منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

“جمركة الهواتف” في موريتانيا.. أزمة حقوقية واتهامات بتسريب بيانات المواطنين

18 مارس 2026
الرسوم الجمركية على الهواتف مدرجة في الميزانيات منذ عام 2000
الرسوم الجمركية على الهواتف مدرجة في الميزانيات منذ عام 2000

تحولت قضية جمركة الهواتف المحمولة في موريتانيا خلال الأسابيع الأخيرة إلى ملف اقتصادي – حقوقي معقد يتجاوز كونه إجراءً تنظيمياً إلى نقاش أوسع حول العدالة الضريبية، والسيادة الرقمية، وحقوق المواطنين في الخصوصية والوصول إلى التكنولوجيا.

وتؤكد السلطات الموريتانية أن القرار لا يتعلق بفرض ضرائب جديدة، بل بتفعيل رسوم قائمة منذ سنوات.

وذكر المدير العام للميزانية، أحمد ابه، أن الرسوم الجمركية على الهواتف مدرجة في الميزانيات منذ عام 2000، وخفضت الحكومة الرسوم على الهواتف الذكية إلى 30.5% بعد أن كانت 32%، وحُددت الرسوم على الهواتف العادية عند 12%.

وأوضح أحمد ابه أن ضعف التصريح بالواردات حرم الدولة من موارد مالية مهمة، مشدداً على أن تحصيل الضرائب يمثل مورداً أساسياً لتمويل الخدمات العامة.

اختلال النظام الجبائي

بحسب تحليل الخبير الاقتصادي ووزير الاقتصاد السابق أشبيه ولد الشيخ ماء العينين، تمثل الإيرادات الضريبية نحو 56.5% من موارد الميزانية، منها 25.1% ضرائب على السلع والخدمات، ولا تتجاوز إسهامات أرباح الشركات 10%، ولا تتجاوز إسهامات الصناعات الاستخراجية 10%.

كما تبلغ إيرادات ميزانية 2026 نحو 128.79 مليار أوقية جديدة، ما يعكس -وفق خبراء- اعتماداً كبيراً على الضرائب غير المباشرة التي يتحملها المواطن.

وفي السياق نفسه، ذكرت تقديرات خبراء اقتصاد أن موريتانيا تخسر سنوياً بين 0.8 و1.2 مليار دولار بسبب التهرب الجمركي، وضعف التصريح في قطاع الصيد، وممارسات التحسين الضريبي في قطاع المعادن، واقتصاد غير رسمي يفاقم الأزمة.

النشاط الاقتصادي بموريتانيا

وتشير المعطيات إلى أن نحو 47% من النشاط الاقتصادي في موريتانيا غير مصنف ولا يخضع للضرائب، ما يؤدي إلى تركّز العبء الضريبي على 53% فقط من الاقتصاد، ووصول الضغط الضريبي الفعلي إلى أكثر من 31% على الفئات الملتزمة، وهو ما يفسر شعور قطاعات واسعة بأن الضرائب مرتفعة رغم المؤشرات الرسمية.

وتكتسب القضية حساسية خاصة بالنظر إلى أهمية قطاع الاتصالات، حيث إن موريتانيا بها نحو 4.7 ملايين مستخدم للهاتف المحمول، وأكثر من 2 مليون مستخدم للهواتف الذكية للوصول إلى الإنترنت.

ويحذر فاعلون في السوق من أن تطبيق الرسوم قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الهواتف بين 20% و40%، وتراجع القدرة الشرائية، وتأثر آلاف فرص العمل في قطاع التجارة والصيانة

مخاوف السيادة الرقمية والبيانات

تصاعد الجدل بعد اتهامات من معارضين بأن النظام التقني لتحصيل الرسوم قد يرتبط بشركات أجنبية، ما أثار مخاوف تتعلق ببيانات المستخدمين.

وفي هذا السياق، حذر حزب الصواب من أن قواعد بيانات المواطنين تمثل ركيزة من ركائز الأمن القومي، ومن أن أي وصول خارجي لها يشكل مخاطرة استراتيجية، وطالب بفتح تحقيق شفاف حول الجهات التقنية المشرفة على النظام.

وتثير هذه القضية تساؤلات تتعلق بالمعايير الدولية، خاصة فيما يتعلق بحماية البيانات والحق في الخصوصية.

وتنص المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على عدم جواز تعرّض أي شخص لتدخل تعسفي أو غير قانوني في حياته الخاصة أو مراسلاته.

كما يؤكد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في قراراته بشأن الحقوق الرقمية أن حماية الخصوصية تنطبق على الفضاء الرقمي كما في الحياة الواقعية، وجمع البيانات يجب أن يكون ضرورياً ومتناسباً ومحدداً قانوناً.

مواقف المنظمات الحقوقية

حذرت عدة منظمات حقوقية من مخاطر التوسع في جمع البيانات دون ضمانات، حيث أكدت منظمة العفو الدولية أن استخدام التقنيات الرقمية في إدارة الخدمات أو الضرائب يجب ألا يتحول إلى أداة للمراقبة أو انتهاك الخصوصية.

وذكرت هيومن رايتس ووتش أن أي نظام يعتمد على بيانات المستخدمين يجب أن يخضع لرقابة قانونية صارمة وضمانات شفافة.

كما شدد الاتحاد الدولي للاتصالات على أهمية حماية بيانات المستخدمين وتعزيز الثقة الرقمية وضمان أمن البنية التحتية الرقمية.

وتعكس هذه القضية إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تسعى الحكومة إلى تعزيز الإيرادات وضبط السوق وتقليل التهريب.

وفي المقابل، يطالب المواطنون والخبراء بعدالة ضريبية كبرى وتوسيع القاعدة الضريبية بدلاً من زيادة العبء وضمان حماية البيانات والحقوق الرقمية.

اختبار حقيقي للثقة

في النهاية، لم تعد جمركة الهواتف مجرد قرار اقتصادي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين تعبئة الموارد المالية وحماية الحقوق والحريات وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن.

وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، قد تحدد طريقة إدارة هذا الملف مستقبل العلاقة بين الاقتصاد الرقمي والحقوق الأساسية في موريتانيا.