منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

حين يفلت مجلس الأمن من دوره.. يصبح إصلاح الأمم المتحدة ضرورة

30 مارس 2026
جندي حفظ سلام فرنسي ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان
جندي حفظ سلام فرنسي ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان

لويز إيناسيو لولا دا سيلفا

كل انتهاك جديد للقانون الدولي يفتح الباب لانتهاك آخر، من أفغانستان إلى أوكرانيا، مروراً بالعراق وليبيا وسوريا وغزة وفنزويلا، أرى كيف تلاشت تدريجياً الحدود بين ما هو مسموح وما هو محظور، بفعل عجز -بل تواطؤ- مجلس الأمن الدولي.

يستخدم الأعضاء الدائمون حق النقض كدرع حيناً وكأداة هجومية حيناً آخر، وغالباً ما يتحركون بعيداً عن روح ميثاق الأمم المتحدة، وكأن مصائر ملايين البشر مجرد أوراق على طاولة لعبة كبرى، تُخلّف وراءها الموت والدمار.

في السابق، كان هناك على الأقل حرص على إضفاء غطاء من الشرعية على التدخلات عبر الأمم المتحدة، أما اليوم فلم يعد أحد حتى يكترث بالمظاهر، لقد أصبحت قواعد النظام الدولي أضيق من أن تحتوي صراعات الهيمنة، وإذا فقدنا التعددية فإننا لا نستبدل نظاماً ناقصاً للأمن الجماعي، بل نستبدله بفوضى عارمة، حيث يسود منطق القوة بلا قيود.

العالم اليوم يشهد أعلى عدد من النزاعات المسلحة منذ الحرب العالمية الثانية، وليس من قبيل الصدفة أن يحدث ذلك في لحظة تقف فيها الديمقراطية عند مفترق طرق، فالتطرف يغذي نفسه؛ وهو البداية والنهاية في دائرة مفرغة، فحين تنجرف الحكومات إلى الحروب بدافع التعصب أو غرور القوة، فإنها تزرع بذور الكراهية التي تنبت مزيداً من العنف.

وفي ظل التقدم التكنولوجي، أجد نفسي أمام أسئلة أخلاقية مقلقة، الذكاء الاصطناعي بات يشارك في تحديد الأهداف العسكرية، دون أطر قانونية أو أخلاقية واضحة، ومبادئ القانون الإنساني الدولي، خصوصاً التمييز بين المدنيين والمقاتلين، أصبحت مهددة بشكل خطير. وكالعادة، النساء والأطفال هم من يدفعون الثمن الأكبر.

نحن نعيش سباق تسلح متصاعداً، تُنفق فيه الدول تريليونات الدولارات -نحو 2.7 تريليون دولار عالمياً- على السلاح، بدلاً من توجيه هذه الموارد لمكافحة الفقر والجوع أو مواجهة أزمة المناخ أو ضمان التعليم للجميع.. والأسوأ من ذلك هو استخدام الجوع كسلاح حرب، والتعامل مع التهجير القسري كأمر اعتيادي بلا مساءلة.

لا القنابل ولا الطائرات المسيّرة ولا الصواريخ يمكنها حماية الاقتصاد من تداعيات الحروب، أسعار النفط تتقلب، الطاقة تصبح أغلى أو حتى غير متاحة، التجارة تُخنق، أسعار الغذاء ترتفع، والتضخم يتصاعد.. البنوك المركزية ترفع الفائدة، فتزداد الديون، وتضيع فرص الاستثمار والعمل.

أرى أيضاً كيف أصبحت الإجراءات الأحادية، وانتهاك السيادة، وعمليات القتل خارج القانون، أموراً شبه طبيعية، بل إن دراسات تشير إلى أن العقوبات غير المدعومة من الأمم المتحدة -خاصة الاقتصادية- أسهمت في مئات الآلاف من الوفيات سنوياً منذ سبعينيات القرن الماضي.

القوة المفرطة وعدم الاستقرار يسيران جنباً إلى جنب؛ عالم بلا قواعد هو عالم غير آمن، يمكن أن يصبح فيه أي طرف الضحية التالية؛ العنف لا يمكن أن يحل محل الحوار، والقوة لا يمكن أن تتفوق على الدبلوماسية.

إن الامتيازات التي يتمتع بها الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن أصبحت، في نظري، غير قابلة للتبرير في نظام دولي يفترض أن يقوم على المساواة بين الدول.. وعندما تُمارس هذه الامتيازات بشكل غير مسؤول، فإنها تصبح أمراً لا يُحتمل.

لقد حان الوقت لاتخاذ موقف حازم: إصلاح الأمم المتحدة، واستعادة قدرتها على الفعل، حتى لا تبقى مجرد شاهد صامت على أحداث تمسّنا جميعاً.

نقلاً عن الغارديان