منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

حملة لسد ثغرة خطِرة في القانون البريطاني

31 مارس 2026
رسم توضيحي: نيت كيتش
رسم توضيحي: نيت كيتش

باربرا سبيد

عندما قررت رايتشل رين أخيراً قطع علاقتها والاتصال بالشرطة، لم تأتِ ببلاغ عابر، بل بقائمة طويلة من الاتهامات.

قالت إن أجزاءً من حياتها كانت خاضعة للسيطرة، حيث فُرض عليها ما ترتديه، حتى طلاء أظافرها لم يسلم من القيود، وضُغط عليها للتنازل عن جزء من دخلها، وتلقت تهديدات مبطنة بأن مغادرتها ستجلب لها عواقب وخيمة.

لكن علاقة رايتشل لم تكن مع شريك عاطفي، بل مع جماعة دينية تُعرف باسم “الكنيسة العالمية لملكوت الله”، وهنا، بدا القانون عاجزاً. تقول اليوم بمرارة: “لو كان صديقي هو من فعل بي ما فعله راعي الكنيسة، لتمكنت الشرطة من التحقيق”.

الشرطة أقرت بتلقي بلاغات عن “مضايقات وسلوكيات مسيطرة مرتبطة بأنشطة احتيالية”، لكنها خلصت في النهاية إلى أنها لا ترقى إلى جرائم جنائية، في المقابل، نفت الكنيسة هذه الادعاءات بشكل قاطع، مؤكدة أنها لا تتدخل في حياة أعضائها الشخصية ولا تملي عليهم سلوكياتهم أو قراراتهم المالية.

في عام 2015، خطت إنجلترا وويلز خطوة رائدة حين جرّمتا “السيطرة القسرية” داخل العلاقات، في سابقة عالمية لحقتهما فيها اسكتلندا وأيرلندا الشمالية، وقد اعترف القانون حينها بأن العنف لا يقتصر على الجسد، بل قد يكون نفسياً: عزلاً، مراقبة، تحكماً مالياً.

لكن هذا الإنجاز ظل ناقصاً، فالقانون لا ينطبق إلا على العلاقات العاطفية أو الأسرية، ما يترك ضحايا السيطرة في الجماعات الدينية أو السياسية أو حتى العصابات خارج نطاق الحماية، وكأنهم ما زالوا يعيشون في عالم ما قبل 2015.

تجربة رايتشل مع الشرطة كشفت هذه الفجوة بوضوح قاسٍ، واليوم، أصبحت جزءاً من حملة تقودها “مؤسسة نجاة الأسرة” لتوسيع نطاق القانون ليشمل الجماعات والتنظيمات.
تقول عالمة النفس ألكسندرا شتاين إن الشرطة كثيراً ما تتعاطف مع الضحايا، لكنها تصطدم بغياب النص القانوني: “نأسف لما حدث لكِ.. لكن لا يوجد قانون يمكننا الاستناد إليه”.

أشد صور هذا النوع من السيطرة تظهر في “الطوائف المغلقة” وهي تنظيمات تقوم على هياكل صارمة وتعزل أعضاءها عن العالم الخارجي، ورغم أن كثيرين يعتقدون أنها ظاهرة من الماضي، تشير التقديرات إلى وجود نحو ألفي طائفة في المملكة المتحدة اليوم، تتخفى أحياناً في هيئة مراكز يوغا أو كنائس أو مجموعات تدريب حياتي.

صحيح أن تطبيق قانون السيطرة القسرية نفسه لا يزال محدوداً، وأن الإدانة القضائية فيه صعبة، لكن مجرد وجوده غيّر شيئاً مهماً: الاعتراف بأن هذا النمط من العنف حقيقي وخطِر. وقد ارتفع عدد الحالات المسجلة عشرة أضعاف بين 2017 و2023، في مؤشر على اتساع الوعي.

لورا ريتشاردز، التي لعبت دوراً محورياً في إدخال القانون، تقول إن إدراج الجماعات كان مطروحاً منذ البداية، لكن الحسابات السياسية أخّرته. “كان علينا أن نبدأ بما هو ممكن، ثم نعود لتوسيع القانون لاحقاً”.

الدافع وراء القانون كان واضحاً: معظم جرائم القتل الأسري سبقها نمط من السيطرة القسرية، وإذا جرى تجريم هذا النمط مبكراً، يمكن إيقاف الجناة قبل أن تتفاقم جرائمهم.

يروي الممثل إمريس كوبر كيف خضعت والدته لتجارب طبية على يد “معالج” مزعوم، دون أن تتدخل الشرطة، يقول بأسى: “لو كان هناك قانون، ربما كنا أنقذناها”.

اليوم، هناك حراك بطيء داخل البرلمان، ومقترحات لمناقشة “الإساءة الروحية” وأنماط السيطرة داخل الجماعات، لكن الطريق ليس سهلاً، فالحكومة ترى أن القانون صُمم أساساً للعلاقات الشخصية، ولا تنوي توسيعه حالياً.

يحذر بعض القانونيين من أن التوسع قد “يفتح أبواباً يصعب إغلاقها”، أو يُفسَّر على أنه مساس بحرية المؤسسات الدينية، ومع ذلك، يرى آخرون أن السيطرة القسرية هي جوهر خطورة هذه الجماعات، بل “الأساس الذي تقوم عليه”.

في غياب تعديل تشريعي، تظل العدالة انتقائية، فبعض الضحايا يحصلون على تعويضات خارج القضاء، كما حدث مع ضحايا “جيش يسوع”، لكن دون محاسبة قانونية حقيقية، بل قد ينتهي الأمر أحياناً بأن يحصل المتهمون على نصيب أكبر من أصول الجماعة.

ومع ذلك، يرى كثير من الناجين أن تغيير القانون ليس فقط مسألة عقاب، بل وعي، فكما غيّر قانون 2015 نظرة المجتمع للعنف الأسري، يمكن لتوسيع القانون أن يكشف أنماط السيطرة الخفية داخل الجماعات.

في النهاية، المشكلة ليست فقط في غياب النص، بل في طبيعة السيطرة نفسها، فهي لا تُرى بسهولة، ولا تُفهم من الخارج، وكثير من الضحايا سُئلوا السؤال ذاته: “لماذا لم تغادر؟” كما يُسأل ضحايا العنف المنزلي دائماً.

لكن الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: حين تتحول السيطرة إلى نظام يومي يطوّق حياتك، لا يصبح الخروج قراراً سهلاً.

إحدى الناجيات لخّصت الأمر بكلمات موجعة: “لم يكن العنف هو الأسوأ.. بل السيطرة، هذا الذي ما زلت أحاول التعايش معه حتى اليوم”.

نقلاً عن الجارديان