تحت أطلال سمعة سيئة للسجون الإيرانية، ينبعث اسم سجن قرتشك في ضواحي طهران كرمزٍ سوداوي للانتهاكات المنهجية ضد المعتقلات، في مشهد يعكس كيف يمكن للهيكل العقابي أن يتحول إلى أداة قمع متكاملة ضد المحتجات السياسيات، واللائي شاركن في احتجاجات يناير 2026.
تقارير حقوقية حديثة تؤكد أن قرتشك، الذي لم يكن مقررًا أصلاً كمؤسسة احتجاز، ارتقى في السنوات الأخيرة ليصبح واحدة من أكثر السجون في إيران قسوة على السجينات، بل مصنّف كـ”فخ موت” بحسب لجنة النساء في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.
وذلك في تقرير سنوي صدر في 2026 الذي توثق فيه المنظمة أن العديد من النساء توفين داخل السجن بسبب الإهمال الطبي وعدم توفر الرعاية الصحية الأساسية بلا أي تفسير رسمي أو تسجيل لأسباب الوفاة منذ مارس 2025، بلغ عددهن ما لا يقل عن 23 حالة وفاة مؤكدة، مع تشخيص بعضهن بأمراض كان من الممكن علاجها.
مؤسسة عقابية صارمة
عندما ندخل إلى هذه المؤسسة العقابية، لا نرى جدرانًا فقط، بل سجلًا من الإهمال المتعمد المساحة التي كان يُفترض أن تستوعب أقل من 100 شخص، حسب تقارير داخلية، تستضيف أعدادًا تتجاوز 150 في بعض الأحيان، وفي أوقات ذروة الاكتظاظ تتعدى 600 معتقلة في عنبر واحد، الأمر الذي يجعل النوم على الأرض أمرًا روتينيًا وتكدس المعدة والهواء عادًة يومية.
وتتجسد قصة نحو 80 معتقلة احتُجزن بعد احتجاجات يناير الماضي كمثال حي للتنكيل السياسي والاجتماعي في قرتشك؛ أُحضِرن إلى مجموعة تضم 5 غرف ضمن عنبر واحد، تُجبر العشرات منهن على النوم على الأرض بسبب نقص الأسرة، من دون وصول منتظم لمستلزمات النظافة الأساسية أو معقمات أو منظفات تقي من الأمراض، في مأساة تتكرر تفاصيلها بشكل يومي في داخل هذا الصرح.
ما يزيد مأساوية المشهد أن الزيارات العائلية توقفت بشكل كامل في فترات معينة، ما جعل كثير من الأهل يعيشون في حالة قلق دائم بسبب فقدان الاتصال مع أقاربهم المعتقلات، وهو ما يعمل كأداة قمع نفسي إضافية تزيد من حالة العزلة وعدم اليقين التي تُفرض على المعتقلات في سجون النظام.
الرعاية الصحية أداة للقتل
ورصدت منظمات حقوق الإنسان ما وصفته بأنه قتل بطيء عبر حرمان متعمد من الرعاية الصحية الأساسية، فبين 16 و25 سبتمبر 2025، وثقت منظمات حقوقية مستقلة وفاة ثلاث معتقلات داخل سجن قرتشك بطهران بسبب الإهمال الطبي المتعمد ورفض نقلهن إلى مرافق صحية خارجية في الوقت المناسب.
الضحايا الثلاث هن: سمية رشيدي (45 عاماً) وجميلة عزيزي (38 عاماً) وسودابه أسدي (29 عاماً)، وجميعهن يعانين أمراضًا يمكن علاجها خارج أسوار السجن، لكن الرفض المتكرر للطلبات الطبية أدى إلى تدهور حاد في حالتهن وموتهن داخل الزنازين دون تدخل فعلي.. هذا الحادث لا يُنظر إليه كوقائع معزولة، بل كجزء من نمط متكرر من الإهمال الطبي الذي يطال المئات من السجينات داخل السجن.
منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش أكدت في تقاريرها للعامين 2025 و2026 أن هذا الإهمال لا يخالف فقط التشريعات المحلية، بل يمثل انتهاكاً صارخاً للمعايير الأساسية للأمم المتحدة المتعلقة بمعاملة السجناء، بما في ذلك قواعد نيلسون مانديلا التي تفرض توفير رعاية صحية كاملة للمحتجزين دون تمييز أو تأخير.
وتُظهر الإحصاءات أن 68% من السجينات داخل قرتشك يعانين من أمراض مزمنة (مثل السكري وأمراض القلب وأمراض الجهاز التنفسي)، وغالباً ما تُحرم هؤلاء من الأدوية الأساسية أو الزيارات الطبية المنتظمة، في خرق واضح للمعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تؤكد أن “الصحة حق أساسي للمحتجزين”.
مؤسسة عقابية بلا تجهيزات
فسجن قرتشك ليس مجرد مكان احتجاز، بل بنية بنيت في الأصل لأغراض غير إصلاحية، ثم أُعيد تحويلها إلى مؤسسة عقابية بلا تجهيزات أساسية، فالمبنى يفتقر إلى نوافذ تُتيح دخول الهواء النقي، وتغيب عنه نظم التهوية الكافية، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات الرطوبة والحرارة داخل الزنزانات، في حين تنتشر القوارض والحشرات بشكل مكثف يزيد من مخاطر الأمراض المعدية.
وفق بيانات مركز حقوق الإنسان في إيران لعام 2026، فإن 74% من السجينات يفتقرن إلى وصول منتظم للمرافق الصحية، كما أن المياه النظيفة غير متوفرة باستمرار، فيما تتعطل الكهرباء لساعات طويلة يومياً هذه الظروف تزيد معاناة النساء المصابات بأمراض مزمنة، وكبار السن، بل وتشمل أمهات يحملن أطفالاً يعيشون معهن حتى سن مبكرة داخل السجن، في خرق صارخ لالتزامات الجمهورية الإسلامية بموجب اتفاقية حقوق الطفل التي تلزم الدولة بحماية الأطفال حتى سن الثانية بعيدًا عن بيئات تهدد حياتهم وصحتهم.
وأشارت لجنة النساء بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية أشارت في تقريرها الأخير إلى أن 82% من المعتقلات يعانين من أعراض نفسية حادة نتيجة هذه الظروف، ما يعد مؤشرًا قاطعًا على أن السجن لا يقتصر تأثيره على الجسد فقط، بل يمتد إلى الروح والعقل.
وسط هذا المشهد، تواصل السلطات القضائية الإيرانية نفي التقارير الحقوقية وتصويرها على أنها “شائعات”.
لكن شهادات المتقاعدين من السجن، والمحامين، والأقارب، تدحض هذا الإنكار، معتبرة أن ما يحدث في قرتشك “تعذيبًا بطيئًا” يُهدد حياة المعتقلات بشكل مباشر، ويتجاوز حدود القانون إلى الإجرام المؤسسي.
المعاناة بين الإهمال والتنكيل
قال الدكتور محمد محسن أبو النور، الباحث الدولي في الشؤون الإيرانية، إن التقارير الحقوقية الأخيرة التي تناولت أوضاع المعتقلات في سجن قرتشك تكشف عن ظروف معيشية وصحية بالغة الصعوبة، قد ترقى إلى مستوى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
وأضاف في تصريحات لـ”صفر”، أن سجن قرتشك يُعد من أكثر مراكز الاحتجاز إثارة للجدل الحقوقي في إيران خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن تقارير صادرة عن منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وثقت تكدساً شديداً للنزلاء، ورداءة مرافق الصرف الصحي، ونقصاً واضحاً في الرعاية الطبية والغذاء الملائم، خاصة بعد جائحة كورونا، وهو ما أكدته دراسة أجراها حول سجون إيران.
وأوضح أبو النور أن هذه الظروف تتعارض بوضوح مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، كما نصت عليها قواعد نيلسون مانديلا، التي تشدد على ضرورة توفير مساحة كافية للنزلاء، ورعاية صحية منتظمة، وظروف معيشية تحفظ الكرامة الإنسانية.
وأضاف أن التعريفات المعتمدة في اتفاقية مناهضة التعذيب تؤكد أن الازدحام المفرط، وحرمان السجينات من العلاج، وغياب الحد الأدنى من النظافة والخدمات الأساسية قد تُصنف قانونياً كـ”معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة”.
وأشار إلى أن القانون الدولي لا يشترط وجود عنف جسدي مباشر لاعتبار الوضع انتهاكاً خطيراً، إذ يمكن للإهمال المتعمد أو الظروف غير الإنسانية أن تشكل انتهاكاً إذا تسببت في معاناة شديدة أو مسّت بكرامة الإنسان بشكل منهجي.
وقال أبو النور إن العديد من الشهادات الصادرة عن معتقلات سابقات أو أسر السجينات تشير إلى أن الأوضاع في سجن قرتشك لا تعكس مجرد خللاً إدارياً، بل نمطاً متكرراً من التضييق يستهدف السجينات المرتبطات بقضايا سياسية أو نشاطات مدنية.
وأضاف أبو النور أن الاحتجاز في بيئة مكتظة وتفتقر للتهوية والنظافة والرعاية الطبية له آثار صحية خطيرة، منها انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية، وسوء التغذية، وتفاقم الأمراض المزمنة غير المعالجة، وهو ما تشير إليه دراسات طب السجون التي تؤكد أن هذه الظروف تحوّل أماكن الاحتجاز إلى بيئات خصبة لانتشار العدوى والأمراض المزمنة.
وأشار أبو النور إلى أن المجتمع الدولي يمتلك أدوات عدة للضغط من أجل تحسين هذه الأوضاع، منها آليات الرصد التابعة للأمم المتحدة، والتقارير الحقوقية، والضغط الدبلوماسي، والعقوبات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، وحملات المناصرة الإعلامية.
واختتم أبو النور تصريحه بالتأكيد أن “الشفافية، والمراقبة المستقلة، والضغط الدولي المنسق” تبقى أدوات حيوية لحماية حقوق السجناء في إيران، وضمان أن ظروف الاحتجاز لا تتحول إلى أدوات للضغط النفسي والسياسي ضد الفئات الضعيفة والمعتقلات السياسيات.
اكتظاظ وتنكيل ممنهج
قالت خلود عبد الحفيظ، الباحثة في الشؤون الإيرانية، إن التقارير الحقوقية الأخيرة عن أوضاع السجناء في سجن قرتشك جنوب طهران تكشف عن أزمة حقيقية في منظومة الاحتجاز الإيرانية، خصوصًا بالنسبة للسجينات.
وأضافت في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن “السجن كان في الأصل مزرعة دواجن تم تحويلها إلى مركز احتجاز، وهو ما يفسر البنية غير الملائمة وعدم قدرتها على استيعاب العدد الفعلي للمحتجزات، الذي يتراوح غالبًا بين 1500 و2000 سجينة، رغم أن الطاقة الاستيعابية الرسمية لا تتجاوز نحو 500.”
وأشارت إلى أن الاكتظاظ الشديد يؤدي إلى ظاهرة “النوم على الأرض” أو ما يعرف بـ”كفخوابی”، حيث تضطر العديد من السجينات للنوم في ظروف غير إنسانية.
وأضافت أن “العنابر تعاني من نقص حاد في المرافق الصحية، فقد تضطر 150 سجينة لاستخدام مرحاضين أو ثلاثة فقط، بينما المياه غالبًا ما تكون مالحة وغير صالحة للشرب، كما تنتشر الحشرات والقوارض وتسرب مياه الصرف الصحي داخل بعض الأقسام.”
وأكدت أن هذه الظروف، وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وخاصة قواعد نيلسون مانديلا والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، “قد تصنف كمعاملة قاسية أو لاإنسانية، لأن المعايير الدولية تشترط توفير مساحة كافية للسجين، ومياه صالحة للشرب، وغذاء مناسب، ورعاية صحية على مستوى ما هو متاح خارج السجن”.
وأضافت أن “الخبراء الحقوقيين يرون أن الأوضاع في قرتشك تقترب في بعض الحالات من مستوى التعذيب غير المباشر الناتج عن الإهمال المتعمد”.
وأشارت د. عبد الحفيظ إلى أن الاكتظاظ وغياب الحد الأدنى من الخدمات الأساسية له آثار جسدية ونفسية خطيرة على المدى القريب والبعيد، موضحة أن “الازدحام وسوء التهوية يزيدان خطر انتشار الأمراض المعدية، بينما شرب المياه الملوثة يرفع معدلات أمراض الجهاز الهضمي وحصوات الكلى، وسوء التغذية يؤدي إلى فقر الدم وضعف المناعة”.
وحول الالتزامات القانونية لإيران، قالت د. عبد الحفيظ، إن “إيران ملزمة بالمعاهدات الدولية المتعلقة بمعاملة السجناء، فهي طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي ينص على ضرورة معاملة جميع المحتجزين مع احترام كرامتهم الإنسانية، كما تُعد قواعد نيلسون مانديلا المرجع الأساسي لمعاملة السجناء، وقواعد بانكوك تضيف معايير خاصة بالسجينات”.
وأضافت أن “الواقع في قرتشك، من حيث الاكتظاظ وتلوث المياه والطعام ونقص الرعاية الطبية، يظهر فجوة كبيرة بين الالتزامات القانونية الدولية والواقع الفعلي، وهو ما يمثل انتهاكًا واضحًا للمعاهدات الدولية”.
وأشارت د. عبد الحفيظ إلى أن المجتمع الدولي يعتمد على أدوات غير مباشرة للضغط، مثل آليات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والعقوبات الحقوقية المستهدفة، والإعلام، موضحة أن “التغطية الإعلامية المكثفة قد تسهم أحيانًا في تحسين ظروف بعض السجناء أو نقلهم إلى أماكن أفضل أو الإفراج عنهم لأسباب صحية، رغم أن هذه الأدوات لا تضمن تغييرًا سريعًا، إلا أنها تبقى وسيلة مهمة للحد من الانتهاكات”.

