هيئة التحرير
ثمة رسالة واضحة تبعث بها الأنظمة الاستبدادية اليوم: يمكنك الهرب، لكنك لن تنجو.
القمع العابر للحدود -ذلك النمط الذي تمد فيه الحكومات السلطوية أذرعها خارج حدودها لملاحقة المعارضين وإسكاتهم- لم يكن مجرد ظاهرة عابرة في عام 2025، بل ظل آفة عالمية متصاعدة. والأسوأ من ذلك، أنه يشهد تطوراً أكثر قتامة: تعاون متزايد بين هذه الأنظمة نفسها لاستهداف الأصوات المعارضة.
هذا ما يكشفه تقرير حديث صادر عن Freedom House، أحصى 126 حالة قمع عابر للحدود خلال عام واحد فقط، تورطت فيها 30 دولة، شملت عمليات اغتيال خارجية، واختطافاً، وترهيباً للمعارضين المقيمين في الخارج.
وكما هو متوقع، تتصدر القائمة دول مثل فيتنام وروسيا والصين، لكن اللافت أن دولاً أخرى انضمت مؤخراً إلى هذا النمط، منها أفغانستان، وبنين، وجورجيا، وكينيا، وتنزانيا، وزيمبابوي.
في واحدة من أبرز هذه الوقائع، قامت تايلاند في فبراير الماضي بترحيل قسري لـ40 رجلاً من أقلية الإيغور المسلمة إلى الصين، بعد احتجازهم لعقد كامل في مراكز الهجرة، رغم تحذيرات منظمات حقوقية من تعرضهم للسجن والتعذيب.
ويواجه الإيغور في إقليم شينجيانغ شمال غرب الصين رقابة شاملة، وقيوداً صارمة على الحركة، واعتقالات جماعية، وبرامج تلقين أيديولوجي.
ويرصد التقرير 49 حالة اعتقال لمعارضين خارج بلدانهم، و48 حالة ترحيل لناشطين وشخصيات معارضة، في انتهاك صريح للقوانين الدولية التي يفترض أن تحمي طالبي اللجوء السياسي.
وفي 11 حالة من هذه الحالات تأكد ارتباط الإجراءات بآليات الانتربول، حيث تستغل أنظمة استبدادية ما يُعرف بـ”النشرات الحمراء“، وهي أدوات مخصصة أصلاً للتعاون الدولي في ملاحقة المجرمين لتحويلها إلى سلاح ضد المعارضين.
غالبية المستهدفين يُتهمون بالإرهاب أو بـ”أنشطة معادية للدولة“ في بلدانهم، لكن الواقع يكشف أن كثيرين منهم ليسوا سوى سياسيين معارضين، أو محامين في مجال حقوق الإنسان، أو صحفيين. وفي حالات عديدة، كما هو حال الإيغور، يكون الاستهداف قائماً فقط على الهوية العرقية.
الديمقراطيات اتخذت بعض الخطوات لحماية هؤلاء، ممن يلجؤون إليها طلباً للأمان. لكن التقرير يحذر من أن تصاعد الخطاب المعادي للهجرة في الدول الغربية، إلى جانب زيادة عمليات الترحيل، قد يعرّض اللاجئين السياسيين الحقيقيين لمخاطر كبرى.
القمع العابر للحدود لم يعد استثناءً، بل أصبح ممارسة راسخة. والتصدي له لن يكون ممكناً إلا عبر استجابة أكثر حزماً وتنسيقاً من الدول التي ما زالت تؤمن بحرية الإنسان.
نقلاً عن واشنطن بوست
