منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد توثيق 17 جريمة.. تصاعد مقلق في جرائم قتل النساء بسوريا خلال 2026

22 مارس 2026
تصاعد مقلق في جرائم قتل النساء بسوريا
تصاعد مقلق في جرائم قتل النساء بسوريا

في مدينة حماة، لم تكن الشابة التي لم تتجاوز التاسعة عشرة تتوقع أن ينتهي زواجها بعد فترة قصيرة إلى جثة داخل منزلها، الواقعة، التي أوردها المرصد السوري لحقوق الإنسان، تحولت سريعًا إلى صدمة جديدة في بلدٍ لم تتوقف فيه خسائر النساء عند حدود الحرب، بل امتدت إلى داخل البيوت أيضًا.

وبحسب المعطيات الأولية التي نقلها المرصد السوري، اليوم الأحد، كانت الشابة قد عادت إلى المنزل بطلب من زوجها بعد زيارة عائلية، قبل أن تُعثر عليها مقتولة لاحقًا، من دون إعلان واضح حتى الآن عن ملابسات الجريمة أو هوية الفاعل.

هذه الحادثة لا تبدو، في السياق السوري الراهن، مجرد جريمة جنائية معزولة، فالأرقام التي أوردتها تقارير محلية خلال الأيام الأخيرة تشير إلى تصاعد مقلق في الجرائم التي تحصد نساءً وأطفالًا ضمن مشهد أمني واجتماعي هش.

ووفق إحصاء المرصد السوري، سُجلت منذ مطلع العام الجاري، 108 جرائم قتل أوقعت 120 ضحية، بينهم 17 امرأة و10 أطفال، مع بروز محافظات مثل حلب وحماة بين المناطق التي شهدت حوادث لافتة.

عنف منزلي ومجتمعي

لكن الصورة الأوسع أشد قسوة، فالمرصد السوري لحقوق الإنسان قال في 16 مارس الجاري، إن ما لا يقل عن 51 امرأة و80 طفلًا قُتلوا في سوريا منذ بداية العام، في حوادث تنوعت بين جرائم قتل جنائية، وإطلاق نار عشوائي، ومخلفات حرب وألغام، إضافة إلى القصف والعمليات العسكرية.

هذا التداخل بين العنف المنزلي والمجتمعي، وبين عنف الحرب الممتد في المجال العام، يجعل النساء في سوريا عرضة لأخطار متعددة في آن واحد، داخل البيت، وفي الطريق، وفي مناطق النزوح، وحتى عند محاولة العودة إلى حياة “طبيعية” بعد سنوات طويلة من النزاع.

وتوضح تقارير أممية وإنسانية أن العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال جزءًا أساسيًا من الأزمة السورية، فخطة العمل الإنسانية الخاصة بسوريا لعام 2025 أشارت إلى أن 93% من نحو 8.5 مليون شخص يحتاجون إلى خدمات مرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي هم من النساء والفتيات، في مؤشر واضح إلى حجم الهشاشة التي تعيشها هذه الفئة.

كما يؤكد صندوق الأمم المتحدة للسكان وهيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء والفتيات في سوريا يواجهن أسوأ تبعات الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية المتداخلة، بما في ذلك ارتفاع مخاطر العنف وصعوبة الوصول إلى الحماية والخدمات.

العنف ضد النساء

ولا تتعلق المأساة فقط بوقوع الجريمة، بل بما يليها أيضًا، الخوف، والصمت، وضعف الوصول إلى العدالة، ففي بلد أنهكته الحرب والانقسام وتراجع مؤسسات الحماية، تصبح كثير من النساء أقل قدرة على طلب المساعدة أو الإبلاغ المبكر عن التهديدات، سواء بسبب الخوف من الوصم الاجتماعي أو بسبب هشاشة البنية القانونية والخدمية.

وتلفت تقارير حقوقية إلى أن سوريا ما زالت تفتقر إلى إطار قانوني رادع وشامل يجرّم العنف ضد النساء على نحو كافٍ، فيما تبقى الحماية المتاحة أقل بكثير من حجم الحاجة الفعلية.

وتفتح جريمة حماة، مرة أخرى، سؤالًا ثقيلًا في سوريا اليوم: كيف يمكن لامرأة شابة أن تكون غير آمنة؟ وذلك في لحظة يفترض أنها من أكثر لحظات حياتها خصوصية واستقرارًا.

وبينما تتواصل التحقيقات في هذه الواقعة، فإن الرسالة الإنسانية الأوسع تبدو واضحة؛ النساء في سوريا لا يحتجن فقط إلى إدانة الجرائم بعد وقوعها، بل إلى منظومة حماية حقيقية تبدأ من القانون، وتمر بالخدمات والدعم النفسي والاجتماعي، وتنتهي بمحاسبة الجناة وكسر دائرة الصمت التي تجعل كثيرًا من القصص تُدفن قبل أن تُروى.