منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

المحاكمات العسكرية للمدنيين في بلدان عربية.. وسيلة قانونية أم أداة لقمع المجتمع؟

18 مارس 2026
تسود المحاكمات العسكرية مشاهد مشبعة بالتوتر
تسود المحاكمات العسكرية مشاهد مشبعة بالتوتر

لم أرَ هيئة محكمة، ولم أمنح فرصة للدفاع عن نفسي، فقط سمعت صوت شخص يقرأ بصوت عالٍ الاتهامات الموجهة إلي، ويقول في النهاية: “حكم عسكري 10 سنوات”، هكذا يصف محمود (اسم مستعار) أحد المدنيين العرب الذين خضعوا لمحاكمة عسكرية بعد القبض عليه أثناء المشاركة في إحدى المظاهرات الاحتجاجية عام 2015.

وتُجمع مبادئ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان على ضرورة كفالة المحاكمة العادلة أمام قاضٍ مستقل ومحايد، وهو ما يثير تحفظات جوهرية على إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري. فتنص المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل فرد في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة مستقلة ومحايدة منشأة بحكم القانون،

وتؤكد اتفاقيات جنيف، خاصة الاتفاقية الرابعة، على وجوب توفير ضمانات قضائية أساسية للأشخاص المحميين، وعدم محاكمتهم إلا وفق إجراءات تكفل حقوق الدفاع. وفي السياق ذاته، شددت مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية على ضرورة الفصل بين السلطات، بما يحول دون خضوع القضاء لتأثيرات السلطة التنفيذية أو العسكرية.

وفي السنوات الأخيرة تصاعدت مخاوف حقوقية من توسّع اختصاص المحاكم العسكرية في عدد من الدول العربية ليشمل المدنيين، خاصة مع تزايد الاحتجاجات السياسية والاجتماعية.

في تونس وليبيا ولبنان تجاوزت السلطات الحدود التقليدية للقضاء العسكري المخصّص للعسكريين، وتحوّل هذا النظام القضائي الاستثنائي إلى أداة لمحاكمة معارضين ومدافعين عن الحقوق وأفراد شاركوا في احتجاجات سلمية، وفي ظل غياب ضمانات المحاكمة العادلة، تتكشف أمام مراقبين ومؤسسات حقوق الإنسان فجوة متنامية بين المعايير الدولية لحقوق الإنسان والتطبيقات العملية في ساحات المحاكم العسكرية.

وعادة ما تسود المحاكمات العسكرية مشاهد مشبعة بالتوتر والارتباك، حيث تتداخل مفاهيم الأمن القومي مع العدالة الجنائية، وتُختزل الحقوق الأساسية للمواطنين في قاعات محكمة مغلقة، لا يدخلها الضوء المدني.

وفي كثير من البلدان العربية لم تعد هذه المحاكم وسيلة لمحاسبة العسكريين وتصحيح الأوضاع داخل الجيوش فحسب، بل أصبحت أداة استثنائية لمحاكمة المدنيين، وتطويع القانون في خدمة السلطات الحاكمة.

تونس.. القضاء العسكري خارج نطاقه

في أروقة المحاكم العسكرية التونسية، لا تسمع فقط القضايا التي تخص الجنود والضباط، بل تملأ الأرجاء صرخات المدنيين الذين تم اقتيادهم إلى قفص العدالة الاستثنائية التي تفتقر إلى ضمانات المحاكمات العادلة.

ورغم أن المدنيين لم يكونوا طرفاً في سن قوانين الجيش أو شركاء في إدارة المؤسسة العسكرية، فإنهم لم يسلموا من أحكامها القاسية، إذ يظل القانون العسكري في تونس مطاطاً وقابلا للتأويل ويتيح محاكمة المدنيين في ظروف معينة، أبرزها عند تقديم شكاوى من عسكريين ضد مدنيين أو توجيه اتهامات تتعلق بإهانة أو الإضرار بمؤسسات الجيش.

وتعد هذه الظاهرة مصدر قلق كبيراً للأهالي والناشطين، حيث يُخشى من أن تؤدي إلى انتهاكات إضافية للحقوق الأساسية للمواطنين، إذ يسعى الكثيرون في تونس إلى إعادة تقييم النظام القانوني وضمان الفصل بين السلطات، بحيث تُعطى الأولوية لحقوق الأفراد وحقهم في محاكمة عادلة وشفافة أمام القضاء الطبيعي.

وداخل قاعة المحكمة العسكرية، لم يكن هناك مكان للعواطف، كما قال يوسف (26 عاماً) شقيق أحد الشباب المحاكمين عسكرياً لـ”صفر”: “أخي لم يكن يتخيل أن منشوراً واحداً كتبه على حسابه بموقع فيسبوك ينتقد فيه سياسات الرئيس قيس سعيد سيجعله يمثل أمام محكمة عسكرية.. فالملفات تفتح وتغلق بأوامر صارمة ولا مجال لمرافعة هيئة الدفاع أو استئناف الحكم”.

وفي 13 سبتمبر 2022 أصدر الرئيس التونسي قيس سعيد المرسوم “عدد 54” المتعلق بمكافحة جرائم أنظمة المعلومات والاتصال، ووردت فيه عقوبات تصل إلى السجن 5 سنوات لكل من نشر أخباراً كاذبة.

وقبله صدر القانون “عدد 26” عام 2015، ويتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، وجرى تحديثه بمقتضى القانون الأساسي “عدد 9” لعام 2019.

وتعد الحكومة التونسية مثل هذه القوانين أداة لمحاربة الفساد وفرض هيبة الدولة وحماية المؤسسة العسكرية.

في أبريل 2025، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش (غير حكومية ومقرها نيويورك)، إن السلطات التونسية حاكمت نحو 20 معارضاً أمام المحاكم العسكرية منذ يوليو 2021، بينهم أعضاء سابقون في البرلمان وصحفيون ومحامون ومعارضون سياسيون ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي.

وأكدت هيئات دولية متعددة، من بينها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والمقرّر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، أن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية يجب أن تظل استثناءً ضيقًا، بل وذهبت في كثير من توصياتها إلى رفضها بشكل قاطع لما تثيره من مخاوف بشأن الحياد والضمانات الإجرائية. وأوضحت هذه الهيئات أن التوسع في اختصاص القضاء العسكري يمثل انتهاكًا لمعايير المحاكمة العادلة، خاصة في ظل افتقار هذه المحاكم في كثير من الحالات إلى الاستقلال المؤسسي الكامل.

غياب الضمانات الأساسية في ليبيا

قالت ديانا الطحاوي المسؤولة في منظمة العفو الدولية إن “المحاكمات العسكرية للمدنيين في ليبيا تضرب عرض الحائط بالمعايير الدولية والإقليمية وهي جائرة بطبيعتها.. وتجري هذه المحاكمات سراً وأحياناً في غياب المحامين والمتهمين، ما يقوض أي مظهر من مظاهر العدالة”.

وفي مقابلات أجرتها منظمة العفو الدولية مع 11 شخصاً، بينهم متهمون سابقون ومدافعون عن حقوق الإنسان ومحامون، تبين لها أن أولئك الذين يواجهون محاكمات عسكرية قد احتُجزوا على نحو غير قانوني طيلة أشهر أو حتى سنوات، وتعرضوا للتعذيب وأُخضعوا لإجراءات قانونية بالغة الظلم.

وبحسب تقارير دولية، تشكل الإجراءات القضائية المتخذة أمام المحاكم العسكرية في ليبيا استهزاءً بحقوق متعددة للمحاكمة العادلة، منها الحق في الاستعانة بمحامٍ قبل المحاكمة وخلالها، والحق في التزام الصمت، وفي جلسة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة ومستقلة وحيادية، وفي حضور المحاكمة، وفي حكم ذي حيثيات وغيرها.

وفي عدة حالات لم يُبلَّغ المتهمون بالضبط بالتهم المنسوبة إليهم إلى حين موعد المحاكمة، وحوكموا في جلسات مغلقة، ولم يُسمح لهم بالاطلاع على ملفات القضية أو الأدلة التي تدينهم، أو على الأحكام المعللة عندما يدانون، علاوة على ذلك لا يمكن استئناف الإدانات الصادرة عن المحاكم العسكرية إلا أمام محكمة عسكرية عليا.

لا توجد إحصائيات رسمية أو بيانات متاحة حول عدد المدنيين الذين يمثلون أمام المحاكم العسكرية في ليبيا، غير أن بيانات صادرة عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والقوات المسلحة الليبية قالت إن 22 شخصاً على الأقل واجهوا أحكاماً عسكرية بالإعدام بين عامي 2018 و2020، في حين أكدت منظمات ليبية لحقوق الإنسان صدور ما لا يقل عن 31 حكماً بالإعدام خلال الفترة ذاتها.

قضاء عسكري لبناني صلب

لم يكن وائل (21 عاماً آنذاك) محتاجاً سوى أن يرفع شعار “كلن يعني كلن” بصوته الخشن من كثرة الهتاف؛ احتجاجاً على فشل السلطة اللبنانية في حل أزمة النفايات المتراكمة في العاصمة بيروت، إذ كان الشاب الغاضب واحداً ضمن الـ14 متظاهراً الذين اتهموا أمام المحكمة العسكرية في يناير 2015، وعوقب بالسجن لمدة 3 سنوات.

لم يحمل وائل سلاحاً أو زجاجة مولوتوف خلال المظاهرات، لكن رغم من ذلك تم اقتياده إلى محاكمة عسكرية، والتي وجهت إليه اتهامات بـ”إثارة الشغب، والتعدي على قوات الأمن، والتحريض على الفوضى”، ليجد نفسه معاقباً بالسجن 3 سنوات.

ونظام المحاكم العسكرية في لبنان هو نظام قضائي منفصل يخضع لإشراف وزارة الدفاع، والعديد من القضاة هم ضباط عسكريون، لا يشترط أن تكون لديهم خلفية قانونية، ويصدرون القرارات دون إعلان حيثيات للأحكام.

ورغم أن معظم الجلسات علنية من حيث المبدأ، فإن الدخول إلى المحكمة يظل مقيداً؛ كونها تقع ضمن منطقة عسكرية، في حين يسمح فقط بدخول منظمات حقوق الإنسان والصحفيين بعد حصولهم على إذن مسبق من المحكمة، ما يحول إلى حد كبير دون مراقبة المحاكمة.

وبشكل دوري يحاكم المدنيون في لبنان أمام القضاء العسكري لأسباب لا تتعلق بالاتهامات في جرائم خطيرة مثل الإرهاب أو التجسس، ولكن في مشادة مع عنصر في الجيش أو قوى الأمن، مثل حادث سيارة وغيره.

وكانت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة قد أوصت لبنان منذ عام 1978، ومجدداً في عام 2018، بإلغاء اختصاص القضاء العسكري لمحاكمة المدنيين وضمان شروط المحاكمة العادلة.

ولا تتوفر إحصاءات حول عدد المدنيين الماثلين أمام القضاء العسكري سنوياً، لكن وفقاً لجمعية “الاتحاد لحماية الأحداث في لبنان” حوكم 355 طفلاً أمام محاكم عسكرية عام 2016، وخلال السنوات الأخيرة، وجّهت النيابة العامة العسكرية اتهامات ضد محامين وناشطين حقوقيين بارزين في البلاد.

وسط هذه التطورات، ترى منظمات حقوق الإنسان أن إقدام الدول على محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية يشكل انتهاكاً صارخاً للمعايير الدولية، ومنها الحق في محاكمة عادلة، وفي الفصل بين السلطات، وفي ضمانات الدفاع الأساسية. وتدعو هذه المنظمات حكومات عربية إلى الالتزام التام بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وإلغاء اختصاص القضاء العسكري لمحاكمة المدنيين، وتطوير المنظومة القانونية بما يحمي الأفراد ويعزز سيادة القانون، بدلاً من أن تكون أداة لقمع الرأي والتعبير والمشاركة المدنية.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان