منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

جريمة بحجم وطن.. الصومال يموت عطشاً وجوعاً في صمت

25 مارس 2026
الجفاف يضرب الصومال
الجفاف يضرب الصومال

في ربوع الصومال، حيث ينبض الرعي والزراعة بوتيرة حياة الملايين، تبدو الأقدار وكأنها ترفع قوس تحدٍّ قاسٍ أمام شعب كاد لا يفيء له ظل.. الجفاف الممتد منذ مواسم هطول أمطار فاشلة لم يعد مجرد مشكلة مناخية، بل تحوّل إلى جدار يهدد أمن الغذاء والبقاء بنفس الاحتدام الذي يهدد حياة الأطفال والنساء وكبار السن.

في سلسلة بيانات وتحذيرات صدرت مؤخرًا عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، تتكشف صورة أزمة إنسانية حادة لا تقلّ فظاعة عن تلك التي عاشتها البلاد في ذروة موجة الجفاف الكارثية عام 2022، وتدمّر ما تبقى من شبكات الأمان الاجتماعية والاقتصادية لدى المجتمعات المعتمدة على المواشي والزراعة.

مع بداية عام 2026، أشارت تقديرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن نحو 6.5 مليون شخص في الصومال يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، تضعهم على شفا حافة المجاعة، مع استمرار تأثير الجفاف على مصادر المياه، وانهيار الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الغذاء إلى مستويات غير مسبوقة، ويوازي هذا الرقم أكثر من ربع سكان البلاد، ويقع في نطاق ما تصنفه المنظمات الإنسانية بأنه أزمة غذائية حادة تتطلب تحركًا عاجلًا لإنقاذ الأرواح.

ما يثير القلق بعمق، بحسب تحذير الصليب الأحمر، هو أن قطاع تربية المواشي الذي يعتمد عليه أكثر من 60% من السكان كمصدر رئيسي للدخل والغذاء قد بات على وشك الانهيار التام،على مدى سنوات من الصدمات المناخية المتكررة التي ضربت المنطقة، نفقت أعداد هائلة من الحيوانات، وهو ما لا يمثل فقط خسارة اقتصادية بقدر ما هو ضربة لقلب اقتصاد الصومال الاجتماعي؛ فالمواشي ليست مجرد سلعة بل هي ضمانة العيش، ومصدر الحليب واللحم، وحتى الاحتياط المالي عند الشدائد.

المأساة ليست مقتصرة على فقدان الدخل، بل تمتد لتستنزف أبسط قواعد الحياة اليومية فقد دفعت هذه الخسائر البيئية والاجتماعية آلاف الأسر إلى الفرار من قراهم وبلداتهم، باحثين عن مناطق أكثر أمانًا أو أقارب يمكنهم أن يخففوا وطأة العجز عنه.

تتفاقم الأزمة مع أزمة أعمق على مستوى الدعم الإنساني الدولي، فاللجنة الدولية للصليب الأحمر تحذر من انخفاض حاد في التمويل الإنساني للصومال، ما أجبر الكثير من المنظمات على إغلاق برامجها أو تقييدها، بينما يتواصل ارتفاع الاحتياجات الحيوية بشكل غير مسبوق.

ليس الجفاف فقط ما يلتهم حياة الصوماليين، بل ندرة المياه نفسها؛ ففي العديد من المناطق، أصبحت المياه سلعة نادرة، ترتفع أسعارها إلى مستويات يصعب على الأسر الفقيرة تحملها.

يعاني السكان من قلة وصول المياه الصالحة للشرب، ولا يمكن للمزارع أن تسقي محاصيلها أو ماشيتها، في حين أن ما يتبقى من الموارد المائية يغذي النزاعات الصغيرة ويؤدي إلى توترات محلية تزيد من هشاشة المجتمع.

وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، فإن الوضع الغذائي في الصومال يتدهور بسرعة، ومن المتوقع أن يتعرض نحو 2 مليون شخص لمرحلة طوارئ الغذاء (IPC Phase 4) بحلول نهاية مارس 2026، بينما يبلغ مجموع المتأثرين بانعدام الأمن الغذائي حوالي 6.5 مليون شخص.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من1.8  مليون طفل دون سن الخامسة قد يعانون من سوء التغذية الحاد في عام 2026، منهم نحو 500 ألف طفل في حالات سوء تغذية شديدة، ما يجعل الأطفال في قلب هذه الأزمة الإنسانية الأكثر هشاشة.

الجفاف يهدد الملايين

حمل الجفاف في الصومال بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا بامتياز، إذ تشير تقديرات رسمية وعالمية إلى أن نفوق الماشية، ونقص المياه، وتراجع إنتاج المحاصيل الزراعية قد دمّرت فعليًا الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الريفي والاجتماعي في البلاد.

وبحسب تقرير حديث لبرنامج الأغذية العالمي والأمم المتحدة، يعتمد ما يزيد على 60 % من السكان على تربية المواشي والزراعة كمصدر رئيسي للمعيشة والدخل، لكن الجفاف الممتد منذ أكثر من موسمَي أمطار فاشلين جعَل هذا القطاع في وضع انهيار شبه كامل، مع نفوق ملايين رؤوس الأبقار والإبل والماعز، وتراجع محاصيل الغذاء، ما فاقم ضعف الأمن الغذائي وأضعف شبكات الأمان الاجتماعي.

هذا التراجع الحاد في سبل الكسب لم يسبق له مثيل منذ عقود، فالصومال الذي لطالما اعتُمد عليه بوصفه واحدة من دول القرن الإفريقي ذات الاقتصاد الريفي القائم على الموارد الطبيعية، وجد نفسه اليوم في مواجهة مباشرة مع نقص حاد في الغذاء والمياه والموارد الأساسية، في وقت تفشّت فيه البطالة وتدهور الدخل الريفي وانهيار الأسواق المحلية في كثير من المناطق.

بحسب تقييم التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، فإن عدد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي بلغ نحو6.5  مليون شخص بحلول أوائل 2026، أي أكثر من ربع إجمالي السكان، ويمثل تدهورًا خطيرًا مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

من منظور حقوق الإنسان، فإن هذه الأزمة تتجاوز حدود الجفاف الجغرافي لتصل إلى حرمان متزايد من الحقوق الأساسية: الحق في الغذاء، والحق في الصحة، والحق في مستوى معيشي لائق، وصولاً إلى الحق في الحياة نفسها. في كثير من المناطق الريفية، أصبح الوصول إلى الغذاء الكافي أحد أشد التحديات اليومية، لا سيما لدى الأسر التي كانت تعتمد على ما تنتجه أرضها وما توفره ماشيتها من غذاء ودخل.

ووفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (FAO)، فإنه مع ارتفاع أسعار الغذاء في الأسواق المحلية وتراجع الإنتاج، يجد كثير من الأسر نفسها مضطرة إلى خفض عدد وجباتها اليومية، أو بيع ما تبقى من ممتلكاتها لمجرد البقاء على قيد الحياة.

الاستجابة الدولية حتى الآن، وفق بيانات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، ما تزال متواضعة مقارنة بحجم الحاجة الماسة للمساعدات، فقد نبه برنامج الأغذية العالمي إلى احتمالية توقف المساعدات الغذائية الحيوية بحلول أبريل 2026 إذا لم يتم توفير تمويل إضافي، في مشهد يعيد تذكير العالم بما حدث في عام 2022 عندما كاد الصومال ينزلق إلى مجاعة كاملة لولا التدخل الدولي السريع آنذاك.

أزمة اجتماعية وحقوقية

وفي السياق، قال حسن محمد حاج، رئيس تحرير موقع الصومال الآن، إن الجفاف في الصومال لم يعد مجرد أزمة بيئية أو اقتصادية، بل أصبح ظاهرة تهدد النسيج الاجتماعي للمجتمعات الريفية.

وأضاف محمد حاج، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن نفوق الماشية وجفاف المراعي يجبر الأسر على ترك قراهم، ما يؤدي إلى تفكك أنماط الحياة التقليدية القائمة على الرعي والزراعة، مشيراً إلى أن هذا النزوح يخلق ضغوطًا اجتماعية كبيرة، بما في ذلك الفقر الحضري، البطالة، والاعتماد المتزايد على المساعدات الإنسانية، مما يضع المجتمعات في دائرة ضعف مستمرة أمام الأزمات المستقبلية.

وأوضح أن الصومال، رغم مساهمتها الضئيلة في الانبعاثات الكربونية العالمية، تتحمل جانبًا كبيرًا من آثار تغير المناخ، الأمر الذي يفرض مسؤولية أخلاقية وسياسية على الدول الصناعية لدعم جهود التكيف البيئي والإنساني.

وقال محمد حاج، إن برامج التمويل الدولية يجب أن تركز على تعزيز قدرات الصومال على مواجهة الجفاف، من خلال مشاريع حماية الموارد المائية والزراعة المقاومة للجفاف، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي للفئات الأكثر هشاشة.

وأكد رئيس تحرير موقع الصومال الآن أن الانتهاكات الحقوقية تتفاقم خلال موجات الجفاف، حيث يتعرض السكان، خصوصًا النساء والأطفال، لمخاطر جسيمة على حقوقهم الأساسية في الغذاء والمياه والرعاية الصحية.

وقال إن ضعف الخدمات الصحية، وانتشار الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، يزيد من معاناة السكان، بينما يضاعف النزوح الداخلي المخاطر المتعلقة بالحماية والكرامة الإنسانية، مضيفا أن هذه الظروف تجعل من الضروري أن تكون الاستجابة الإنسانية سريعة وفعالة، لتجنب تفاقم الأزمة وتحويلها إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق.

وشدد على أهمية تبني سياسات تنموية طويلة المدى لتعزيز القدرة على الصمود أمام الأزمات المناخية المستقبلية.

وقال إن معالجة أزمات الجفاف لا تقتصر على التخفيف من آثارها الحالية، بل تتطلب رؤية شاملة تدمج التنمية المستدامة، وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقال إن العمل الجماعي، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، هو الطريق الأمثل لضمان مستقبل أكثر استقرارًا وأمانًا للمجتمعات الريفية في الصومال، بما يتيح لها الصمود في مواجهة التحديات المناخية المتزايدة وتحقيق التنمية المستدامة.

انهيار الأمن الغذائي

من جانبه، قال الدكتور حسن شيخ علي نور، أستاذ الدراسات الأمنية بالمعهد العالي للدراسات الأمنية في مقديشو، إن الجفاف أصبح ظاهرة موسمية متكررة في الصومال، تقارب حدوثها كل ثلاث سنوات، وهو ما يفاقم أزمة الأمن الغذائي ويضع الإنسان الريفي في مواجهة مباشرة مع انعدام الموارد الأساسية.

وأضاف علي نور، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن هذه الأزمة تتضاعف بسبب الهشاشة الاجتماعية والضعف السياسي للحكومة المركزية، ما يجعل الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها وتأمين احتياجاتهم الأساسية.

وأشار إلى أن الأسباب متعددة ومعقدة، مؤكداً أن الجفاف ليس نتاجًا لعامل محدد، بل هو نتيجة تداخل تغيّر المناخ مع ضعف الاستجابة المؤسسية في الدول الفقيرة، حيث يفتقر النظام الحكومي إلى القدرة على مواجهة انعكاسات التغير المناخي، والصومال نموذج واضح لذلك.

وقال إن الأزمة الإنسانية الحالية تعد من الأعنف، خاصة في المدن الريفية مثل بيدوا، التي فقدت السيطرة على الوضع مع نزوح نحو 600 ألف شخص خلال الأشهر الأربعة الماضية، مشيراً إلى أن هؤلاء النازحين فقدوا مصادر رزقهم التقليدية، من مواشٍ ومياه جوفية وزراعة بدائية، وهو ما يجعلهم عرضة للجوع والفقر والمرض.

وأوضح نور أن تفاقم الجفاف في القرن الأفريقي مرتبط بالتغير المناخي العالمي، لكنه مرتبط أيضاً بغياب الدولة الصومالية وقدرتها على إدارة الأزمة، وأن المسؤولية الدولية تقع على عاتق المجتمع الدولي والدول الكبرى القادرة سياسياً واقتصادياً، وكذلك الدول العربية ذات التأثير المالي والسياسي مثل مصر والسعودية، لدعم الحلول الإنسانية والسياسية للصومال.

وأشار نور إلى أن النازحين يعيشون ظروفاً قاسية للغاية، إذ يفتقرون إلى السكن والمياه والطعام والأمن، موضحاً أن انتشار الأوبئة مثل الإسهال والحمّى والسعال، إضافة إلى مشكلات اجتماعية كتعاطي المخدرات والاستغلال الجنسي للأطفال، يضاعف المعاناة، أن المواثيق والعهود الدولية تدعو لحماية النازحين وتوفير الخدمات الأساسية لهم، لكن الواقع على الأرض مختلف تماماً، فالمساعدات الإنسانية محدودة ولا تكفي لسد الحاجة، رغم جهود بعض المنظمات في توزيع الحبوب والخيام.

وأكد نور أن الحكومة الصومالية والمنظمات الدولية تبذل جهوداً لتخفيف المعاناة، لكن ضعف الدولة في توفير الأمن يمثل عائقاً أساسياً أمام إيصال الخدمات الضرورية للنازحين في مناطق معرضة للمخاطر، مضيفاً أن المناطق الريفية والحدودية غالباً ما تتعرض للاختطاف والسرقة والقتل، ما يزيد من تعقيد العمل الإنساني.

واختتم نور تصريحاته بالإشارة إلى أن الشعب الصومالي يعيش تحت وطأة الفقر وانعدام الأمن الغذائي، نتيجة تغيّر المناخ وانعدام الاستقرار السياسي والاقتصادي، في حين أن الدولة إما غير موجودة في أجزاء واسعة من البلاد أو عاجزة عن أداء مهامها الأساسية كحكومة مسؤولة تجاه مواطنيها، مضيفاً أن الحلول الفعالة تحتاج إلى تكامل الجهود المحلية والدولية، مع بناء قدرات الدولة على الاستجابة للأزمات المناخية والأمنية والاجتماعية.