منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

بعد مرور شهر على الحرب.. كيف انتهكت إيران حقوق الإنسان في دول الخليج؟

30 مارس 2026
التصعيد الإيراني ينتهك حقوق الإنسان في دول الخليج العربي
التصعيد الإيراني ينتهك حقوق الإنسان في دول الخليج العربي

مع دخول الحرب شهرها الأول، لم تعد تداعياتها مقتصرة على ساحات القتال المباشرة، بل امتدت لتلقي بظلالها الثقيلة على أوضاع حقوق الإنسان في دول الخليج.

فبين التهديدات الأمنية، والتصعيد الإقليمي، برزت تساؤلات حول مدى التزام إيران بالقانون الدولي الإنساني، خاصة في ظل اتهامات متزايدة بانتهاكات طالت مدنيين وأعياناً مدنية وبنى تحتية في دول مجاورة.

وانخرطت إيران خلال شهر منذ اندلاع الحرب بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، في أنشطة عسكرية ضد بعض دول الخليج، ما أدى إلى تهديد أمن المدنيين من خلال هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ، فضلاً عن تعريض منشآت مدنية للخطر، ما يؤثر على الحق في الحياة والأمن.

كما أثر  التصعيد المرتبط بإيران في الحياة اليومية للمواطنين والمقيمين نتيجة ذلك العدوان، ما يعد مساساً مباشراً بالحق في الأمن الشخصي، وهو حق أساسي تكفله المواثيق الدولية.

وشهدت بعض الممرات البحرية الحيوية توترات متزايدة، خاصة في مناطق قريبة من مضيق هرمز الذي تضررت منه العديد من دول العالم.

ورغم ثبوت الاتهامات بحق إيران، والإدانات الدولية لعدوانها على دول الخليج، ومع استمرار التصعيد، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للمجتمع الدولي فرض آليات فعالة لضمان احترام حقوق الإنسان في ظل النزاعات الإقليمية؟

انتهاكات صريحة

وفي مستهل قراءته المشهد، قال الخبير الحقوقي الدكتور صلاح عبد العاطي إن إيران “انتهكت بصورة واضحة قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان، من خلال هجماتها الصاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة التي استهدفت أعياناً مدنية وبنى تحتية حيوية، ما أسفر عن تهديد مباشر لحياة السكان وتفاقم الأزمات الإنسانية”.

وأوضح عبدالعاطي، في تصريحات لـ”صفر”، أن هذه الهجمات “تشكل كذلك انتهاكاً صريحاً للسيادة الوطنية لدول عربية غير منخرطة مباشرة في النزاع، ما يتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة ضد أي دولة عضو دون مسوّغ قانوني مشروع”.

وشدد على أن المنظمات الدولية مطالَبة بالتحرك العاجل وفق مسارات متكاملة، في مقدمتها التوثيق والرصد، عبر تتبع الهجمات والانتهاكات وتسجيل حجم الأضرار التي لحقت بالمدنيين والممتلكات، ما يعزز فرص المساءلة القانونية.

وأشار إلى أن المسار الثاني يتمثل في الإدانة القانونية والسياسية، لافتاً إلى صدور مواقف إدانة عن مجلس حقوق الإنسان وعدد من المنظمات الحقوقية الدولية.

أما المسار الثالث، فيتعلق بتعزيز آليات المحاسبة الدولية، حيث أكد عبدالعاطي أهمية تفعيل أدوات القانون الدولي لمساءلة إيران عن انتهاكاتها، ومنها متابعة تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 (مارس 2026) الذي أدان الهجمات الإيرانية وعدّها تهديداً للسلم والأمن الدوليين، ودعا إلى وقف فوري للعمليات العسكرية واحترام سيادة الدول.

وعلى الصعيد السياسي، يرى عبدالعاطي أن إنهاء هذه الاعتداءات يرتبط بمدى فاعلية الوساطات الدولية، ولا سيما تلك التي تقودها دول مثل مصر وتركيا وباكستان، والتي تستهدف احتواء التصعيد، ووقف الحرب، والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة.

وأضاف أن تحقيق التهدئة يتطلب ضغطاً دولياً مستمراً وتنسيقاً فعالاً بين مختلف الأطراف، وعلى رأسها مجلس الأمن، لضمان الالتزام بقواعد القانون الدولي، وحماية المدنيين، والحفاظ على استقرار المنطقة.

ويخلص عبدالعاطي إلى أن “الهجمات الإيرانية على دول الخليج تمثل عدواناً وانتهاكاً جسيماً للقانون الدولي وحقوق الإنسان، ما يستدعي تحركاً دولياً قائماً على التوثيق، والإدانة، والمساءلة، والتعويض، في حين يظل الحل السياسي مرهوناً بنجاح جهود الوساطة وفرض وقف شامل للعمليات العسكرية؛ تجنباً لانزلاق النزاع إلى مواجهة إقليمية شاملة”.

تآكل الرصيد السياسي

بدوره قال المحلل في الشأن السيبراني، وجدان عفراوي، إن إيران “التي تنتهك حقوق مواطنيها وتضيق عليهم، ليس مستغرباً أن تمتد ممارساتها لتطول حقوق الإنسان في دول الخليج، تحت ذرائع واهية، من خلال استهدافها بالصواريخ والطائرات المسيرة”.

وأشار عفراوي، في حديث لـ”صفر”، إلى أن المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها مجلس حقوق الإنسان، أدانت ما وصفه بـ”الانتهاكات الإيرانية”، وطالبت بمحاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب تعويض الدول المتضررة عن الخسائر البشرية والمادية الناجمة عن تلك الهجمات.

وأضاف أن المجتمع الدولي، ومنه منظمات حقوق الإنسان، اصطف إلى جانب دول الخليج، وأدان السلوك الإيراني بعبارات حازمة، لافتاً إلى أن هذا التحول يعكس تراجعاً في موقع إيران الدولي، حتى لدى دول كانت في السابق على علاقة وثيقة بها، ووفرت منصات للحوار والمفاوضات، خصوصاً فيما يتعلق بالملف النووي.

وأكد عفرواي أن هذا الموقف الدولي يتقاطع مع تحرك عربي متصاعد يسعى إلى احتواء التصعيد، مشيراً إلى أن “الدول الخليجية لم تبادر بالتصعيد، إلا أن السلوك الإيراني دفع نحو مزيد من التوتر، ما أسهم في تآكل رصيدها السياسي إقليمياً ودولياً”.

ولفت إلى أن التهديدات المرتبطة بإيران لا تزال قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بأمن الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي، خاصة في محيط مضيق هرمز.

ونبه عفراوي إلى أن “التصعيد الأخير، ومنه تحريك جماعات مسلحة في المنطقة، ينذر بتداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي”، معتبراً أن ذلك يستدعي تحركاً دولياً منسقاً لاحتواء المخاطر ومنع تفاقمها.

واختتم حديثه: “المشهد مرشح لمزيد من التوتر في المدى القريب، في ظل تراجع فرص التهدئة أو العودة إلى مسارات التفاوض، نتيجة السياسات التصعيدية التي يتبناها النظام الإيراني”.

استهداف المنشآت المدنية

ومن جانبه قال الباحث والمحلل السياسي في الشؤون العربية، طارق أبو زينب، إن إيران “تمثل اليوم أحد أبرز مصادر التهديد للأمن والاستقرار في دول الخليج، في ظل ما وصفه بالانتهاكات الواسعة الناجمة عن التصعيد العسكري المستمر منذ شهر”.

وأضاف أبو زينب، في تصريحات لـ”صفر” أن “إيران لا تكتفي بالتصريحات التصعيدية، بل تمضي قدماً في استهداف المنشآت المدنية والمدن الحيوية عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة”، مشيراً إلى أن “الدفاعات الخليجية تمكنت في العديد من الحالات من التصدي لهذه الهجمات”.

وأوضح أن “إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب الدعم المستمر لجماعات مسلحة في المنطقة، يعكس نهجاً تصعيدياً ذا طابع توسعي من شأنه تهديد أمن الملاحة الدولية وزعزعة استقرار المنطقة”.

وشدد أبو زينب على أن “المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان مطالبون بتحرك عاجل لتوثيق هذه الانتهاكات، وفرض عقوبات على المسؤولين عنها، وملاحقة كل من يثبت تورطه في استهداف المدنيين”، معتبراً أن مثل هذه الأفعال تندرج ضمن جرائم جسيمة تستوجب المساءلة وفق القانون الدولي.

وأكد في ختام تصريحاته أن أي تأخير في اتخاذ موقف حاسم من شأنه أن يفاقم الأزمة ويُطيل أمد التصعيد في دول الخليج، ما يجعل من التنسيق العربي والتحرك الدولي الفاعل ضرورة ملحة لوقف الانتهاكات وحماية المدنيين.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان