منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية عميقة لقضايا حقوق الإنسان

خطابات ترامب.. تاريخ من التصريحات العنصرية

12 مارس 2026

وصفت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري (CERD) بعض خطابات وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالعنصرية، محذرة من أنه يغذي انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، خاصة ضد المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

وأكدت اللجنة أن استخدام لغة مهينة وصور نمطية ضارة في الخطاب السياسي يمكن أن يعزز التعصب ويحفز جرائم الكراهية والتمييز العنصري، داعية السلطات الأمريكية إلى تحمل مسؤولياتها القانونية وإدانة خطاب الكراهية بشكل علني، وإجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المرتبطة بسياسات الهجرة.

وركز الرئيس ترامب في كثير من خطاباته على تقديم نفسه كمدافع عن مصالح “الشعب الأمريكي”، مقسمًا المجتمع إلى “نحن” و”هم”، في إشارة إلى الأمريكيين البيض والمهاجرين والأقليات، واستخدم “لغة عدائية” في تصوير المهاجرين كتهديد أمني وثقافي، وخاصة عند الحديث عن الحدود الجنوبية، ما ساهم في نزع الصفة الإنسانية عنهم بحسب مركز بيو للأبحاث.

كما أثارت تصريحاته بعد احتجاجات شارلوتيسفيل عام 2017 جدلاً واسعًا، حين صرح بوجود “أشخاص طيبين جدًا من كلا الجانبين”، وهو ما اعتبره الكثيرون مساواة بين اليمينيين المتطرفين من داعمي تفوق البيض والمحتجين ضدهم، ما عزز الاتهامات بالعنصرية وفق مركز بيو للأبحاث.

ارتبط صعود ترامب السياسي أيضًا بمشاعر القومية والاستياء العرقي، بحسب استطلاعات راي عام 2017 والتي أكدت أن نحو 45% من الناخبين اعتبروه عنصريًا، وتجسد هذا الخطاب في العديد من التصريحات المثيرة للجدل، مثل استخدامه لعبارة “حفر القذارة” لوصف دول مثل هايتي والسلفادور خلال اجتماع حول الهجرة عام 2018، وهو ما أثار إدانات دولية واسعة، كما وجه هجومًا صريحًا على النائبات الديمقراطيات من أصول أجنبية عام 2019، مطالبًا إياهن بـ”العودة من حيث أتين”، فيما اعتبر استخدامه لمصطلحات مثل “الفيروس الصيني” أو “كونغ فلو” خلال أزمة كورونا تحريضًا ضد الآسيويين بحسب ما أوردته كل من صحيفة واشنطن بوست وشبكة سي إن إن.

وفي حملته الانتخابية لعام 2024، شهد الخطاب تصعيدًا أكبر في العنف اللفظي ونزع الصفة الإنسانية عن المهاجرين، مع تكرار خطاب أقرب إلى الإيديولوجيات المتطرفة، ما يعكس توجهًا أكثر قسوة في خطاباته العنصرية مقارنة بفترة رئاسته السابقة، ويشير هذا التصاعد إلى استمرار استخدام ترامب للخطاب الشعبوي والتحريضي كأداة أساسية لكسب التأييد السياسي، مستفيدًا من الانقسامات العرقية والاجتماعية في المجتمع الأمريكي بحسب ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز ومجلة ذا أتلانتيك.

تحذيرات أممية من تداعيات خطابات الكراهية

وحذرت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري (CERD) من أن خطاب الكراهية العنصري الذي يتبناه بعض القادة السياسيين في الولايات المتحدة يسهم في تأجيج انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، خاصة ضد المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وأعربت اللجنة عن قلقها إزاء استخدام لغة مهينة وصور نمطية ضارة تستهدف هذه الفئات، مشيرة إلى أن وصف المهاجرين بأنهم “مجرمون” أو “عبء” يمكن أن يغذي التعصب ويحفز جرائم الكراهية والتمييز العنصري، كما دعت اللجنة السلطات الأمريكية إلى تحمل مسؤولياتها القانونية وإدانة خطاب الكراهية بشكل علني، إضافة إلى إجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المرتبطة بسياسات الهجرة.

حجم الأزمة

تشير بيانات لجنة الأمم المتحدة إلى أن ما لا يقل عن 675 ألف شخص رُحّلوا من الولايات المتحدة منذ يناير 2025، وهو التاريخ الذي عاد فيه دونالد ترامب إلى السلطة، في إطار حملة واسعة لتشديد سياسات الهجرة، كما أشار التقرير الأممي إلى مقتل ثمانية أشخاص على الأقل خلال عمليات نفذتها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية أو أثناء احتجازهم لديها خلال الفترة نفسها، وهذه الأرقام تعكس اتجاهاً متصاعداً نحو استخدام القوة والإجراءات الأمنية الصارمة في إدارة ملف الهجرة، وهو ما يثير مخاوف بشأن احترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وأوجدت حملة ترامب المناهضة للهجرة بيئة من الخوف بعد أن استخدم حالات احتيال فردية ذريعة لاستهداف المهاجرين، وواجه ترامب مؤخرا انتقادات بعد أن نشر أحد حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يصور الرئيس السابق باراك أوباما وزوجته ميشيل أوباما بشكل عنصري.

التنميط العنصري في سياسات الهجرة

أعربت لجنة الأمم المتحدة عن قلقها من الاستخدام المنهجي للتنميط العنصري من قبل عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، حيث تشير التقارير إلى أن الأشخاص من أصول لاتينية أو إفريقية أو آسيوية يتعرضون بشكل أكبر للتحقق من الهوية أو الاحتجاز المؤقت خلال حملات مكافحة الهجرة، كما ذكرت اللجنة أن عمليات التفتيش التعسفية والاعتقالات الواسعة قد طالت في بعض الحالات أشخاصاً لمجرد الاشتباه بأنهم مهاجرون غير نظاميين، وهو ما قد يتعارض مع المبادئ الأساسية للعدالة وحقوق الإنسان.

ارتفاع جرائم الكراهية

تزامناً مع تصاعد الخطاب السياسي المتشدد حول الهجرة، سجلت الولايات المتحدة ارتفاعاً ملحوظاً في جرائم الكراهية خلال السنوات الأخيرة، فقد أفادت بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) بأن عدد جرائم الكراهية المبلغ عنها بلغ أكثر من 11 ألف حادثة عام 2022، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ بدء جمع هذه البيانات قبل عقود، وتشير التقارير إلى أن نسبة كبيرة من هذه الجرائم استهدفت أشخاصاً على أساس العرق أو الأصل القومي أو الدين، ما يعكس تصاعد التوترات الاجتماعية المرتبطة بخطابات سياسية وإعلامية حادة.

انتقادات حقوقية

وجهت منظمات حقوقية دولية مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش انتقادات حادة لسياسات الهجرة المرتبطة بخطاب الرئيس دونالد ترامب السياسي، فقد اعتبرت تلك المنظمات أن تصوير المهاجرين كتهديد أمني أو اقتصادي قد يؤدي إلى تبرير سياسات تقييدية تشمل الاحتجاز المطول والترحيل السريع، كما حذرت من أن الخطاب السياسي الذي يربط بين الهجرة والجريمة قد يسهم في خلق مناخ اجتماعي يسمح بتصاعد التمييز والعنف ضد الأقليات.

تأثيرات إنسانية على المجتمعات المهاجرة

لا تقتصر آثار الخطاب السياسي على الجدل الإعلامي، بل تمتد إلى الحياة اليومية للمجتمعات المهاجرة، فقد أظهرت دراسات اجتماعية أن تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين أدى إلى زيادة مشاعر الخوف وعدم الأمان بين العديد من الأسر المهاجرة في الولايات المتحدة، خاصة تلك التي تضم أفراداً غير حاصلين على وثائق قانونية، كما أفادت تقارير حقوقية بأن بعض الأسر امتنعت عن طلب الخدمات الصحية أو التعليمية خشية التعرض للاعتقال أو الترحيل وفق الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية.

التمييز في السياسة الأمريكية

بحسب معهد بروكينغز لم يكن الجدل حول الخطاب العنصري في السياسة الأمريكية ظاهرة جديدة، إذ شهدت الولايات المتحدة خلال القرن العشرين صراعات طويلة بشأن الحقوق المدنية والتمييز العرقي، وقد أسهمت قوانين مثل قانون الحقوق المدنية لعام 1964 في الحد من التمييز القانوني، إلا أن التوترات العرقية ظلت حاضرة في الخطاب السياسي والاجتماعي، ويرى باحثون أن تصاعد الشعبوية السياسية في العقد الأخير أعاد إحياء بعض الخطابات التي تركز على الهوية القومية والهجرة، ما أدى إلى عودة النقاش حول حدود حرية التعبير وتأثيرها على حقوق الإنسان.

القانون الدولي ومواجهة خطاب الكراهية

وفق الأمم المتحدة ينص القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، على ضرورة اتخاذ الدول إجراءات فعالة لمنع خطاب الكراهية والتحريض على التمييز، وتشدد الاتفاقية على مسؤولية الحكومات في إدانة الخطاب العنصري ومعاقبة الجرائم المرتبطة به، إضافة إلى حماية الفئات الأكثر عرضة للتمييز، ويرى خبراء القانون الدولي أن التحدي الأكبر يتمثل في تحقيق التوازن بين حماية حرية التعبير ومنع التحريض على الكراهية والعنف.

أزمة تتجاوز حدود الولايات المتحدة

تأثير الخطاب السياسي الأمريكي لا يقتصر على الداخل، بل يمتد إلى الساحة الدولية بسبب الدور العالمي الذي تلعبه الولايات المتحدة، ففي عصر الإعلام الرقمي تنتقل الرسائل السياسية بسرعة عبر الحدود، ما قد يؤثر على النقاشات السياسية في دول أخرى، ولهذا السبب يحذر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة من أن انتشار خطاب الكراهية في الخطاب السياسي قد يشجع حركات شعبوية مماثلة في أماكن مختلفة من العالم، الأمر الذي قد يضع منظومة حقوق الإنسان الدولية أمام تحديات متزايدة.

تكشف التقارير الدولية أن الجدل حول خطابات ترامب لا يتعلق فقط بالسياسة أو الخطاب الإعلامي، بل يرتبط بشكل مباشر بحياة ملايين الأشخاص من المهاجرين والأقليات الذين قد يتأثرون بالسياسات والقرارات الناتجة عن هذا الخطاب، ومع استمرار النقاش العالمي حول دور اللغة السياسية في تشكيل السياسات العامة، يبقى السؤال المطروح هو كيفية حماية القيم الأساسية لحقوق الإنسان في مواجهة تصاعد خطاب الكراهية في المجال العام.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية