منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

تريليون دولار سنوياً في سلة المهملات.. “هدر الطعام” جريمة قتل صامتة بحق الجائعين

31 مارس 2026
اتساع أزمة الجوع حول العالم
اتساع أزمة الجوع حول العالم

تتجلى اليوم واحدة من أكثر المفارقات قسوة في المشهد العالمي.. كميات هائلة من الطعام تُهدر سنوياً، في وقت تتسع فيه رقعة الجوع الحاد في عدد من الدول، وتؤكد الأمم المتحدة أن المناسبة خُصصت هذا العام للتوعية بأثر هدر الطعام في الأمن الغذائي والمناخ والموارد الطبيعية.

وتأتي هذه المفارقة بالتزامن مع اليوم الدولي لصفر نفايات، حيث تتخذ نسخة هذا العام من المناسبة الدولية “هدر الغذاء” محوراً رئيسياً.

ووفق تقرير مؤشر هدر الغذاء الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2024، بلغ إجمالي الغذاء المهدَر عالمياً في عام 2022 نحو 1.05 مليار طن على مستوى الأسر وقطاع الخدمات الغذائية وتجارة التجزئة، أي ما يعادل نحو 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين.

وبلغ المتوسط العالمي للهدر 132 كيلوغراماً للفرد سنوياً، منها 79 كيلوغراماً داخل الأسر وحدها، كما يوضح التقرير أن 631 مليون طن من الهدر جاء من المنازل، مقابل 290 مليون طن من الخدمات الغذائية و131 مليون طن من قطاع التجزئة.

وتشير الأمم المتحدة أيضاً إلى أن هدر الغذاء لم يعد قضية تخص الدول مرتفعة الدخل وحدها، بل بات ظاهرة عابرة لمستويات الدخل المختلفة، ما يعزز الطرح القائل إن المشكلة ترتبط بأنماط الاستهلاك وضعف الإدارة وسلوكيات الشراء والتخزين بقدر ارتباطها بالوفرة الاقتصادية.

جوع عالمي يتراجع ببطء

في المقابل، تُظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن عدد من عانوا الجوع على مستوى العالم في 2024 بلغ نحو 673 مليون شخص، ما يعادل 8.2% من سكان العالم.

وتشير المنظمة إلى أن هذا الرقم يمثل تحسناً طفيفاً مقارنة بالسنوات السابقة، لكنه يظل أعلى بكثير من مستويات ما قبل موجة الأزمات المتلاحقة خلال العقد الأخير، مع استمرار التفاوتات الحادة بين الأقاليم، خصوصاً في إفريقيا وغرب آسيا.

ويعني ذلك أن العالم يحقق تقدماً محدوداً في خفض الجوع المزمن، لكنه لا يقترب بعد من المسار المطلوب لتحقيق هدف القضاء على الجوع بحلول عام 2030، خاصة في ظل استمرار الضغوط الناتجة عن التضخم والصراعات وتغير المناخ وتراجع القدرة على تحمّل كلفة الغذاء الصحي.

انعدام الأمن الغذائي

من جانبه، حذّر برنامج الأغذية العالمي، من أزمة جوع عالمية متفاقمة في عام 2026، مؤكداً أن أكثر من 318 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفقاً لتقرير التوقعات العالمية لعام 2026 الصادر عن البرنامج، يواجه 318  مليون شخص حول العالم مستويات الأزمة أو أسوأ جراء الجوع.

وتطلق أنظمة الإنذار المبكر لدى البرنامج تحذيرات بشأن تفاقم انعدام الأمن الغذائي نتيجة النزاعات العنيفة والظواهر المناخية القاسية والانكماشات الاقتصادية الحادة. ويعيش مئات الآلاف بالفعل في ظروف شبيهة بالمجاعة.

بؤر الجوع الحاد

على مستوى الأزمات الإنسانية الحادة، يكشف التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية للعام 2025 أن أكثر من 295.3 مليون شخص في 53 دولة وإقليماً واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال 2024، بزيادة قدرها 13.7 مليون شخص على عام 2023، وهو أعلى رقم يسجله التقرير منذ بدء إصداره.

ويربط التقرير هذا التدهور باستمرار الصراعات المسلحة، والصدمات الاقتصادية، والتطرف المناخي، والنزوح القسري.

ويشير التقرير ذاته إلى أن مالي واليمن وفلسطين -تحديداً قطاع غزة- كانت من بين الساحات التي شهدت أشد أزمات سوء التغذية والجوع حدة، مع تسجيل ظروف مجاعة أو مخاطر مرتفعة للغاية في بعض المناطق.

الأزمة الأكثر إلحاحاً

وأفادت تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل بأن أكثر من 17 مليون شخص في اليمن، واجهوا أو كانوا مهددين بمستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي خلال 2025، ما يعكس استمرار واحدة من أطول الأزمات الغذائية في العالم.

أما في قطاع غزة، فقد حذرت وكالات الأمم المتحدة من تجاوز مؤشرات أساسية مرتبطة بخطر المجاعة، مع تعرض كامل السكان تقريباً لمستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي في فترات من 2025، ووجود مخاطر متفاقمة على الأطفال وسوء التغذية الحاد.

وتكشف هذه الأرقام التناقض الأكثر قسوة في النظام الغذائي العالمي، ففي الوقت الذي يُهدر فيه العالم أكثر من مليار طن من الغذاء في عام واحد، لا يزال مئات الملايين يعانون الجوع المزمن، في حين يرزح نحو 295.3 مليون شخص تحت وطأة الجوع الحاد في مناطق الأزمات.

وهذه المقارنة لا تعني إمكان نقل الطعام المهدَر مباشرة إلى مناطق الجوع، لكنها تسلط الضوء على اختلالات عميقة في أنماط الإنتاج والاستهلاك والتوزيع والقدرة على الوصول إلى الغذاء.

أزمة هدر وسوء توزيع

ولا يقتصر أثر هدر الغذاء على البعد الإنساني فقط، إذ يشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن فقد الغذاء وهدره يسهمان كذلك في الضغط على الأراضي والمياه والطاقة، ويقوضان الجهود الرامية إلى بناء نظم غذائية أكثر استدامة وكفاءة وعدالة.

وبينما يحيي العالم اليوم الدولي لصفر نفايات تحت شعار التركيز على الطعام، تبدو الرسالة الأساسية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، أزمة الغذاء العالمية ليست فقط أزمة إنتاج، بل أيضاً أزمة هدر وسوء توزيع وعدم مساواة.

فالأرقام الدولية الأحدث تظهر أن تقليص الهدر لم يعد مجرد خيار بيئي، بل بات ضرورة إنسانية واقتصادية وأخلاقية في عالم لا يزال فيه الجوع واقعاً يومياً لمئات الملايين.