منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

النساء الإيرانيات.. حلم العودة إلى ما قبل 1979

21 مارس 2026
طلاب يدرسون في جامعة طهران
طلاب يدرسون في جامعة طهران

رويا راستغار*

منذ عقود، تتصدر النساء الإيرانيات مشهد المقاومة في وجه الجمهورية الإسلامية، غير أن أصواتهن اليوم، وسط غارات عملية “الغضب الملحمي”، تتلاشى على نحو مقلق. لفهم هذه اللحظة، لا بد من استحضار ما جرى فقدانه.

في عهد محمد رضا شاه بهلوي، مُنحت المرأة الإيرانية حق التصويت عام 1963، أي قبل ثماني سنوات من سويسرا، وشهد العام ذاته انتخاب ست نساء لعضوية البرلمان. وخلال أواخر الستينيات، اقتحمت النساء مجالات السلك الدبلوماسي والقضاء والشرطة، وعملن كمحاميات وطبيبات وطيارات وسياسيات، فيما كانت الجامعات تعج بهن.

لكن، خلال أسابيع من إعلان الجمهورية الإسلامية، أُقصيت القاضيات من مناصبهن، وخُفّض الحد الأدنى لسن زواج الفتيات إلى تسع سنوات، وفرض الحجاب إلزاميًا على جميع النساء، بما في ذلك غير المسلمات، تحت طائلة السجن والجلد.

في الثامن من مارس عام 1979، يوم المرأة العالمي، خرجت أكثر من مئة ألف امرأة إلى شوارع طهران احتجاجًا. كنّ صاخبات… وكنّ على حق. لكن النظام تجاهلهن، ثم أسكتهن، ثم شيّد منظومة قانونية كاملة تقوم على الفصل الجندري وتطويق أجساد النساء.

هذه ليست قصة من الماضي البعيد. فإيران حديثة، متعلمة، وأكثر عدالة، كانت قائمة حتى وقت قريب في ذاكرة الأحياء. وقد سلبتها الجمهورية الإسلامية، ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف النساء الإيرانيات عن النضال لاستعادتها.

في عام 2022، تحوّل شعار “المرأة، الحياة، الحرية” إلى العمود الأخلاقي لانتفاضة إيران الحديثة. وعندما قُتلت الشابة مهسا جينا أميني، البالغة من العمر 22 عامًا، بعد تعرضها للضرب على يد “شرطة الأخلاق” بسبب “حجاب غير لائق”، اشتعلت البلاد. أحرقت الفتيات الحجاب في الشوارع، وامتدت الاحتجاجات إلى أكثر من 285 مدينة، واتحد الإيرانيون، بمختلف أعراقهم وطبقاتهم وأجيالهم، للمطالبة بإنهاء قبضة النظام على حياتهم.

جاء رد النظام منهجيًا ووحشيًا: آلاف القتلى. استُهدفت النساء بإطلاق النار على وجوههن وصدورهن وأعضائهن التناسلية، في نمط متكرر من العقاب المقصود. الفتيات اللواتي شُوّهن أو قُتلن فيما يسمى “جرائم الشرف”، واللواتي اعتُقلن أو أُجبرن أو تعرّضن للاغتصاب أو التعذيب في السجون، كل ذلك ليس حوادث متفرقة، بل عنفا متجذرا في القانون، يُشكّل تفاصيل الحياة اليومية منذ 46 عامًا.

ومع ذلك، لم يثر غضب بعض الأصوات النسوية الغربية إلا هذا الشهر، بعد غارة أمريكية أودت بحياة 165 طفلًا، معظمهم فتيات، في مدرسة داخل قاعدة بحرية في ميناب. لا شك أن مقتل هؤلاء الأطفال مأساة مروعة. لكن ليس من النسوية أن يُرفع الصوت احتجاجًا على فتيات قُتلن بقنابل أمريكية، بعد صمت طويل عن فتيات أُطلق عليهن النار في وجوههن، أو أُجبرن على الزواج في سن الطفولة. ذلك ليس تعاطفًا خالصًا، بل سياسة ترتدي قناع الرحمة.

حياة الفتيات الإيرانيات لا ينبغي أن تُقاس بقيمة تختلف تبعًا لهوية القاتل.

داخل إيران اليوم، تعيش النساء تحت وطأة مخاوف متداخلة. مصادر من الداخل -شبكة من الصحفيين والنشطاء المستقلين- لا تزال تتواصل معي بشكل متقطع، رغم انقطاع الإنترنت المتعمد، عبر رسائل مقتضبة تمر عبر شبكات VPN غير مستقرة.

إحدى المعلمات في طهران وصفت عبء الانهيار الاقتصادي اليومي، حيث تصل تكلفة عدد محدود من السلع الأساسية إلى ما يعادل 70 دولارًا، بينما يواجه الفقراء ما لا يمكن وصفه إلا بالكارثة.. تحدثت عن استيقاظها ليلًا، غير قادرة على التمييز بين صوت قنبلة أو مداهمة من قوات الباسيج، في غياب صافرات الإنذار التي قد تنذر بالخطر.

مواقف النساء من الضربات الجوية والتدخل الخارجي ليست موحدة، وهذه التعقيدات تستحق أن تُنقل كما هي، دون تشويه أو توظيف سياسي. بعض النساء في طهران يتحدثن بواقعية مُنهكة، إذ يشعرن أن 80% من الناس لم يعودوا يرون طريقًا داخليًا للتغيير، وأن الضغط الخارجي ربما بات القوة الوحيدة القادرة على كسر قبضة النظام.

إحدى النساء عبّرت عن رغبتها في أن يفي الرئيس دونالد ترامب بوعده الانتخابي بإسقاط الجمهورية الإسلامية، لا حبًا في الحرب، بل حبًا في طهران وخوفًا عليها من موت بطيء.

في المقابل، ترفض أخريات الضربات الجوية رفضًا قاطعًا، ليس دفاعًا عن النظام، بل رفضًا للدمار.. صحفية من طهران تحدثت عن صدمتها من الغارات الصباحية، وعن مدينة تفوح منها رائحة البارود، وصديقة لها انهارت نفسيًا تحت وقع الانفجارات. رسالتها لمن يصفقون من الخارج كانت واضحة: تعالوا إلى هنا.. عيشوا هذا.. افهموا معنى الدمار حين يصيب الأجساد والعقول.

امرأة أخرى تحدثت بمرارة عن مشاهد الإسرائيليين وهم يهرعون إلى الملاجئ عند سماع صفارات الإنذار، بينما يحتضن بعضهم بعضًا. وقالت: “نحن لا نملك ملاجئ… لا نملك صفارات إنذار… لدينا نظام لا يمثلنا، بل يهددنا فقط. الشعب الإيراني وحيد جدًا… هذا القدر من الإهانة قد يُذيب الحجر”.

هكذا كانت القصة منذ 1979، وكانت كذلك في 2022، حين فشلت مؤسسات نسوية غربية في مواكبة شجاعة النساء اللواتي أحرقن الحجاب في شوارع طهران. وهي القصة ذاتها في فبراير 2026، حين تحولت منشورات على منصة “إكس” إلى سخرية مبتذلة من حركة الحرية في إيران، عبر اختزالها في تعليقات مهينة، منطق لا يختلف عن خطاب الباسيج الذين وصفوا المتظاهرات بالعاهرات قبل إطلاق النار عليهن.

إنه نزع للإنسانية، وإن اختلفت أشكاله.

النساء اللواتي خرجن في 1979 كنّ يدركن ما يخسرنه، وقلن ذلك بصوت عالٍ.. والنساء اللائي يعشن اليوم في طهران يستيقظن على أصوات الانفجارات، وينقلن شهاداتهن عبر “ستارلينك”، ويرين عائلاتهن مهددة، هنّ يدركن تمامًا ما يعشنه وما يردنه.

إنهن يردن ما كانت عليه إيران قبل أن تسلبه الجمهورية الإسلامية.. يردن، كما قالت إحدى المعلمات بدقة موجعة: الحياة.

ولعل الوقت قد حان أخيرًا لأن يُصغي العالم إليهن.

 

*رويا راستغار، وهي من الجيل الأول من الإيرانيين الأمريكيين، هي المؤسسة المشاركة لتجمع الشتات الإيراني، وهي منظمة مؤيدة للديمقراطية تعمل على تضخيم أصوات الناس داخل إيران.

نقلا عن نيويورك بوست..