عادت غالبية أفراد بعثة المنتخب الإيراني لكرة القدم النسائي إلى إيران بعد أيام من أزمة غير مسبوقة بدأت في أستراليا، حين حصلت ست لاعبات وعضو من الجهاز المساند على تأشيرات إنسانية أسترالية بسبب مخاوف مرتبطة بسلامتهن إذا عدن إلى بلادهن.
لكن هذه الأزمة لم تنتهِ ببقائهن جميعًا في أستراليا، إذ تراجعت خمسٌ من أصل سبع حالات عن قرار البقاء، وعادت مع الفريق عبر مسار طويل مرّ بماليزيا ثم عُمان وتركيا، قبل عبور الحدود إلى إيران.
وفي النهاية، بقيت لاعبتان فقط في أستراليا، هما فاطمة پسنديده وعاطفة رمضانيزاده، وظهرتا لاحقًا في تدريبات مع نادي بريزبن رور ليبرز التساؤل: هل أُجبرت لاعبات إيران على التراجع عن اللجوء؟
كيف بدأت القصة؟
بدأت الأزمة خلال مشاركة إيران في كأس آسيا للسيدات 2026 في أستراليا، في المباراة الأولى، لفتت بعض اللاعبات الانتباه بعدم ترديد النشيد الوطني الإيراني، في تصرف فُسّر على نطاق واسع باعتباره إما احتجاجًا صامتًا أو إشارة حداد في ظل الحرب التي اندلعت ضد إيران منذ 28 فبراير الماضي.
ولم تشرح اللاعبات علنًا دلالات هذا السلوك، لكن الجدل تصاعد سريعًا، خصوصًا بعد أن أعادت بعض وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية توصيف ما حدث باعتباره خروجًا عن الصف الوطني، ووصل الأمر إلى وصف اللاعبات في التلفزيون الإيراني بأنهن “خائنات زمن الحرب”، بحسب رويترز وأسوشيتد برس.
وبحسب وزير الداخلية الأسترالي توني بيرك، تحركت حكومته سريعًا بعد أن أبدت بعض عضوات البعثة رغبتهن في البقاء.
وقال في مؤتمر صحفي يوم 11 مارس، إن لاعبتين من البعثة فُصلتا بمساعدة الشرطة الفيدرالية الأسترالية عن بقية المجموعة ونُقلتا إلى مكان آمن، ثم جرى عرض تأشيرات إنسانية تمنح مسارًا نحو الإقامة الدائمة.
وأضاف أن الحكومة كررت هذا العرض على بقية اللاعبات وبعض أفراد الجهاز المرافق في مقابلات منفردة داخل المطار “من دون مرافقين أو ضغوط”، وأن سبع نساء قبلن العرض في البداية: ست لاعبات وعضو دعم واحد.
بيرك شدد أيضًا على نقطة مهمة: أن أستراليا حاولت منح اللاعبات حرية الاختيار، لكنها “لم تستطع إزالة الضغوط المرتبطة بالسياق” أو ما قد يكنّ قد تعرضن له أو ما قد تشعر به عائلاتهن في إيران، وهذه العبارة تحديدًا أصبحت لاحقًا محورًا رئيسيًا في تفسير تراجع بعضهن عن طلبات اللجوء.
من اللجوء إلى التراجع
رغم قبول سبع نساء العرض الأسترالي أولًا، بدأت حالات التراجع تباعًا، في 14 مارس ، أكدت وكالة رويترز أن ثلاث لاعبات كن قد طلبن البقاء قررن العودة إلى إيران بدل استكمال مسار اللجوء، وسمّى الاتحاد الإيراني حينها ثلاثًا منهن: منى حمودي وزهرة سربالي وزهرة مشككار.
وبعد ذلك بيومين تقريبًا، قالت تقارير أخرى إن قائدة المنتخب زهرة غانبري تخلت هي أيضًا عن طلب اللجوء، لتصبح ضمن العائدات.
وبحلول 18 مارس الجاري، كانت خمس من أصل سبع حالات قد انسحبت من المسار الأسترالي وعبرت مع الفريق إلى إيران.
العودة من كوالالمبور
بعد مغادرة أستراليا، بقي الفريق لبعض الوقت في كوالالمبور بماليزيا، ثم أفادت أسوشيتد برس بأن الرحلة التالية كانت إلى عُمان، بينما وثقت رويترز لاحقًا وصول الفريق إلى إسطنبول ثم انتقاله جوًا إلى إغدير في شرق تركيا، قبل أن يستقل اللاعبات حافلة إلى معبر غوربولاك/بازرغان الحدودي، حيث دخلن الأراضي الإيرانية.
الصور التي ظهرت لهن عند الوصول، وهن يرتدين الزي الرياضي الرسمي ويحملن أمتعتهن، أكدت نهاية واحدة من أكثر قصص الرياضة والسياسة تشابكًا في الأسابيع الأخيرة.
من بقي في أستراليا؟
بقيت لاعبتان فقط في أستراليا هما فاطمة پسنديده وعاطفة رمضانيزاده، وأظهرت صور نشرتها أسوشيتد برس ونادي بريزبن رور مشاركة اللاعبتين في حصة تدريبية مع الفريق، فيما قال النادي إنه سيواصل تقديم “بيئة داعمة” لهما.
كما قالت التقارير إنهما نُقلتا إلى مكان آمن غير معلن وتتلقّيان مساعدة حكومية أثناء ترتيب وضعهما الجديد.
ونقلت صحيفة الغارديان عن ناشطين ومقربين من الملف اتهامات بوجود ضغط ممنهج على اللاعبات وأسرهن، فيما وصفت بعض الناشطات ما حدث بأنه مثال على “القمع العابر للحدود”.
لكن الصحيفة نفسها أشارت إلى أن هذه المزاعم ما زالت غير مثبتة بالكامل.
العودة إلى الوطن
في المقابل، تبنت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية رواية مغايرة تمامًا، فقدمت عودة اللاعبات بوصفها انتصارًا وطنيًا ورفضًا لما اعتبرته “محاولات أمريكية – أسترالية” للتأثير عليهن.
ونقلت وكالة تسنيم وغيرها عبارات من نوع “العودة إلى أحضان الوطن” و”الفشل الذريع للمشروع الأمريكي- الأسترالي”، بينما قال النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف، إن إيران “ترحب بأبنائها” وتضمن سلامة العائدات.
كما وصفت السلطات الإيرانية القرار بأنه تعبير عن الولاء الوطني، لا نتيجة خوف أو إكراه.
