يمر العراق بأزمة وجود لم تعد قاصرة على الحرب أو النزاع، بل من الطبيعة نفسها، حيث يشهد جفافاً مدمراً لأرض عرفتها حضارات، ونزوحاً داخلياً لملايين البشر بحثاً عن قطرة ماء أو لقمة عيش، إذ باتت احتياطيات المياه في البلاد عند أدنى مستوى لها منذ 80 عاماً، ما يتسبب في فقدان 10% من الأراضي الزراعية سنوياً.
وشهد العراق خلال العقود الأخيرة تغيراً جذرياً في تدفق مياهه السطحية، حيث خسر نهر الفرات أكثر من 60% من معدلات تدفقه مقارنة بما قبل عام 2000، في حين تراجع تدفق نهر دجلة بنحو 50% خلال السنوات العشرين الماضية، بحسب ما ذكرت وزارة البيئة العراقية.
ويشكل ذلك منحنى انحدارياً خطيراً يهدد الأمن المائي للبلاد، وسط تحذيرات تؤكد أن العراق قد يفقد ما يصل إلى 90% من موارده المائية بحلول عام 2035 إذا استمرت وتيرة التغير المناخي والتدهور البيئي على هذا النحو المقلق.
وزارة الموارد المائية العراقية قالت إن عام 2025 هو الأكثر جفافاً منذ عام 1933، مؤكدة أن إيرادات نهري دجلة والفرات وصلت إلى 27% فقط مقارنة بالعام السابق 2024، وأن مخزون المياه في السدود والخزانات انخفض إلى 8% من قدرتها التخزينية بنسبة تراجع بلغت 57% عن عام 2024.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن الإيرادات المائية للعراق تراجعت من نحو 70 مليار متر مكعب إلى 40 ملياراً خلال العام الماضي 2025.
الهجرة إلى الحضر
أجبر تدهور الزراعة وتراجع الثروة الحيوانية مئات العائلات الريفية على الهجرة إلى الحضر، أو اللجوء إلى أعمال غير منتظمة، حيث أفاد نحو 60% من المزارعين بأنهم استخدموا مياهاً أقل أو زرعوا مساحات أقل بفعل الجفاف القاسي، بحسب بيانات وزارة الزراعة العراقية.
كما أجبرت 59% من العائلات على خفض إنفاقها على الغذاء، و62% اضطروا للاقتراض لتغطية احتياجاتهم الأساسية في فترات الصيف الجافة، وفق تقديرات غير رسمية.
ولم تسلم الثروة الحيوانية من تأثيرات هذا الجفاف، حيث انخفض عدد الماشية في بعض المناطق إلى أقل من النصف خلال السنوات الماضية، ما يعني أن مهنتي الفلاحة وتربية الماشية اللتين اعتمدت عليهما الأجيال تتعرضان للانقراض.
ولا يهدد الجفاف قطاعات الفلاحة وتربية المواشي فحسب، بل يضرب مستقبل الأطفال، خصوصاً في ظل النزوح وتراجع دخول الأسرة، حيث تتضاءل إمكانية الإنفاق على التعليم والعلاج، ما يفرض ضغوطاً نفسية واجتماعية ترتبط بالصراع على البقاء في بيئات غير مستقرة، تكتظ فيها الأحياء وتفتقر إلى الموارد الأساسية.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود التغيرات المناخية فحسب، بل تتشابك مع ضغوط إقليمية ناجمة عن بناء السدود وتراجع حصص العراق من مياه الأنهار العابرة للحدود، ما يجعل البلاد تقف في مواجهة معضلة مائية مركبة تفوق قدرة الحكومات المحلية على احتوائها بوسائل تقليدية.
ويرى خبراء الاقتصاد أن الجفاف لم يعد مجرد تحدٍ بيئي، بل تحول إلى أزمة اقتصادية خانقة، بعدما فقدت آلاف الأسر مصادر رزقها التقليدية، في حين تشير تقديرات محلية إلى أن القطاعات المرتبطة بالمياه كالزراعة وصيد الأسماك وتربية الماشية تكبدت خسائر فادحة، وارتفعت معها نسب البطالة والفقر في الأرياف إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 2003.
مؤتمرات منزوعة الأمل
وفي حديث يحمل قلقاً يشبه وجع الأرض العطشى، يقول مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسات العامة في العراق، الدكتور ماهر الخليلي، لـ”صفر”، إن الجفاف لم يعد مجرد خبر عابر في نشرات البيئة، بل صار واحداً من أكثر الملفات إلحاحاً على مستوى العالم، لا على مستوى العراق وحده، فالأزمة تتشابك مع موجات التصحر والتغير المناخي التي اجتمع العالم من أجلها في مؤتمرات كبرى دون أن تهطل بعد قطرة أمل تكفي لإنقاذ ما يتبخر من حياة.
ويشرح الخليلي بحزن واضح أن ما يقارب 90% من المياه التي تدخل العراق تأتي من تركيا، و10% فقط من إيران، وأن نهري دجلة والفرات اللذين شكلا عبر آلاف السنين شريان الحضارات الأولى يقع مصبهما اليوم تحت رحمة الإطلاقات المائية وقرارات دول الجوار، ما فجر أزمة مزمنة بين العراق وتركيا، لا تزال آثارها تتعمق عاماً بعد آخر.
ويرسم صورة موجعة لتحول الأرض، فالمساحات الزراعية التي كانت تمتد بوصفها بساطاً أخضر على نحو 27 مليون دونم، تراجعت اليوم إلى 8 ملايين فقط، في حين ارتفعت درجات الحرارة واتسعت بقع التصحر إلى مناطق لم تكن تُصنف يوماً خارج خارطة الخصوبة، ومع هذا الانحسار، ترك من 60 إلى 70% من فلاحي المحافظات حقولهم، بعدما لم تعد الأرض تعطي ما يكفي لإطعام أسرهم أو الحفاظ على كرامتهم.
ويشير الخليلي إلى أن هذا التراجع دفع آلاف العائلات إلى النزوح من الريف نحو المدن، يحملون معهم ما تبقى من ذكرياتهم لا ما تبقى من محاصيلهم، حيث ازدادت البطالة، واتسعت الهوة الاجتماعية، وتراجع الأمن الغذائي بشكل حاد، ليصبح العراق أمام معركة يومية من أجل توفير لقمة العيش التي كانت أرضه تمنحها بسخاء.
معركة وجود لا سياسة
لا يرى الخليلي أن الأزمة وليدة المناخ وحده، بل هي نتاج سنوات من السياسات المرتبكة بعد 2003، حين شجعت التعيينات الحكومية على حساب الأرض، فهجرت حقول في الجنوب والفرات الأوسط، وتأخر استصلاح الأراضي في الغرب بعد أن أنهكتها العمليات الإرهابية، فازدادت الجراح اتساعاً.
رغم قتامة المشهد، عملت الحكومة خلال السنوات الثلاث الماضية على مراجعة سياساتها، واتخذت قرارات جريئة، أبرزها الاتفاق مع تركيا على إشراك شركاتها في إدارة الأزمة المائية والزراعية، في محاولة لاستخدام المياه بشكل أكثر كفاءة وجعل الجانب التركي شريكاً في الحل لا طرفاً في المشكلة.
وعلى الصعيد الداخلي، أقيمت مبادرات لتطوير الخطط الزراعية وتدريب الفلاحين وتحسين إدارة المياه، لكنه يعترف بصراحة أن العام الماضي كان قاسيا بشكل غير مسبوق، إذ انحسرت المياه إلى مستويات مقلقة واشتد الجفاف، لتتحول الأزمة من تحذير إلى واقع مؤلم.
وبنبرة لا تخلو من المرارة، قال الدكتور ماهر الخليلي إن السنوات المقبلة لن تكون سهلة، وإن على الحكومة القادمة أن تواجه هذه الأزمة بشجاعة وحلول حقيقية، فالمسألة لم تعد تحتمل التجميل، فحل الجفاف كما يراه يحتاج إلى اتفاقات دولية واسعة، وإلى دخول مستثمرين عالميين؛ لأن إنقاذ المياه في العراق لم يعد مجرد سياسة، بل معركة وجود تحتاج إلى موارد ضخمة وإرادة لا تتراجع.
النفط مقابل المياه
في حديث يفضح حجم المعاناة التي يعيشها العراق اليوم، يرى رئيس المركز العراقي للدراسات والتنمية الحقوقي، علي فضل الله، أن بلاده تعاني من حرب صامتة، وحرب الطاقة والمياه التي تترافق مع نزوحٍ جماعي نتيجة الجفاف، فقد أصبحت حرب المياه واحدة من أشد الصراعات تأثيراً في استقرار الزراعة، الاقتصاد والمجتمع العراقي بأكمله.
يؤكد فضل الله في تصريحات لـ”صفر” أن مناطق الوسط والجنوب باتت تحترق تحت وطأة جفاف غير مسبوق، ومناسيب مياه الأهوار في الجنوب تراجعت إلى مستويات مهددة لحياة الطبيعة والناس معا، وهذا الواقع المرير دفع بالعديد من العائلات إلى الهجرة العكسية، أو المغادرة بحثاً عن ماء صالح أو لقمة تؤويها.
ويٕحمّل فضل الله جزءاً من مسؤولية هذا التدهور إلى سياسات الإطلاقات المائية العابرة للحدود، إثر انخفاض كميات المياه عبر نهري دجلة والفرات بشكل كبير.
وعند الحديث عن الجفاف، لا يغفل فضل الله تأثير التغير المناخي الذي زاد من زحف التصحر على أراضٍ كانت بالأمس خضراء، ما يعمق معاناة الفلاحين ويغلق على الكثيرين أبواب رجائهم في أرض كانت تعد أبواب رزق وحياة، وهذا الواقع يستوجب تحركاً حكومياً عاجلاً وحاسماً، من خلال خطط فورية للحد من الأضرار، واستراتيجيات بعيدة الأمد لحماية الموارد المائية والأراضي الزراعية.
ويختتم علي فضل الله حديثه بأن الوضع لا يحتمل الانتظار، حيث يتوجب على الحكومة أن تضع خطة إنقاذ شاملة تدير أزمة المياه فوراً؛ لأن مياه العراق ليست مجرد مورد، بل حياة لناس هجروا أرضهم أملاً في قطرة ماء تُنقذ مستقبلاً”.

