منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سجن بلا قانون.. “بئر الغنم” جحيم المهاجرين في قلب ليبيا

19 مارس 2026
احتجاز المهاجرين في ليبيا
احتجاز المهاجرين في ليبيا

في غرب العاصمة الليبية طرابلس، يشكل مركز احتجاز بئر الغنم نموذجًا صارخًا للانتهاكات الجسيمة لحقوق المهاجرين واللاجئين، إذ لا يقتصر الأمر على الاحتجاز التعسفي، بل يمتد إلى معاملة قاسية وبيئة إنسانية مزرية، وسط غياب كامل للرقابة المستقلة، ما يجعل هذا السجن أحد أكثر أماكن الاحتجاز التي أثارت القلق الحقوقي والدولي في السنوات الأخيرة

ويُعرّف المركز رسميًا على أنه منشأة حكومية تتبع إدارة مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا، لكنه في الواقع، وفق تقارير حقوقية ومصادر محلية ودولية، يشهد ظروفًا إنسانية متدهورة تفتقر إلى أبسط معايير الكرامة الإنسانية.

ظروف احتجاز غير آدمية

وفقًا لتقارير الأمم المتحدة المشتركة بين المفوضية السامية لحقوق الإنسان ومكتب مفوضية اللاجئين، “فبراير 2026″، يعيش السجناء في بئر الغنم في مساحات مكتظة وأجنحة معدنية غير مهيأة للمعيشة الإنسانية، تفتقر إلى مرافق المياه النظيفة، فيما يعاني المحتجزون من سوء التغذية وغياب الرعاية الصحية الأساسية.

ويعيش سجناء بئر الغنم في ظروف خطرة، حيث ترتفع درجات الحرارة صيفًا وتنخفض بشدة شتاءً، في بيئة تفتقر إلى أي سبل تهوية أو تدابير سلامة أساسية، ما يجعل المخاطر الصحية والنفسية متواصلة.

ويدير بئر الغنم رسميًا جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة، إلا أن السيطرة الفعلية على إدارة المكان لا تزال محل تساؤل، إذ تشير تقارير حقوقية إلى أن جهات غير حكومية، بما في ذلك جماعات مسلحة، تلعب أدوارًا مؤثرة في طريقة تشغيل المركز، وهو ما يعقد جهود الرقابة على أوضاع المحتجزين، ويعد هذا جزءًا من مشكلة أوسع تواجه مراكز الاحتجاز في ليبيا بشكل عام، حيث تسود الفوضى الإدارية وتغيب الآليات الفعالة للمساءلة والشفافية.

عدد المحتجزين وأنواعهم

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن المركز يحتجز نحو 600 مهاجر من جنسيات متنوعة، بينهم رجال ونساء وأطفال، رغم أن القانون الدولي يحظر احتجاز الأطفال ضمن مرافق لا تراعي خصوصياتهم وحقوقهم الأساسية بحسب تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان، فبراير 2026.

وتتنوع جنسيات المهاجرين المحتجزين داخل المركز ما بين دول عربية وإفريقية وآسيوية، إلا أن غالبيتهم تجمعهم صفة مهاجر عبر البحر المتوسط أو تم اعتراضهم أثناء تنقلهم داخل ليبيا، في غياب أي ضمانات قانونية أو معلومات واضحة حول مصيرهم.

ودفعت الظروف في هذا المركز بعض سفارات الدول إلى التدخل بشكل مباشر، مع زيارة بعثات دبلوماسية المكان للتفقد والإفراج عن رعاياها الذين وقعوا في دائرة الاحتجاز، في حين بقي البعض الآخر مجهول المصير لأيام أو أسابيع دون معلومات واضحة لعائلاتهم.

وأفادت عائلات بعض المحتجزين بأنه طُلب منهم دفع مبالغ مالية كبيرة مقابل إطلاق سراح ذويهم، في ممارسات تمثل استغلالاً صريحًا لمعاناتهم، وقد تصل مبالغ الفدية المطلوبة في بعض الحالات إلى ما يعادل آلاف الدولارات.

وأثارت هذه الحالات انتقادات حقوقية واسعة، معتبرة أن احتجاز القاصرين دون حماية خاصة واحتجاز الأشخاص لأمد غير محدد دون توجيه تهم قضائية واضحة يمثلان خرقين صارخين للمعايير الدولية.

انتهاكات موثقة

ويعد نقص الغذاء والرعاية الصحية من أبرز المشكلات التي تواجه المهاجرين المحتجزين في بئر الغنم، إذ يتعرض كثير منهم لسوء التغذية، بينما يعجز البعض عن الحصول على علاج مناسب لأمراض مزمنة بسبب غياب الرعاية الطبية داخل المركز، بحسب تقرير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا فبراير 2026.

وأشار التقرير إلى انتشار أعراض سوء التغذية والالتهابات الجلدية بين المحتجزين بسبب نقص النظافة والخدمات الصحية الأساسية، في حين يتفاقم الوضع في ظل درجات الحرارة المرتفعة في الصيف والبرد القارس في الشتاء.

ولا تغيب عن الصورة تقارير تفيد بوقوع حالات استغلال جنسي أو اعتداءات غير إنسانية بحق بعض المحتجزين، بمن فيهم النساء والأطفال، حيث يمارس عناصر مرتبطون بالمركز أو مجموعات مسلحة محلية القمع الجسدي المستمر بحق المعتقلين، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام حقوق الإنسان في هذه المنشأة.

مثل هذه الانتهاكات تتناقض مع التزامات ليبيا بموجب القانون الدولي والاتفاقيات المتعلقة بحماية حقوق المهاجرين وغيرهم من الأشخاص المحتجزين.

تداعيات إنسانية عميقة

المعاناة داخل بئر الغنم لا تنتهي عند حدود الجدران والأسلاك الشائكة، فالاحتجاز في مثل هذه الظروف له تأثيرات نفسية وجسدية طويلة الأمد على المحتجزين، إذ يشكل الاحتجاز الطويل في بيئة قاسية تهديدًا مباشرًا لحقوق الإنسان الأساسية.

ويعاني كثير من المحتجزين من مشكلات نفسية جراء الاعتقالات التعسفية وعدم وضوح المستقبل، إضافة إلى الآثار الصحية الناجمة عن نقص الرعاية والغذاء والمياه النظيفة.

تؤكد منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، منها منظمة حقوق الإنسان الليبية، أن استمرار الوضع على ما هو عليه في بئر الغنم يعكس هشاشة الأطر القانونية والإدارية في ليبيا لإدارة مرافق الاحتجاز ومعالجة ملف الهجرة بشكل إنساني يحترم القانون الدولي.

وتدعو المنظمات إلى ضرورة نقل المحتجزين إلى مرافق تفي بالمعايير الدولية، وضمان عدم احتجاز القاصرين في ظروف لا تراعي حقوقهم الخاصة، إضافة إلى وضع آليات مستقلة لرصد أوضاع المحتجزين والتحقيق في الانتهاكات المحتملة.

ردود فعل دولية

منظمة الأمم المتحدة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين أكدت مرارًا القلق الشديد إزاء الأوضاع في المراكز الليبية، داعية إلى ضمان وصول المراقبين الدوليين، وتحسين الظروف الإنسانية، وإنهاء الاحتجاز التعسفي، وحماية القاصرين والفئات الضعيفة.

كما حذّرت من أن استمرار هذه الانتهاكات يمثل خرقًا للالتزامات الدولية لليبيا، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقيات حقوق الطفل والمهاجرين.

يبقى مركز احتجاز بئر الغنم علامة على أوجه القصور الإنسانية والقانونية في ليبيا، إذ إن استمرار هذه الانتهاكات من دون إصلاحات أو رقابة فعالة يعرض المحتجزين لخطر دائم، ويخالف المعايير الدولية، لتظل الدعوات الدولية مستمرة لضمان احترام حقوق المهاجرين، وحماية الفئات الضعيفة، وإنهاء الاحتجاز التعسفي، بما يضمن كرامة الإنسان وحقه في المعاملة الإنسانية.