منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

رحيلٌ مُرّ وبقاءٌ أمرّ.. لاجئو برج البراجنة عالقون بين نارين

26 مارس 2026
قصف مخيم برج البراجنة في لبنان
قصف مخيم برج البراجنة في لبنان

يتمسك سكان مخيم برج البراجنة في لبنان بالبقاء في منازلهم رغم القصف المتكرر الذي يطول الضاحية الجنوبية لبيروت منذ 2 مارس الجاري، رافضين مغادرة المخيم الذي تحول بالنسبة إليهم إلى أكثر من مجرد مكان سكن، فبالنسبة لعائلات عاشت اللجوء والاقتلاع منذ عقود، لا يبدو النزوح مرة أخرى خياراً سهلاً، حتى تحت التهديد المباشر.

وبين الخوف من الغارات وغياب البدائل وضيق الأحوال المعيشية، يفضل كثيرون البقاء في أزقة المخيم المكتظة على مواجهة رحلة نزوح جديدة لا يعرفون إلى أين تقودهم.

ويقف مخيم برج البراجنة، في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، بوصفه واحداً من أكثر الأماكن اختصاراً لقصة اللجوء الفلسطيني في لبنان.. نزوح قديم لم ينتهِ، واكتظاظ مزمن، وحقوق منقوصة، وحروب متعاقبة، ثم قصف جديد يطاول محيطه منذ مطلع مارس الجاري.

وبينما توجهت إليه فرق صحفية دولية باعتباره ضمن المنطقة التي طالتها التحذيرات والضربات الإسرائيلية في الضاحية، فإن قصة المخيم أقدم بكثير من الحرب الحالية؛ فهي تبدأ مع نكبة 1948، حين أُنشئ المخيم لإيواء اللاجئين الفلسطينيين القادمين أساساً من قرى وبلدات الجليل، ثم انتقلت إدارته إلى وكالة الأونروا عام 1950.

وتقول الأونروا إن المخيم يقع على بعد نحو 4 كيلومترات من وسط بيروت، وقد استقبل في بدايته نحو 3,500 شخص فقط، قبل أن يتحول مع الزمن إلى واحدة من أكثر البيئات الحضرية اكتظاظاً وهشاشة في لبنان.

من التأسيس إلى الاكتظاظ

تُظهر البيانات الرسمية أن آخر تعداد رسمي شامل للمخيم أُنجز في 2017 بالشراكة بين لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني وإدارة الإحصاء المركزي اللبنانية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وقد أُحصي في ذلك العام 18,351 شخصاً داخل مخيم برج البراجنة نفسه، إضافة إلى 2,332 شخصاً في التجمع الملاصق له.

ويكتسب هذا الرقم أهمية خاصة لأنه يظل، حتى الآن، أحدث تعداد رسمي منشور ومفصل على مستوى المخيم نفسه، في ظل غياب إحصاء رسمي أحدث يحدد عدد المقيمين الحاليين داخله بدقة.

وفي السياق الأوسع، قالت الأونروا إن عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لديها في لبنان بلغ 487,869 حتى 30 يونيو 2025، مع الإشارة إلى أن عدد المسجلين لا يطابق بالضرورة عدد المقيمين الفعليين في البلاد، بسبب الهجرة والوفيات واستمرار التسجيل الطوعي.

أزمة لجوء ممتدة

تؤكد هذه الأرقام أن برج البراجنة ليس مجرد حيّ فقير في الضاحية، بل جزء من أزمة لجوء ممتدة في بلد يستضيف إحدى أكثر تجمعات اللاجئين الفلسطينيين هشاشة.

وتقول الأونروا إن أكثر من 83% من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعيشون تحت خط الفقر الوطني، في حين تشير صفحة الوكالة الخاصة بلبنان إلى أن قرابة 80% كانوا تحت هذا الخط في 2023، ما يعكس عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها سكان المخيمات.

وبالنسبة لبرج البراجنة تحديداً، لا تقف الأزمة عند الفقر وحده، بل تمتد إلى ضيق المساحة، ورداءة البنى التحتية، وشبكات الكهرباء المكشوفة، والمياه الملوثة أو الشحيحة، وتراكم البناء العمودي العشوائي داخل مساحة محدودة.

وقد أشارت الأونروا في موادها الخاصة بالمخيم إلى أنها تشغّل فيه 3 مدارس تخدم أكثر من 2,051 طفلًا، بينهم لاجئون فلسطينيون قدموا من سوريا، ما يوضح أن المخيم لم يعد فقط ملاذاً للاجئي 1948، بل صار أيضاً ملجأً لموجات نزوح فلسطينية لاحقة.

مخيم نجا من حروب سابقة

يحمل المخيم في ذاكرته ندوباً قديمة تفسر جزءاً من خوف سكانه الحالي، فالأونروا تشير إلى أن برج البراجنة تضرر جزئياً خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وخلال الحرب الأهلية اللبنانية، في حين توثق مصادر فلسطينية بحثية أن المخيم كان من المخيمات التي طالتها حرب المخيمات في الثمانينيات، وأن نحو 65% منه دُمر خلال تلك المرحلة.

ومع أن هذه النسبة ليست صادرة عن جهة حكومية لبنانية، فإنها تساعد على فهم كيف تشكل المخيم الحالي.. إعادة بناء متكررة فوق دمار سابق، ثم توسع عمودي سريع لاستيعاب مزيد من العائلات، في غياب تخطيط عمراني حقيقي أو حق قانوني واضح بالتملك والتوسع.

ولهذا ظلّ المخيم، مثل غيره من المخيمات الفلسطينية في لبنان، يعيش في حالة “المؤقت الدائم”: لا هو حيّ عادي خاضع للتنظيم المدني الكامل، ولا هو مساحة محمية من الحروب والاضطرابات.

أزمة تزداد تعقيداً

ازدادت تعقيدات هذا الواقع في السنوات الأخيرة مع دخول عاملين جديدين على خط حياة المخيم، الأول هو وصول لاجئين فلسطينيين من سوريا بعد الحرب السورية، والثاني هو ملف سلاح الفصائل الفلسطينية داخل المخيمات.

وفي أغسطس 2025 بدأت السلطات اللبنانية، وفق وكالتي رويترز وأسوشيتد برس، أولى مراحل خطة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية من داخل المخيمات، وكانت البداية من مخيم برج البراجنة نفسه في بيروت.

وقدمت الحكومة اللبنانية الخطوة باعتبارها جزءاً من حصر السلاح بيد الدولة، في حين رأى بعض الفلسطينيين فيها إجراءً أمنياً لا يعالج جذور المشكلة المرتبطة بالحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية.

وبغض النظر عن الجدل السياسي، فإن بدء الخطة من برج البراجنة يعكس المكانة الحساسة للمخيم أمنياً وسياسياً، لا ديموغرافياً فقط.

بين هشاشة اللجوء وتهديد الحرب

تتضاعف هشاشة سكان المخيم اليوم بسبب الحرب الجارية في لبنان منذ 2 مارس 2026، فقد قالت رويترز إن القتال المتجدد بين إسرائيل وحزب الله منذ ذلك التاريخ أدى إلى أكثر من ألف قتيل في لبنان وتهجير أكثر من مليون شخص، في حين أكدت تقارير أخرى أن الضاحية الجنوبية لبيروت كانت من أكثر المناطق تعرضاً للتحذيرات والغارات.

وأظهرت تقارير محلية وإقليمية أن برج البراجنة نفسه ذُكر ضمن أحياء أو مناطق طالها القصف أو التحذير بالإخلاء في الضاحية الجنوبية خلال مارس الجاري.

وفي هذا السياق، تبدو خصوصية المخيم أنه ليس فقط جزءاً من الضاحية المستهدفة، بل أيضاً مساحة فلسطينية مكتظة لا يملك كثير من سكانها خيارات فعلية للنزوح أو الاستئجار أو العودة إلى مكان “أصل” آخر داخل لبنان.

لذلك، حين يقرر السكان البقاء رغم المخاطر، فالأمر لا يعود فقط إلى الشجاعة أو التحدي، بل أيضاً إلى غياب البديل.

ثلاث أزمات في آن واحد

تكشف الصورة الأوسع أن سكان برج البراجنة يعيشون عند تقاطع ثلاث أزمات في آن واحد.. أزمة لجوء فلسطيني تاريخية، وأزمة فقر وحقوق منقوصة في لبنان، وأزمة حرب جديدة تضرب الضاحية الجنوبية.

ولهذا لا يمكن قراءة المخيم فقط باعتباره “منطقة حمراء” على خرائط الحرب الراهنة، بل باعتباره مكاناً تختزن أزقته تاريخاً كاملاً من اللجوء والحرمان والصمود.

فمنذ أن أُنشئ لإيواء بضعة آلاف من اللاجئين في 1948، وحتى تحوله اليوم إلى مخيم يضمّ -وفق آخر تعداد رسمي- أكثر من 18 ألف نسمة داخل حدوده، ظل برج البراجنة شاهداً على مأساة فلسطينية لم تُحل، وعلى هشاشة لبنانية مزمنة، وعلى حقيقة قاسية تتكرر كل مرة.. المخيمات لا تنجو من الحروب بسهولة، لكنها أيضاً نادراً ما تجد طريقاً حقيقياً للخروج منها.