في عالمٍ يزداد اضطراباً، يأتي عيد الفطر في عام 2026 على العالم العربي كأنه زائرٌ يحمل في يده مرآةً لا هدية، مرآة تعكس ثقل الأزمات أكثر مما تعكس بهجة الطقوس.
فبين ضغوط اقتصادية متصاعدة، وصراعات مفتوحة، وتآكل متزايد في الحقوق الأساسية، تتراجع ملامح الفرح الجماعي، ويحل محلها شعور عام بأن العيد لم يعد كما كان، بل أصبح اختباراً صامتاً لقدرة الناس على التحمّل، هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الدولي والإقليمي، حيث تتشابك الأزمات الاقتصادية مع تداعيات الحروب التي ألقت بظلالها الثقيلة على المنطقة العربية بأكملها.
تشير أحدث تقديرات البنك الدولي لعامي 2025–2026 إلى أن نحو 8.5% من سكان العالم يعيشون في فقر مدقع (أقل من 2.15 دولار يومياً)، في حين يعيش قرابة 3.5 مليار شخص تحت خط 6.85 دولار يومياً، وهو ما يعكس استمرار الهشاشة الاقتصادية العالمية رغم التعافي الجزئي بعد الجائحة.
وفي ظل هذه المعطيات، يصبح العيد بالنسبة لملايين الأسر عبئاً إضافياً، حيث تتراجع الأولويات من شراء الملابس والحلوى إلى تأمين الحد الأدنى من الغذاء والدواء.
نار الحرب وارتداداتها
تُعد الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أحد أبرز العوامل التي عمّقت الأزمات الاقتصادية في المنطقة خلال 2026، فقد أدت الضربات المتبادلة واستهداف منشآت الطاقة إلى اضطراب حاد في الأسواق العالمية، وتشير تقديرات السوق إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة تقارب 30–40% خلال فترات التصعيد، مع تداول خام برنت حول 90–100 دولار للبرميل، واحتمالات تجاوزه 140 دولاراً في حال استمرار الحرب.
كما ارتفعت أسعار الغاز عالمياً، حيث قفزت الأسعار في أوروبا بأكثر من 45% خلال ذروة الأزمة، وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة؛ نظراً لأن دول المنطقة تنتج نحو 17% من النفط العالمي، وتمتلك أكثر من 30% من احتياطاته المؤكدة.
أما مضيق هرمز، فقد تحوّل إلى نقطة اختناق عالمية، حيث يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة، وتشير تقديرات ملاحية إلى تراجع حركة الناقلات بنسبة تصل إلى 70–80% خلال فترات التصعيد، ما أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين إلى مستويات قياسية.
العيد تحت ضغط الغلاء
تؤكد تقارير صندوق النقد الدولي لعام 2025 أن معدلات التضخم في عدد من الدول العربية لا تزال عند مستويات مرتفعة، حيث تراوحت بين 15% و30% في الاقتصادات الناشئة والمتأثرة بالأزمات.
وفي مصر، على سبيل المثال، ورغم بدء التراجع النسبي للتضخم في 2026، فإن الأسعار ما تزال عند مستويات مرتفعة مقارنة بقدرة الدخول، مع توقع نمو اقتصادي يتراوح بين 4.5% و5% خلال العام المالي 2025/2026.
لكن هذه المؤشرات الكلية تخفي واقعاً أكثر قسوة، فوفق بيانات منظمة العمل الدولية لعام 2025، يبلغ عدد العاطلين عالمياً نحو 191 مليون شخص، مع بطالة شباب تتجاوز 13%، في حين ترتفع في المنطقة العربية إلى ما بين 20% و28% في بعض الدول، ويعني ذلك أن ملايين الشباب يدخلون العيد دون مصدر دخل مستقر.
وتكشف بيانات المنظمة أيضاً أن نحو 400 مليون شخص عالمياً يعانون فجوة في فرص العمل، ما يعني أنهم إما عاطلون أو يعملون أقل من طاقتهم وفي العالم العربي، تتجسد هذه الفجوة في توسع الاقتصاد غير الرسمي، وتراجع جودة الوظائف، وهو ما يجعل “العمل” ذاته غير كافٍ للخروج من دائرة الفقر ومع استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، تضطر الأسر إلى تقليص الإنفاق على التعليم والصحة، ما يهدد الحقوق الأساسية ويحوّل العيد إلى لحظة تعكس عمق التفاوت الاجتماعي.
العيد في ظل الأزمات الإنسانية
تمتد تداعيات الأزمات إلى ما هو أبعد من الاقتصاد، لتطول جوهر الحقوق الإنسانية، فوفق أحدث تقديرات الأمم المتحدة لعام 2026، يعاني أكثر من 115 مليون شخص في المنطقة العربية من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة، في حين يحتاج عشرات الملايين إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
في قطاع غزة، يعيش السكان في ظل دمار واسع للبنية التحتية ونقص حاد في الغذاء والمياه، ما يجعل العيد أقرب إلى لحظة صمود لا احتفال، أما في سوريا، فقد تجاوز عدد النازحين داخلياً وخارجياً 13 مليون شخص، في واحدة من كبرى أزمات النزوح عالمياً.
هذه المؤشرات تعكس تراجعاً حاداً في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، حيث لم يعد الحق في الغذاء أو الصحة أو التعليم مضموناً، بل أصبح رهينة للصراع والاقتصاد والسياسة، ومع ضعف شبكات الحماية الاجتماعية، تتفاقم هشاشة الفئات الأكثر ضعفاً، خاصة النساء والأطفال واللاجئين، ما يجعل العيد في هذه البيئات رمزاً للفقد أكثر منه مناسبة للفرح.
ويأتي العيد في العالم العربي عام 2026 محمّلاً بثقل الواقع أكثر من خفة الفرح، هو عيدٌ يقف عند حافة الأمل، بين اقتصاد مثقل، وحقوق منقوصة، وصراعات مفتوحة، وكأن المنطقة بأسرها تعيش زمن “الفرح المؤجل”، تنتظر لحظة توازن لم تتشكل بعد، حيث يصبح الاحتفال ممكناً، لا مجرد محاولة للصمود في وجه عالم يزداد قسوة.
فرحة تحت وطأة الحرب
قال الدكتور صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر، إن الأزمات الراهنة أثرت تأثيراً مباشراًفي أجواء رمضان والعيد هذا العام،حيث أسهمت الحرب في تقليص فرحة شهر رمضان، مشيراً إلى أن متابعة أخبار المواجهات العسكرية استحوذت على اهتمام العالم العربي والإسلامي طوال الشهر، ما قلل بشكل ملحوظ من متابعة المسلسلات والأفلام والبرامج الترفيهية، مؤكداً أن هذا التحول انعكس على الجانب النفسي والاجتماعي.
وأشار فهمي في تصريحات خاصة لـ“صفر” إلى أن الأزمات الاقتصادية كانت مضافة إلى الضغط النفسي الذي فرضته الأحداث السياسية، موضحاً أن المنطقة تعيش حالة تضخم غير مسبوقة.
وتابع: “نحن نشهد ارتفاعاً سريعاً في الأسعار خلال ثلاثة أسابيع فقط، وهو ما يسمى في الاقتصاد بالتضخم الجامح الذي يشبه الحصان الجامح، وهذا التضخم أثر بشكل مباشر في العادات الاجتماعية المرتبطة بشهر رمضان، مثل الإفطار الجماعي واللقاءات العائلية، حيث تحول معظم الانشغال إلى متابعة أخبار الحرب والمستجدات السياسية”.
وأشار فهمي إلى أن التوترات الإقليمية، في ظل عصر العولمة، جعلت الصدمات الخارجية أكثر تأثيراًفي الاقتصادات العربية، وانعكس ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً على المواطنين”.
وأضاف أن السيناريوهات المستقبلية ما زالت صعبة التوقع، مشيراً إلى التصريحات المتكررة عن “إعادة تشكيل الشرق الأوسط”، وفي ظل هذه الأوضاع، لا تزال الخيارات العسكرية الموحدة في المنطقة غير قابلة للتطبيق عملياً، في حينيبقى التعاطف العربي والتواصل الاجتماعي أساساً مهماً للتخفيف من آثار الأزمات”.
وأكد فهمي أن البهجة والفرحة المرتبطة بالعيد لها جانب ملموس يتمثل في الإنفاق والخروج والسفر، وجانب آخر معنوي غير ملموس، والجانب المادي يتأثر مباشرة بما يحدث في الحرب، من ارتفاع الأسعار إلى اضطراب حركة الأسواق، أما الجانب النفسي فمرتبط بالقلق العام وتأثر الحالة المعنوية للمواطنين، وهو ما يجعل فرحة العيد هذا العام فرحة مؤجلة ومحفوفة بالقلق”.
فرحة العيد منقوصة
قال الكاتب محمد العروقي، من أهالي غزة، إن “حال العيد في وطننا العربي وفي الأمة الإسلامية يعكس واقعاً مؤلماً، فالعيد هذا العام يأتي في أجواء حرب وقلق وتوتر مستمر، ما ينعكس على كل أجواء الاحتفال والترقب، فالغلاء وارتفاع الأسعار يزيدان من شعور الإحباط لدى المحتفلين، وخصوصاً أولياء الأمور؛ لأن للعيد تكاليفه وطقوسه من مشتريات الحلويات ومواد الزينة إلى ملابس الأطفال والكبار، وكلها مرتبطة بروح العيد وفرحته”.
وأضاف العروقي في تصريحات خاصة لـ“صفر” أن “الأوضاع الراهنة في فلسطين، خاصة في غزة، حرمت الجميع من هذه الطقوس التي تعبر عن الفرح، قد تظهر أحياناً فرحة ظاهرية، لكنها لا تعكس حقيقة المشاعر، فالقلب تملؤه الغصة بسبب ما يحدث في المنطقة بأكملها”.
وأكد أن “هذه العوامل كلها تؤثر في فرحة العيد، فكيف يمكن الاحتفال وسط بيوت مدمرة وآلاف الجرحى والشهداء والمصابين والمختفين؟ وكيف يمكن أن يكون العيد سعيداً في بلدان عربية تتعرض للقصف أو مناطق الخليج والشرق الأوسط التي تعيش حالة حرب؟ وحتى لبنان الجريح، يعاني كثيراً ويشعر أهله بالثقل النفسي الكبير”.
وأشار العروقي إلى أن “بعض الدول العربية اضطرت إلى تقليص مظاهر الاحتفال بالعيد والاكتفاء بالشعائر الدينية فقط، بعيداً عن أي مظاهر فرحة، وهو ما يضع الأهالي والمحتفلين في مأزق نفسي مزدوج، فالأطفال يريدون المشاركة والفرح والاحتفال برفقة الجميع، لكنهم لا يدركون حجم المأساة المحيطة بهم”.
وأكد العروقي أن “الوضع الاقتصادي الصعب يضاعف الأزمة، إذ يرافقه ارتفاع كبير في أسعار وسائل المعيشة وكل ما يتعلق بالعيد، ما يضع عبئاً إضافياً على الأهالي، ويجعل الاحتفال أكثر تعقيداً”.
وأضاف: “هناك فرحة بالعيد، لكنها فرحة منقوصة لا تتناسب مع طبيعة هذه المناسبة، فالظروف الراهنة تضع القيود على الاحتفالات وتحد من التجمعات، وهو ما يحرم المجتمع من استعادة روح العيد الحقيقية”.
وختم العروقي تصريحه بالإشارة إلى أن “كل هذه الأزمات مجتمعة، سواء النفسية أو الاقتصادية أو الأمنية، تجعل فرحة العيد ناقصة، وتشكل تحدياً حقيقياً لكل من يسعى للحفاظ على روح الاحتفال وسط هذه الظروف القاسية، ما يعكس حجم المعاناة والتأثيرات النفسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب والأزمات المتلاحقة في العالم العربي والإسلامي.
فرحة مأزومة
قالت الحقوقية الدكتورة أسماء رمزي، إن الأزمات السياسية والاقتصادية لا تلغي العيد، لكنها تغيّر معناه، حيث ارتبط العيد تاريخياً بالوفرة واللقاءات العائلية والاحتفالات المشتركة، أما الآن فالتضخم وارتفاع الأسعار أجبر الأسر على تقليص مظاهر العيد بشكل واضح.
وأضافت رمزي، في تصريحات لـ”صفر”، أن مظاهر العيد التقليدية تغيرت بشكل كبير، حيث أصبحت شراء الملابس الجديدة أمراً انتقائياً أو مؤجلاً، والعزائم تتحول إلى زيارات بسيطة أو تُلغى، والهدايا باتت رمزية أو محدودة، مؤكدة أن الطبقة المتوسطة هي الأكثر تضرراً لأنها كانت عادةً الحاملة للطقوس التقليدية، أما اليوم فتعيش ضغوطاً تجعل الحفاظ على الشكل الاجتماعي من الصعوبة بمكان، كذلك فإن تراجع القدرة الشرائية أسفر عن تقليص مظاهر الفرح التقليدية، وهو ما انعكس ليس فقط مادياً بل نفسياً على الأسر، حيث شعور بالعجز أو التقصير يسيطر على كثير من الأفراد.
وأوضحت رمزي، أن الأزمات دفعت المجتمعات إلى تطوير أشكال تضامن جديدة، إذ ظهرت مبادرات مجتمعية لتبادل الدعم البسيط بين الأقارب والجيران، وتقليص الزيارات الاجتماعية لتجنب الإحراج، موضحة أن هذه التحولات تنقل العيد من كونه مناسبة وفرة ومجتمع إلى تجربة أكثر مرونة وبساطة.
وأضافت أن التوترات الإقليمية، تلقي بظلالها على المزاج العام، إذ يشعر الناس بالقلق من عدم الاستقرار، والخوف من انعكاسات اقتصادية على الأسعار والوظائف والتحويلات المالية، فضلاً عن تأثير الأخبار المستمرة للحرب في الحالة النفسية العامة، ما يجعل العيد يأتي في سياق قلق بدلاً من الطمأنينة.
وأشارت رمزي إلى أن الحقوق والحريات تتداخل مع تجربة العيد، موضحة أنه حين يشعر الأفراد بغياب العدالة أو التضييق على الحريات، يصبح الفرح مشروطاً أو ناقصاً، ويتحوّل العيد غالباً إلى شعائر دينية أكثر من كونه تجربة شعورية كاملة.
وأضافت أن الفرحة الحقيقية تحتاج إلى إحساس بالأمان، وكرامة إنسانية، وقدرة على التعبير، مشددة على أن غياب هذه العوامل يترك العيد قائماً شكلياً لكنه مفرغ جزئياً من روحه.
وتابعت الرمزي بالقول إن أولويات الإنفاق في هذه المرحلة تغيرت بشكل واضح، حيث تتقدم الضروريات مثل الغذاء والتعليم والعلاج على الكماليات المرتبطة بالعيد مثل الملابس الجديدة والخروج والسفر، وهو ما يعيد تعريف ما هو ضروري داخل الثقافة نفسها.
وأضافت أن استعادة فرحة العيد المستقبلية لا تعتمد فقط على التحسن الاقتصادي، بل على مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والحقوقية، مشيرة إلى أن استقرار الأسعار وتحسن الدخول وتقليل الفجوة الطبقية يشكّل شرطاً اقتصادياً لاستعادة البهجة، في حين يلعب الشعور بالعدالة والحرية دوراً أساسياً على الصعيد السياسي والحقوقي، في حين تعزز الروابط الاجتماعية والثقة المتبادلة بين الناس استعادة الطابع الجماعي للعيد.
وقال رمزيإن “الفرحة قد تكون منقوصة، لكنها موجودة، والمجتمعات العربية قادرة على إعادة صياغة معنى العيد بطريقة تحافظ على جوهره الإنساني والروحي، حتى وسط الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة”.

