رغم أن السويد تعد إحدى الدول الأوروبية المتقدمة وتشتهر بأنها نموذج لدولة الرفاه الاجتماعي والانفتاح على الهجرة، خاصة منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث استقبلت موجات متتالية من اللاجئين والمهاجرين من مناطق النزاعات، فإنها شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعداً في التوترات المرتبطة بالهوية والانتماء، ما انعكس في ارتفاع مؤشرات التمييز والعنصرية، رغم الأطر القانونية المتقدمة التي تجرّم هذه الممارسات.
ارتفاع بلاغات التمييز
في هذا السياق، سجل مكتب أمين المظالم لشؤون التمييز في السويد ارتفاعا لافتا في عدد البلاغات خلال عام 2025، حيث بلغ عددها 5697 بلاغاً مقارنة بـ4452 بلاغاً في عام 2024، بنسبة زيادة تصل إلى 28 بالمئة، كما ارتفع إجمالي البلاغات المقدمة التي تشمل جرائم متصلة بالتمييز إلى 6831 بلاغاً، بزيادة قدرها 32 بالمئة على العام السابق، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ سنوات.
تشير البيانات إلى أن عدد البلاغات تضاعف تقريباً مقارنة بعام 2020، ما يعكس اتساع نطاق الظاهرة أو زيادة الوعي بالإبلاغ عنها، ويرى مسؤولي مكتب أمين المظالم لشؤون التمييز في السويد أن هذا الارتفاع قد يعكس أيضاً تحسن ثقة الضحايا في المؤسسات، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن استمرار أنماط التمييز داخل المجتمع.
وتكشف البيانات الحقوقية أن ارتفاع بلاغات التمييز في السويد لا يمثل حالة طارئة، بل يأتي ضمن مسار تصاعدي ممتد لعدة سنوات، فقد أشارت تقارير حقوقية إلى زيادة البلاغات بنسبة تتجاوز 100 بالمئة منذ عام 2017، ما يعكس تحول الظاهرة إلى نمط مستقر ومتنامٍ داخل المجتمع، وليس مجرد تقلبات سنوية، ويعزز ذلك قراءة الأرقام الحالية باعتبارها امتداداً لتراكمات هيكلية في بنية التمييز، وفق منظمة المدافعين عن الحقوق المدنية.
رغم الارتفاع الملحوظ في البلاغات الرسمية، تشير تقارير حقوقية إلى أن نسبة كبيرة من ضحايا التمييز لا يتقدمون بشكاوى، بسبب ضعف الثقة في فاعلية الإجراءات أو الخوف من التبعات، ويؤدي ذلك إلى اتساع الفجوة بين الأرقام المسجلة والواقع الفعلي، خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة مثل المهاجرين واللاجئين، ما يجعل الإحصاءات الرسمية تعكس جزءاً فقط من حجم المشكلة بحسب منظمة المدافعين عن الحقوق المدنية.
وتُظهر الإحصاءات أن التمييز المرتبط بالإعاقة يظل الأكثر شيوعاً، يليه التمييز على أساس الانتماء العرقي، وهو اتجاه مستمر في السنوات الأخيرة، كما تشمل البلاغات قضايا تتعلق بالتمييز في إجازات الأسرة أو اتخاذ إجراءات انتقامية ضد من يتقدمون بشكاوى، ما يعكس تعقيد الظاهرة وتعدد أشكالها.
سوق العمل بؤرة رئيسية للتمييز
بحسب تقرير مكتب أمين المظالم يشكل التمييز في سوق العمل نحو ثلث البلاغات، حيث تم تسجيل 1962 حالة في عام 2025، بزيادة بلغت 48 بالمئة مقارنة بالعام السابق، وتشمل هذه الحالات رفض التوظيف أو التمييز في الترقيات أو بيئة العمل، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للضحايا.
ورغم ارتفاع البلاغات، تشير تقديرات مكتب أمين المظالم لشؤون التمييز في السويد وهي مبنية على استطلاعات رأي إلى أن نحو 600 ألف شخص في السويد يتعرضون للتمييز سنوياً، وهو ما يكشف عن فجوة كبيرة بين الحالات المبلغ عنها والحجم الفعلي للمشكلة، ويؤكد ذلك أن العديد من الضحايا لا يتقدمون بشكاوى لأسباب تتعلق بالخوف أو عدم الثقة أو نقص الوعي.
تتجاوز آثار التمييز الجانب القانوني لتشمل تداعيات نفسية واجتماعية طويلة الأمد، مثل القلق والاكتئاب والشعور بالعزلة، وتشير تقارير صحية إلى أن التعرض المستمر للتمييز قد يؤدي إلى تدهور الصحة العامة وزيادة معدلات الأمراض المرتبطة بالتوتر، خاصة بين الفئات المهمشة.
إلى جانب التمييز المؤسسي، تسجل السويد أيضاً ارتفاعاً في جرائم الكراهية، خاصة تلك المرتبطة بالعرق والدين، وتشير بيانات الشرطة السويدية إلى أن آلاف البلاغات تُسجل سنوياً في هذا السياق، مع استهداف واضح للمهاجرين والأقليات الدينية، بما في ذلك المسلمون واليهود.
مواقف المنظمات الحقوقية والأممية
أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها من تصاعد العنصرية في السويد، مشيرة إلى وجود تحديات في ضمان المساواة الفعلية، كما دعت هذه المنظمات إلى تعزيز آليات الحماية القانونية وتحسين الوصول إلى العدالة للضحايا، خاصة في قضايا التمييز غير المباشر.
وأشارت تقارير صادرة عن هيئات تابعة للأمم المتحدة إلى استمرار وجود فجوات في مكافحة التمييز في السويد، رغم الإطار القانوني المتقدم. ولفتت إلى ضرورة معالجة التمييز الهيكلي وتعزيز سياسات الإدماج الاجتماعي، خاصة في مجالات التعليم والعمل والسكن.
الإطار القانوني والتحديات
تمتلك السويد قوانين صارمة لمكافحة التمييز، إلا أن التحدي يكمن في تطبيقها بشكل فعال، وكذلك في صعوبة إثبات التمييز، خاصة في الحالات غير المباشرة، حيث تمثل عائقاً أمام تحقيق العدالة، كما أن الإجراءات القانونية قد تكون طويلة ومعقدة بالنسبة للضحايا، كما يرتبط تصاعد التمييز أحياناً بتغير الخطاب العام والسياسي، خاصة مع صعود تيارات يمينية في أوروبا، وقد يسهم الخطاب المرتبط بالهجرة والأمن في تعزيز الصور النمطية السلبية، ما ينعكس على سلوكيات التمييز في المجتمع.
ويؤثر التمييز بشكل مباشر على فرص العمل والدخل، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة الاقتصادية بين الفئات المختلفة، كما يحد من فرص الاندماج الاجتماعي ويؤدي إلى تكريس التهميش، وهو ما قد ينعكس على الاستقرار المجتمعي على المدى الطويل وفق البنك الدولي.
دعوات للإصلاح وتعزيز العدالة
تدعو منظمات المجتمع المدني في السويد ومن بينها منظمة المدافعين عن الحقوق المدنية إلى اتخاذ خطوات أكثر فاعلية، تشمل تحسين آليات الإبلاغ، وزيادة الوعي، وتدريب المؤسسات على التعامل مع قضايا التمييز. كما تطالب بتشديد الرقابة على سوق العمل وضمان تكافؤ الفرص للجميع.
لا تقتصر ظاهرة التمييز على السويد، بل تندرج ضمن اتجاه أوروبي عام، حيث أظهرت بيانات المفوضية الأوروبية ووكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية أن أكثر من 60 بالمئة من الأوروبيين يرون أن التمييز العرقي منتشر في مجتمعاتهم، كما تشير تقارير إلى أن واحداً من كل اثنين من المسلمين في أوروبا تعرضوا لشكل من أشكال التمييز، ما يضع الحالة السويدية ضمن سياق أوسع من التحديات المرتبطة بالهجرة والهوية.
الفئات الأكثر تعرضاً للتمييز
وفقا لتقارير وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية ومنظمة إنقاذ الطفولة تواجه بعض الفئات مستويات أعلى من التمييز، كالأشخاص من أصول إفريقية، والمسلمين، والأطفال من خلفيات مهاجرة، كما ترتبط زيادة التمييز بانتشار خطاب الكراهية، خاصة عبر المنصات الرقمية، حيث يتصاعد نشاط جماعات اليمين المتطرف في السويد، واستهدافها فئات الشباب بشكل خاص عبر أدوات التجنيد الإلكتروني.
وفقا للمفوضية الأوروبية يمتد التمييز في السويد إلى مجالات متعددة، أبرزها سوق العمل والسكن والتعليم كما تتأثر فرص الحصول على وظيفة أو مسكن أحيانا بالاسم أو الخلفية العرقية، ما يعزز أنماط الإقصاء غير المباشر، ويؤدي ذلك إلى تكريس الفجوات الاجتماعية والاقتصادية بين الفئات المختلفة داخل المجتمع.
تجدر الإشارة إلى أن السويد تخضع لمراجعات دورية من قبل هيئات الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، حيث تشير تقارير موازية مقدمة لهذه الهيئات إلى استمرار التحديات في معالجة التمييز الهيكلي، وتدعو هذه التقارير إلى اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية، تشمل تعزيز آليات الرصد والمساءلة وتحسين وصول الضحايا إلى العدالة وتعزيز ثقافة المساواة، وضمان حماية حقيقية لكل فرد داخل المجتمع.
