منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

بين الفقر والتهميش.. اتساع الفجوة الاجتماعية يهدد مستقبل آلاف الأطفال بالسويد

24 مارس 2026
أطفال المناطق الفقيرة في السويد
أطفال المناطق الفقيرة في السويد

تكشف بيانات حديثة نشرتها شبكة مكافحة فقر الأطفال عن تحول لافت في واقع الطفولة في السويد، حيث لم تعد الدولة التي طالما ارتبط اسمها بنموذج الرفاه الاجتماعي بمنأى عن ظاهرة فقر الأطفال، وتشير التقديرات إلى وجود مستويات متعددة من الفقر والهشاشة الاقتصادية، ما يعكس تعقيدا متزايدا في قياس الظاهرة واتساع نطاقها خلال السنوات الأخيرة.

تظهر الإحصاءات الحديثة ثلاث دوائر متداخلة للفقر بين الأطفال في السويد؛ الأولى تشير إلى نحو 190336 طفلا يعيشون في فقر نسبي وفق المعيار الأوروبي الذي يحدد الدخل بأقل من 60 بالمئة من متوسط الدخل الوطني، أما الدائرة الأوسع فتضم نحو 276 ألف طفل يعيشون في حالة هشاشة اقتصادية فعلية، وفقاً لتقديرات منظمة أنقذوا الطفولة، وهي تشمل الأطفال الذين تعجز أسرهم عن تلبية الاحتياجات الأساسية، كما تشير بيانات أوروبية إلى أن ما يقارب 14.8 بالمئة من الأطفال معرضون لخطر الفقر بشكل عام بحسب منظمة “أنقذوا الطفولة” والمجلس الإسكندنافي للرعاية الاجتماعية.

الفقر وأزمة الغذاء

وفق بيانات شبكة مكافحة فقر الأطفال لم يعد الفقر في السويد مفهوما نظريا، بل تحول إلى واقع يومي تعيشه آلاف الأسر، وتكشف تقارير ميدانية أن نسبة من الأطفال في الأسر منخفضة الدخل لا يحصلون على وجبات كافية بشكل منتظم، فيما تعجز أسر أخرى عن توفير الاحتياجات الأساسية مثل الملابس الموسمية أو مستلزمات الدراسة، ويعكس ذلك انتقال الفقر من مستوى الدخل إلى مستوى المعيشة الفعلية.

تشير البيانات إلى أن واحدا من كل عشرة أطفال في الأسر منخفضة الدخل لم يتمكن من تناول الطعام حتى الشبع مرة واحدة على الأقل خلال فترة حديثة، فيما تكرر هذا الوضع لدى نسبة أخرى، ويعد هذا المؤشر من أخطر مظاهر الفقر، كونه يمس الاحتياجات الأساسية المباشرة للأطفال.

العزلة الاجتماعية والإقصاء

يمتد تأثير الفقر إلى الجوانب الاجتماعية والنفسية، حيث يواجه الأطفال صعوبات في المشاركة في الأنشطة المدرسية والرياضية بسبب التكاليف، ما يؤدي إلى شعور بالعزلة وفقدان الانتماء، وتؤكد تقارير أوروبية أن هذا النوع من الحرمان يعد أحد أبرز أشكال الفقر غير المرئي، لما له من آثار طويلة المدى على الثقة بالنفس والصحة النفسية وفق التحالف الأوروبي من أجل الأطفال “Eurochild”.

الأسر ذات العائل الواحد الأكثر تضرراً

تعد الأسر التي يعولها أحد الوالدين من أكثر الفئات تعرضا للفقر في السويد، حيث تبلغ نسبة الأطفال الذين يعيشون في فقر نسبي داخل هذه الأسر نحو 30.8 بالمئة، مقارنة بنسبة 8.3 بالمئة لدى الأطفال الذين يعيشون مع كلا الوالدين، كما تعجز نسبة كبيرة من هذه الأسر عن تلبية الاحتياجات الأساسية، ما يجعل الأطفال فيها الأكثر عرضة للحرمان متعدد الأبعاد وفق المجلس الإسكندنافي للرعاية الاجتماعية.

الأطفال من أصول مهاجرة

تكشف الإحصاءات عن فجوة واضحة في توزيع الفقر، حيث يشكل الأطفال من أصول مهاجرة نحو 47 بالمئة من إجمالي الأطفال الذين يعيشون في فقر نسبي، رغم أن نسبتهم من إجمالي الأطفال أقل بكثير. ويرتبط ذلك بعوامل متعددة، منها ضعف فرص العمل والدخل لدى الأسر المهاجرة، إضافة إلى تحديات الاندماج.

لا تتوزع معدلات الفقر بشكل متساوٍ داخل السويد، إذ تسجل بعض البلديات نسباً مرتفعة تتجاوز ربع عدد الأطفال، بينما تنخفض النسبة إلى أقل من 5 بالمئة في مناطق أخرى، ويعكس ذلك تفاوتا في مستويات التنمية المحلية والخدمات الاجتماعية، ما يزيد من تعقيد المشهد.

الديون كوسيلة للبقاء

تلجأ العديد من الأسر ذات الدخل المحدود إلى الاقتراض لتغطية النفقات الأساسية مثل الإيجار والطعام، وتشير التقديرات إلى أن نحو 15 بالمئة من هذه الأسر تضطر لاستخدام قروض مرتفعة الفائدة أو بطاقات الائتمان لتلبية الاحتياجات اليومية، ما يفاقم من أعبائها الاقتصادية ويضعها في دائرة مديونية مستمرة.

ويرتبط تصاعد فقر الأطفال في السويد بعوامل اقتصادية كلية، من بينها ارتفاع معدلات التضخم وزيادة تكاليف المعيشة، خاصة الإيجارات والمواد الغذائية، إلى جانب تراجع القوة الشرائية للأسر، كما أسهمت تداعيات جائحة كورونا في تعميق الفجوة الاقتصادية، ما أدى إلى تزايد أعداد الأسر التي تعاني من الهشاشة المالية.

انتهاكات وملفات حقوقية مقلقة

إلى جانب الفقر، برزت قضايا حقوقية تتعلق بالأطفال في السويد، من بينها ملف التبني الدولي الذي كشفت تحقيقات رسمية عن وجود تجاوزات فيه، شملت نقل أطفال دون موافقة كاملة من أسرهم الأصلية، وقد أثارت هذه القضية انتقادات واسعة ودعوات إلى مراجعة السياسات المرتبطة بحماية حقوق الطفل.

مواقف المنظمات الدولية

دعت منظمات دولية مثل “اليونيسف” إلى ضرورة تعزيز سياسات الحماية الاجتماعية في السويد، مؤكدة أن فقر الأطفال يؤثر بشكل مباشر على النمو البدني والعقلي للأطفال ويقوض فرصهم المستقبلية، كما شددت على أهمية الاستثمار في الطفولة كأولوية تنموية.

كما حذّرت منظمات أوروبية من بينها التحالف الأوروبي من أجل الأطفال “Eurochild” من أن استمرار الفجوة الاجتماعية قد يؤدي إلى زيادة التهميش وتهديد التماسك المجتمعي، داعية إلى سياسات أكثر شمولا تستهدف الفئات الأكثر هشاشة.

الإطار القانوني

بحسب الأمم المتحدة تنص اتفاقية حقوق الطفل على حق كل طفل في مستوى معيشي لائق، وتلزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة لضمان هذا الحق، ورغم التزام السويد بهذه الاتفاقية، فإن التحديات الحالية تشير إلى فجوة بين الالتزامات القانونية والواقع الفعلي الذي يعيشه بعض الأطفال.

شهدت السويد منذ تسعينيات القرن الماضي تحولات اقتصادية أدت إلى زيادة التفاوت الاجتماعي تدريجيا، ومع تزايد الهجرة وتغير طبيعة سوق العمل، ظهرت تحديات جديدة تتعلق بالاندماج والعدالة الاقتصادية، ورغم استمرار قوة نظام الرفاه، فإن هذه التحولات أسهمت في بروز جيوب من الفقر داخل المجتمع.

تعكس المؤشرات الحالية أن فقر الأطفال في السويد لم يعد ظاهرة محدودة، بل أصبح قضية هيكلية تتطلب استجابة شاملة، وبين تعدد الأرقام وتنوع المؤشرات يبقى الثابت أن مئات الآلاف من الأطفال يعيشون في ظروف لا تتناسب مع مستوى الرفاه الذي تشتهر به البلاد، ما يضع صناع القرار أمام تحدٍ حقيقي لضمان مستقبل أكثر عدالة للأطفال.