منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عيد الفطر في زمن النزوح.. فرحة مؤجلة على أطراف الخيام

20 مارس 2026
معاناة اللاجئين تتضاعف بسبب الحرب في لبنان
معاناة اللاجئين تتضاعف بسبب الحرب في لبنان

مع حلول عيد الفطر المبارك، تتبدل ملامح المدن بالزينة والبهجة، لكن على أطراف الخيام يبدو المشهد مختلفاً تماماً، حيث لا تُقاس الأيام بعدد ما تبقى للعيد، بل بعدد ما فقد من أحباء وأمان وجدران وشعور بالاستقرار.

وفي مخيمات النزوح في العديد من البلدان العربية والإسلامية، لا يأتي العيد كما اعتاد الناس أن يعرفوه، فلا أسواق مزدحمة، ولا استعدادات صاخبة، بل محاولات خجولة لصناعة فرح هش، يُولد رغم القسوة.

فالأطفال النازحون هم الأكثر انتظاراً، والأكثر خيبة في الوقت ذاته، فملابس العيد الجديدة قد تتحول إلى قطعة مستعملة، والعيدية إلى وعد مؤجل، والألعاب إلى بدائل بسيطة تُصنع يدوياً، ومع ذلك يركضون ويضحكون ويحاولون التقاط لحظات تشبه ما كان يوماً “عيداً”.

وتحاول الأمهات خلق طقوس بديلة، حيث تعجن الخبز بدلاً من الكعك، وتقدم ملابس نظيفة بدلاً من الجديدة، وتخفي الأوجاع والحزن خلف ابتسامات هشة؛ أملاً في خلق فرحة مؤقتة وسط الخيام المهترئة.

وفي مناطق النزوح، لا يكون العيد مجرد مناسبة دينية، بل اختبار قاسٍ للكرامة الإنسانية، فالحصول على الاحتياجات الأساسية يسبق أي حديث عن الاحتفال، فالغذاء والمياه والرعاية الصحية كلها أولويات تُزاحم فكرة الفرح بقدوم العيد.

ورغم الجهود الإنسانية التي تبذلها منظمات الإغاثة لتوفير بعض مظاهر العيد، تبقى الفجوة كبيرة بين ما يُقدم وما يحتاجه النازحون، خاصة مع استمرار الأزمات وتزايد أعدادهم.

النزوح من مناطق النزاعات

تشير أحدث بيانات مركز رصد النزوح الداخلي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن النزوح في الدول العربية والإسلامية بلغ مستويات غير مسبوقة خلال 2025–2026، حيث يتجاوز إجمالي النازحين قسرًا عالميًا 110–114 مليون شخص.

وتستحوذ المنطقة على نسبة كبيرة من هذه الأعداد، إذ سجلت سوريا نحو 6.7 مليون نازح داخلي و5.5–6 ملايين لاجئ خارجي، في حين يشهد قطاع غزة نزوحًا داخليًا تجاوز 1.9 مليون شخص (أكثر من 85% من السكان).

كما سجّلت أفغانستان نحو 6.3 مليون نازح داخلي، والصومال أكثر من 3.8 مليون نازح، في حين يضم العراق قرابة 1.1 مليون نازح داخلي رغم تراجع الأعداد مقارنة بالسنوات السابقة.

وتُظهر بيانات برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الهجرة الدولية أن أكثر من 70% من النازحين عالميًا يتركزون في دول متأثرة بالنزاعات المسلحة، وأن النساء والأطفال يشكلون نحو 75% من إجمالي النازحين.

كما تشير التقديرات إلى أن واحدًا من كل 8 أشخاص في بعض الدول العربية يعيش في حالة نزوح أو لجوء، ما يعكس حجم الضغط الإنساني غير المسبوق على المنطقة.

الثمن الأكبر في الحروب

وترى أستاذة القانون في الجامعة اللبنانية، الدكتورة هالة أبو حمدان، في حديث لـ”صفر”، أن عيد الفطر يحل هذا العام في ظل أوضاع بالغة القسوة يعيشها النازحون في العالم العربي، ولا سيما لبنان الذي يشهد ضربات إسرائيلية متواصلة في سياق التصعيد الإقليمي.

وأوضحت أبو حمدان أن النازحين يدفعون الثمن الأكبر في كل الحروب، مشيرة إلى أن ما يحدث حالياً يعكس استخداماً قسرياً لحالة النزوح بوصفها أداة ضغط، وهو ما يضاعف من معاناة المدنيين، ليس فقط بفقدانهم لمنازلهم، بل أيضاً بتدمير بيوت لا صلة لها بأي نشاط عسكري.

وأضافت أن شريحة واسعة من النازحين باتت عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة نتيجة فقدان مصادر الدخل والعمل، ما أدى إلى انهيار مقومات العيش الكريم بالنسبة لهم.

وأكدت أن الأطفال يظلون الفئة الأكثر هشاشة، رغم ما تنص عليه المواثيق الدولية من ضرورة حمايتهم، لافتة إلى أن الواقع يعكس عجزاً دولياً واضحاً، بل وأحياناً يعكس دوراً ضاغطاً على بعض البيئات، في ظل تعقيدات المشهد السياسي.

وفيما يتعلق بالوضع داخل لبنان، أشارت إلى أن الدولة رغم محاولاتها، تواجه محدودية في الإمكانيات، إلى جانب انقسامات داخلية أثرت في قدرتها على الاستجابة الفعالة، كما نبهت إلى تنامي مظاهر الاستغلال المرتبطة بالنزوح، سواء من خلال الاستيلاء على المساعدات أو الارتفاع المبالغ فيه في الإيجارات، ما يزيد من معاناة النازحين.

وشددت أبو حمدان على أن التحديات الاجتماعية والاقتصادية كانت قائمة حتى قبل الحرب، لكنها تفاقمت بشكل كبير مع تصاعدها، مطالبة المؤسسات الدولية، وعلى رأسها المنظمات المعنية بالطفولة، بضرورة التدخل لتوفير التعليم -ولو عن بُعد- إلى جانب تأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء وملابس.

كما دعت إلى إيلاء اهتمام خاص بالأطفال الرضع، عبر توفير الحليب والحفاضات والأدوية، مطالبة منظمة الصحة العالمية بضمان حصولهم على اللقاحات والرعاية الصحية اللازمة، خاصة في ظل تزايد مخاطر العدوى داخل مراكز النزوح، وتدهور الأوضاع المناخية، حيث لا يزال كثير من الأطفال يعيشون في خيام تفتقر لأبسط مقومات الحماية.

ضعف الضغط الدولي

من جانبه، قال أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور سعيد صادق، في حديث لـ”صفر”، إن الأعياد هذا العام تأتي وسط مشاهد مؤلمة، حيث تعاني شعوب عربية في غزة وجنوب لبنان من ضرب وتدمير شامل للدول، مع استمرار النزوح والمعاناة.

وأضاف: “هذه الظاهرة ليست جديدة، فنحن نواجه أزمات سياسية متواصلة، وسبع دول عربية منهارة بالفعل، لذا تتكرر نفس المشكلة كل عام؛ وبينما يحتفل الناس، تحيط بهم المجازر والنزوح”.

وأكد صادق أن السياسة العسكرية الإسرائيلية تعتمد بشكل أساسي على التهجير القسري في غزة وجنوب لبنان، ما أدى إلى المشهد الحالي، مشيراً إلى أن هذه الصراعات ممتدة ومفتوحة دون أي حل سياسي أو أفق واضح.

وأضاف: “لا توجد دولة فلسطينية، ولا سيطرة كاملة للحكومة اللبنانية على حدودها أو على السلاح داخلها”.

وتابع: “وفي ظل ضعف الضغط الدولي، لا تكفي الحلول العربية وحدها، يجب تغيير موازين القوى عبر موقف عربي موحد وواضح، يربط مسألة التطبيع بوقف النزوح والعدوان، مع استخدام أدوات ضغط اقتصادية حقيقية مثل النفط والاستثمارات والعلاقات الدولية”.

وأشار إلى أهمية وجود صندوق عربي طارئ لإعادة الإعمار المبكر، خاصة في الدول المنهارة مثل ليبيا، الصومال، لبنان، وسوريا، مقترحاً أن يعمل الصندوق تحت مظلة الجامعة العربية، ويركز على إعادة الإعمار، ودعم اللاجئين اللبنانيين والفلسطينيين في التعليم والسكن، بالإضافة إلى المعالجة النفسية للمتضررين من هذه الكوارث، وهي معاناة غالباً ما تُهمل.

وعن إمكانية الحل، قال صادق: “الواقع مرير، وطالما استمرت هذه المشكلات دون معالجة، سنظل نكرر نفس القصة كل عيد، فهناك حاجة لضغط دولي، خصوصاً الأمريكي، لوقف اليمين الإسرائيلي المتطرف، وفي ظل الانقسام العربي سيستمر الوضع على ما هو عليه”.

وأضاف: “أكثر ما نتمناه هو فترة هدوء مؤقتة أو هدنة طويلة، رغم احتمال حدوث تصعيد ونزوح متكرر بعدها”، مشدداً على أن الحل الدائم يتطلب إقامة دولة فلسطينية، وعودة اللاجئين، وتحقيق أمن إقليمي شامل، وإلا سيظل النزوح وتدمير المنازل أداة حرب مقبولة دولياً نسبياً.

واختتم صادق: “الأعياد تأتي وهناك شعوب نازحة ومهجرة تعاني، هذا يتطلب وعياً عربياً جماعياً بأن الاستقرار لا يمكن تحقيقه بدون عدالة، وأن السلام الدائم لا يتأتى إلا عبر تحقيق عدالة حقيقية للجميع”.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان