منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

بين حق الطفل في الرعاية والحق في الحماية

بعد قرن من الحضانة المنفردة.. اليابان تفتح باباً جديداً لحقوق الطفل والوالدين

01 أبريل 2026

للمرة الأولى منذ أكثر من قرن، تسمح اليابان للأزواج المطلقين بالتفاوض على الحضانة المشتركة لأطفالهم، في تحول قانوني يضع مسألة تربية الأطفال بعد الطلاق في قلب نقاش حقوقي يتقاطع فيه حق الطفل في الرعاية، وحق الوالدين في المشاركة، مع واجب الدولة في الحماية.

تدخل هذه القواعد الجديدة حيز التنفيذ اعتباراً من اليوم الموافق الأول من أبريل، في ما وصفته صحيفة “الغارديان” بأنه أول تغيير جوهري في قوانين تربية الأطفال منذ أواخر القرن التاسع عشر.

وتعكس هذه الخطوة انتقالاً من نظام كان يلزم أحد الوالدين فقط بالحصول على الحضانة، إلى نموذج يتيح الاختيار بين الحضانة المنفردة أو المشتركة، ما يفتح المجال لإعادة تعريف العلاقة الأسرية بعد الطلاق.

ويأتي هذا التحول استجابة لضغوط متزايدة من منتقدين رأوا أن النظام السابق لا يضر فقط بالأطفال نفسياً، بل يقصي أحد الوالدين بشكل كامل من حياتهم، في مساس واضح بحقوقه الأسرية.

وتبرز التعديلات الجديدة، كما تشير  صحيفة “جابان تايمز”، أن الهدف المركزي للإصلاح يتمثل في وضع “مصلحة الطفل الفضلى” في صميم ترتيبات ما بعد الطلاق، وهو ما يمنح البعد الحقوقي لهذا التغيير ثقله الأساسي، باعتباره معياراً حاكماً لكل قرار يتعلق بالحضانة.

إعادة توزيع للحقوق

يفرض النظام الجديد واقعاً مختلفاً، إذ لم يعد أحد الوالدين يقصى تلقائياً من سلطة اتخاذ القرار، بل بات بإمكانهما الاتفاق على تقاسم المسؤوليات، أو ترك الأمر لمحكمة الأسرة في حال تعذر التوافق.

وفي هذا السياق، يطلب من القضاة تقييم كل حالة على حدة، مع مراعاة علاقة الطفل بكل من والديه، وطبيعة العلاقة بين الوالدين، ما يعكس توسيعاً لدور القضاء في تنظيم الحياة الأسرية.

يمنح هذا التحول الوالد غير الحاضن سابقاً فرصة المشاركة في قرارات مصيرية تمس حياة الطفل، مثل اختيار المدرسة، وتحديد مكان الإقامة، والموافقة على الإجراءات الطبية، وهي مجالات كانت محصورة بالكامل في يد الطرف الحاضن.

ينظر إلى هذا التغيير باعتباره استعادة لحق كان مسلوباً، خاصة في ظل الانتقادات التي طالت النظام السابق بسبب تهميش أحد الوالدين.

يظهر الواقع الإحصائي عمق هذا الخلل، إذ منحت الأمهات الحضانة في 85% من الحالات عام 2020، في حين كشف مسح حكومي عام 2021 أن واحداً من كل ثلاثة أطفال فقد التواصل مع الوالد غير الحاضن، في مؤشر يعكس حجم القطيعة الأسرية التي كان يكرسها النظام السابق.

يقارب هذا الإصلاح اليابان من بقية دول مجموعة السبع، حيث كانت الدولة الوحيدة التي لا تعترف قانوناً بالحضانة المشتركة، ما يجعل هذا التغيير ليس فقط قانونياً، بل أيضاً إعادة تموضع ضمن المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الطفل والأسرة.

مخاوف الحماية

يثير هذا التحول، رغم طابعه الإصلاحي، مخاوف جدية تتعلق بحماية ضحايا العنف الأسري، إذ يحذر منتقدون من أن الحضانة المشتركة قد تتحول إلى أداة تتيح للطرف المسيء مواصلة السيطرة أو الإيذاء، عبر فرض تواصل مستمر مع الشريك السابق.

وتبرز هذه المخاوف بوضوح في شهادة إحدى الناجيات من العنف، والتي أعربت عن خوفها من استغلال زوجها السابق للقانون الجديد لطلب الحضانة المشتركة، ما يضعها في حالة قلق دائم لسنوات طويلة.

تعكس هذه الحالة التوتر القائم بين حق الطفل في الحفاظ على علاقة مع كلا الوالدين، وحق الطرف المتضرر في الحماية من العنف، وهو توتر يعكس أحد أكثر الإشكالات تعقيداً في قضايا الأحوال الشخصية.

وعلى الرغم من أن المحاكم لا تمنح الحضانة المشتركة في حال وجود خطر أذى جسدي أو نفسي، فإن صعوبة إثبات بعض أشكال العنف، مثل الإساءة العاطفية أو المالية، تظل مصدر قلق حقيقياً.

تحاول التعديلات معالجة هذا التوازن عبر منح أحد الوالدين حق اتخاذ قرارات منفردة في الحالات الطارئة، مثل الهروب من العنف أو الموافقة على علاج طبي عاجل، وهو ما يعكس إدراكاً قانونياً لحاجة الضحايا إلى هامش من الاستقلالية والحماية.

اختبار التطبيق

توسع التعديلات من سلطة محكمة الأسرة التي باتت الجهة الحاسمة في تحديد شكل الحضانة عند غياب الاتفاق، بل ويمكنها أيضاً تعيين أحد الوالدين لاتخاذ قرار محدد في حال الخلاف، ويثير هذا التوسع تساؤلات حول مدى قدرة القضاء على تحقيق توازن عادل بين الحقوق المتعارضة، خاصة في ظل غياب افتراض قانوني يرجح أحد الخيارين.

تمتد هذه السلطة أيضاً إلى مراجعة الاتفاقات السابقة، إذ يسمح للأزواج المطلقين قبل دخول القانون حيز التنفيذ بالتقدم بطلب لتغيير ترتيبات الحضانة، مع إخضاع هذه الطلبات لتقييم جديد قائم على مصلحة الطفل الفضلى.

وتشمل عملية التقييم فحص مدى التزام كل والد بمسؤولياته، مثل دفع النفقة واحترام الطرف الآخر، ما يعكس إدخال معايير سلوكية في تقدير الأهلية للحضانة.

تضيف التعديلات عناصر تنظيمية أخرى، مثل فترات الزيارة التجريبية، وآليات أوضح لضمان دفع نفقة الطفل، ما يشير إلى محاولة شاملة لإعادة هيكلة العلاقة بين الوالدين بعد الطلاق، ليس فقط من حيث الحضانة، بل أيضاً من حيث الالتزامات المالية والتواصل الأسري.

إعادة إنتاج الصراع

تعكس الحالات الواقعية التي أوردتها التغطيات تعقيد هذا التحول، إذ يرى بعض الآباء أن الحضانة المشتركة قد تمنحهم القدرة على التدخل لحماية أطفالهم في مسائل صحية أو تعليمية، بعد أن كانوا عاجزين عن ذلك، في المقابل، يخشى آخرون أن يؤدي هذا النظام إلى فرض تواصل غير مرغوب فيه، أو إعادة فتح علاقات متوترة، ما قد ينعكس سلباً على الأطفال أنفسهم.

يرتبط هذا الجدل بسياق اجتماعي أوسع، حيث لا يزال الطلاق في اليابان يحمل وصمة اجتماعية، وغالباً ما يأتي بعد انهيار عميق في العلاقات، ما يجعل افتراض القدرة على التعاون بين الوالدين محل تساؤل.

وفي هذا الإطار، يصبح تطبيق القانون هو العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان سيعزز حقوق الطفل والأسرة، أم سيخلق مساحات جديدة للنزاع.

ويُبقي هذا الإصلاح الباب مفتوحاً أمام اختبار عملي طويل، حيث ستتحدد ملامحه الحقيقية من خلال قرارات المحاكم وتفاعل المجتمع معه، في توازن دقيق بين حماية الحقوق وضمان عدم تحولها إلى أدوات ضغط أو ضرر.