدمات الحيوية، ومنه سلاسل الإمداد وفرص العمل والوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الغذاء والمياه والخدمات العامة.
واختتم المشرقي بتأكيد أن غياب الاتصال يضعف فرص التوثيق والمساءلة ويزيد من احتمالات الإفلات من العقاب، داعياً المجتمع الدولي إلى التعامل مع الحق في الاتصال بوصفه حقاً أساسياً يجب حمايته حتى في ظروف الحروب والأزمات.
اعتبارات الأمن القومي
بزاوية رؤية مختلفة، قالت أستاذة القانون الدولي في لبنان الدكتورة هالة حمدان إن الوصول إلى الإنترنت يعد حقاً إنسانياً أساسياً كرسته المواثيق الدولية والدساتير الوطنية، لكنه يجب أن يتم في إطار توازن مع اعتبارات أخرى، وفي مقدمتها الأمن القومي للدولة، لافتة إلى أنه رغم المكانة المتقدمة لحرية التعبير، فإن الدول غالبًا ما تعد حماية الأمن القومي والحفاظ عليه اعتباراً موازياً عند تنظيم الفضاء الرقمي.
وأضافت حمدان، في حديث لـ”صفر”، أن تنظيم استخدام الإنترنت ينبغي أن يراعي مجموعة من الاعتبارات، منها حماية الأمن الداخلي، واحترام حقوق الآخرين، وصون الخصوصية، والحفاظ على التعايش المجتمعي، مؤكدة أن هذه العوامل جميعها يجب أن تؤخذ في الحسبان عند وضع السياسات المرتبطة بالفضاء الرقمي.
وأضافت أن ظاهرة قطع الإنترنت أو تقييده سُجلت في عدد من الدول، مثل فلسطين وأوكرانيا وتركيا وسوريا وإيران، موضحة أن بعض الدول تفرض كذلك قيودًا صارمة على تداول المعلومات خلال النزاعات، ومنها فرض رقابة مشددة على المحتوى المتداول بما يتماشى مع اعتبارات الأمن القومي وإدارة الحرب الإعلامية.
ولفتت إلى أن هذه الإجراءات قد تتحول في بعض الحالات إلى ممارسات تعسفية عندما تتوسع السلطات في استخدامها بما يتجاوز الحدود الضرورية، مؤكدة أن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن دقيق بين حماية الأمن القومي وضمان احترام الحقوق والحريات الأساسية في الفضاء الرقمي.
تعطيل منافذ الحياة
وعن انتهاك الحق في الإنترنت والاتصالات خلال النزاعات تقول الناشطة النسوية الإيرانية هيفاء الأسدي إن “الهدف الأساسي من هذا الإجراء هو الحد من تسريب المعلومات، ومنع المواطنين من توثيق ما يحدث أو التواصل بحرية، وتأثير هذه الإجراءات لا يقتصر على النشاط السياسي فحسب، بل يمتد إلى الحياة اليومية والاقتصاد أيضاً، ما يجعل أي انقطاع واسع النطاق سبباً في تعطيل جوانب كبيرة من حياة الناس”.
ورفضت الأسدي، في تصريح لـ”صفر”، المبررات التي عادة ما تسوقها السلطات لتبرير هذه الإجراءات، قائلة إنه “لا يمكن تبرير قطع الإنترنت بشكل شامل عن مجتمع كامل؛ لأن ذلك يمس حقوق ملايين المواطنين، وليس فقط جهات أو مجموعات محددة، فالسلطات تطرح دائماً مبررات أمنية، لكن ما يحدث عملياً هو عزل المجتمع ومنع وصول المعلومات المستقلة”.
وأعربت الأسدي عن أسفها لما اعتبرته غياب أولوية حقيقية لحقوق الإنسان في حسابات المجتمع الدولي، خاصة عندما تتعارض مع المصالح السياسية، موضحة أن قطع الإنترنت يعني عملياً تقليص الشفافية وجعل الانتهاكات أقل ظهوراً للعالم، كما تقتصر ردود الفعل الدولية على بيانات أو مواقف عامة، من دون ممارسة ضغوط فعلية، الأمر الذي يجعل كثيرين يشعرون بأن حقوق الإنسان ليست أولوية حقيقية في السياسة الدولية، رغم الخطاب المعلن حولها.
وخلصت الأسدي إلى أن قضية الإنترنت والحقوق الرقمية “ليست مجرد قضية تقنية”، بل ترتبط بطبيعة النظام السياسي نفسه، وبحق المجتمع في المشاركة والشفافية وصون الكرامة الإنسانية.

